حنا صالح: أمام نهاية الابتزاز الإيراني

44

أمام نهاية الابتزاز الإيراني
حنا صالح/الشرق الأوسط/19 أيار/2019

بات الحدث اليوم إعادة انتشار القوات الأميركية في مياه الخليج العربي وعلى أراضي دول خليجية، لأن النظام الإيراني لا يفهم إلاّ لغة القوة. هذا الحدث تمّ بطلب أميركي مباشر استند إلى الاتفاقات الثنائية بين الولايات المتحدة من جهة، ودول خليجية من بينها السعودية من جهة أخرى، والدافع لهذه الخطوة الكبيرة هو ما تحمله من أبعاد ردعية للنظام الإيراني الذي قدم الكثير من الدلائل على اعتزامه المضي في ارتكاب الأفعال المتهورة التي من شأنها تصعيد الموقف العسكري عبر الاستهداف المباشر لدول الخليج والمصالح الأميركية في المنطقة.

فكان الطلب الأميركي بإعادة الانتشار العسكري الذي أُريد منه توجيه رسالة مزدوجة من ناحية أولى تأكيد واشنطن أن الحماية متوفرة للمصالح الأميركية والاقتصاد العالمي، ومن ناحية ثانية إثبات ميداني أن الولايات المتحدة ليست بوارد التخلي عن حلفائها في الخليج، وخصوصاً عن دولة محورية بحجم المملكة السعودية.

على الدوام ورغم كل التحرشات تحاشت الرياض المواجهة العسكرية مع طهران لما سيترتب عليها من نتائج كارثية تتجاوز حدود المنطقة العربية، لكن مع دخول العقوبات الأميركية على النظام الإيراني مرحلة الضغط لتصفير الصادرات النفطية، وشمول العقوبات الجديدة صادرات الحديد والنحاس والألمنيوم، لجأت طهران إلى تصعيد كبير بعدما وُضِعَت أمام خيارات محدودة: أولها الرضوخ وهذا أمر يرفضه بحزم حكام طهران لأنه ألفباء سقوط نظامهم الشمولي، كونه سيطوي حلم إيران النووية، ويعطل البرنامج الصاروخي الذي تعتد به طهران ويضع نهاية لسياسة التوسع الإيرانية.

ثانيها الانتظار واقتصار المواجهة على اللغو والتعبئة المذهبية والاستثمار في «المظلومية» على الزعم من أن العقوبات تستهدف الشعوب الإيرانية.. لكن هذا الاحتمال استبعده ملالي إيران، لأن لا ضمانة بتغيير سياسي في واشنطن، ولا ضمانة بحدوث تفاهمات مجزية مع الأوروبيين وروسيا والصين يمكن التعويل عليها، لمواجهة التحديات الداخلية في بلد يعيش 50% من سكانه عند حافة الفقر وقد ينفجر بأسرع من المتوقع.

ثالثها المواجهة العسكرية مع ما تعنيه من حصار على الداخل الإيراني تحت عنوان «لا صوت يعلو على صوت المعركة». ولأن طهران تدرك حجم قوتها وقدرتها، ذهبت إلى ممارسة الحرب بالوكالة، متوسلة الإرهاب عبر أذرعتها في المنطقة بوهم إدخال تعديل على الشروط التي تضمنتها مضبطة الاتهام الأميركي التي حددت 12 شرطاً لبدء صفحة جديدة مع النظام الإيراني.

في عملية الفجيرة مع استهداف 4 ناقلات نفط في خليج عمان قرب مضيق هرمز كان التخطيط عملية جس نبض لاختبار الإرادة الدولية، لأن العملية تمثل خطراً محدقاً على تدفق الطاقة إلى الاقتصاد الدولي، وسعت الجهات المنفذة في نطاق جريمتها الإرهابية إلى تجنب أي ردٍ مدمر، وبالتالي تجنب الصدام المباشر. التحقيق الأميركي حمّل طهران بشكلٍ أم بآخر المسؤولية لأن العملية أكبر بكثير من أن تكون من صنع خلايا إرهابية، بقدر ما تقف خلفها إمكانات دولة أساسية.
قبل تبلور أي موقف وأي اتجاه، حدثت العملية الثانية بعد أقل من 48 ساعة، عندما استهدفت طائرات مفخخة بدون طيار (درونز) محطتي نقل للخام السعودي من شرق المملكة إلى البحر الأحمر.

الاستهداف طاول أكبر خط أنابيب ينقل يومياً أكثر من ثلاثة ملايين برميل من النفط ليضخها في الاقتصاد العالمي. وقيل إن الإرهابيين الحوثيين وراء هذه العملية، لكن الثابت أن اليد التي ضغطت على الزناد ووجهت هذه الطائرات المسيرة، وقبل ذلك اليد التي صنّعت وأمدت بها جماعات الحوثي، هي يد الحرس الثوري والقرار تتحمل المسؤولية عنه القيادة الإيرانية أولاً وأخيراً.

من تخريب الناقلات في الفجيرة إلى قصف خطوط النفط السعودية التي تمتد مسافة 1500 كلم وتُخفف الضغط عن مضيق هرمز، تم توجيه رسالة مفادها أن خطوط التجارة الدولية عبر مضيق هرمز كما عبر البحر الأحمر هي تحت السيطرة، وبذلك تكون طهران قد وضعت تهديداتها في التنفيذ، من أن المسعى الأميركي لتصفير الصادرات النفطية الإيرانية سيتبعه منع الآخرين من تصدير نفطهم، وأول الآخرين السعودية والإمارات. وسبق لطهران أن لجأت لمثل هذا الارهاب خلال الحرب مع العراق عندما استهدفت ناقلات النفط السعودية والكويتية، مع أن الحرب كانت مع نظام صدام حسين، وتكرر فعلتها اليوم مع أن المواجهة مع الولايات المتحدة.

المسار التصاعدي للأحداث اندفع بقوة والبصمات الإيرانية موجودة، وإن كان التنفيذ يتم بالوكالة، فهذه الأفعال الإجرامية محور في الممارسات التي تقف خلفها طهران لتوسل تحقيق أهدافٍ سياسية. إنه رهان قادة طهران على الإرهاب لإرباك الاقتصاد العالمي بإحداث ارتفاع كبير في الأسعار. ابتزاز تأمل منه طهران التمكن من تعديل مسار الأحداث، حيث تفعل العقوبات فعلها فتضغط على واشنطن لانتزاع تنازلات جدية.. بهذا السياق جاءت خطوة إعادة الانتشار الأميركي لإفهام الرؤوس الحامية في طهران أن الوقت نفذ والحلم الأمبراطوري ينبغي أن يُطوى.

التطور بالغ الخطورة لأن في المنطقة ثمة عقولاً إجرامية يابسة تهلل للخراب وتروج للسواد، وبات الإقدام على خطوات ردعية مسبقة الطريقة المثلى لإفهام النظام الإيراني، أن المضي في مثل هذا المنحى لن يبقى دون ردع مناسب. هذا التطور الذي يشغل اليوم العالم ينبغي أن يكون على رأس جدول الأعمال في بيروت، لأن لا شيء يجب أن يتقدم أولوية الحفاظ على البلد وأهله، ما يملي على الحكم اتخاذ مواقف حازمة لمنع «حزب الله» من التضحية باستقرار البلد دفاعاً عن النظام الإيراني ومشاريعه القاتلة.