يوسف بزي/أهل “الجاهلية” الذين تُركوا وحدهم/ورث حزب الله نظام الوصاية السورية وأدام وسائله وأدواته ومدّ أزلامه وشخصياته بالعون المادي

195

أهل “الجاهلية” الذين تُركوا وحدهم
يوسف بزي/المدن/04 كانون الأول/18

لا أوتوستراد يفضي إلى الشوف. فقط طريق ضيقة، كتلك المخصصة لقرية صغيرة وطرفية، هي التي بالكاد نلحظها كمنعطف، نسلكها نحو “الجبل” بسائر قراه وبلداته. كأنها باب سري نحو عالم آخر يجهد أن يبقى هكذا، متوارياً قدر المستطاع. بل كأن أهله حريصون أن تبقى الطريق إليهم على قدر حاجتهم للدخول والخروج من غير انكشاف. نحدس أن هذا تدبير مفكر فيه كثيراً. تدبير ووقاية من الاستباحة، أو هو حماية من اجتياح خفي يتهددهم.

لوحة إعلانية
من أول الطريق، تبدأ الأشجار الضخمة بالظهور، ثم تستمر “المشاهد الطبيعية”، كتلك التي نراها في صور لبنان منتصف القرن الماضي، بالهيمنة وباستعراض نفسها، كغابات من السنديان والسرو والشوح والصنوبر.. نقول في أنفسنا، هكذا كانت البلاد، عندما كانت كلمة “وطن” مقرونة في المخيلة بالأدب اللبناني الريفي. أرض وعرة وجبال تختبئ وتتوالى وراء بعضها البعض كثيفة وغامضة وبرية تامة. وعلى الرغم من أننا ما زلنا على مسافة لا تتعدى ثلاثة كيلومترات عن الساحل، إلا أن وادي ملتقى النهرين، وصوت المياه المتدفق والهواء البارد وندرة البيوت، يجعلنا بعيدين بغتة بمسافات شاسعة عن جغرافيا الساحل وعمرانه الزاحف كوباء لا كابح له.

التراب، والغابات، والنهر، والطريق الجبلية الضيقة والمتعرجة، والحواف الصخرية الكلسية المتشققة بمثابرة الجذور على التمدد، في صباح مبكر ليوم الأحد الرائق، تأخذنا إلى أرض الشوف، كما لو أننا في ألبوم لسياحة متوسطية بالغة القدم.

تنتهي غفلتنا عن الزمن والواقع، حين تطلع أمامنا صورة كبيرة لرجل شحيم الوجه، منتفخ بلا قسمات واضحة، وخال من الوسامة. ها هو الذي يزعم “وجاهة” وتصدراَ، وقد ثبّت لوحة إعلانية عريضة عند مدخل الوادي الخصب والساحر المبتدئ بـ”سر جبال” والمؤدي إلى قريته “الجاهلية”.

نجم تلفزيوني
مدخل الضيعة، زيّنته البلدية التي يرعاها الرجل نفسه، الذي ترقى من صحافي سابق إلى مستشار سياسي سابق فوزير سابق، بمنحوتة صخرية رديئة وأقواس حجرية هزيلة، كمحاولة متعجلة لترسيم فخامة مستجدة على مظهر القرية ومكانتها “السياسية”، منذ أن نجح رجلنا هذا في تحويل نفسه إلى “نجم” تلفزيوني، أكثر ظهوراً من النواب والوزراء والرؤساء، على شاشات محلية تقتات من رخص الإثارة، والحض على ابتذال السياسة، وتسفيهها بشعبوية متفشية ومتفاقمة، تشفي عطش جمهورها للفضيحة والنميمة، ورغبتها الحارة في التلصص على ما تتخيله بعوالم “النخبة” و”علية القوم” وأهل السلطة، متلهفة لكشف الدسائس وخبايا الفساد والصفقات.. فيلبيها إبن “الجاهلية”، صاحب الصوت الملعلع (علامة على انعدام الرهافة طبعاً)، بلغة البذاءة والسباب والفضح والهزء والمسخرة والتشابيه المقذعة، كما لو أنه بشخصه ليس إلا برنامج هزلي انتقادي وكاريكاتوري من صنف ما يسميه الأميركيون الـ”تراش”، هو للأسف، ولا شيء غيره تفيض به تلفزيوناتنا بكاميراتها وميكروفوناتها، على مثال “فيضان” الرملة البيضاء ومجاريرها قبل أسابيع.

تركة الأجهزة
وغلبت ظاهرة هذا “النجم” وأشباهه، منذ أن تولى جهاز “الأمن والاستطلاع” الأسدي إدارة لبنان ومقاطعاته، مقرِّباً إلى “مكاتبه” وفروع مقراته، رهطاً من الطامحين إلى تبّوء المراكز العليا في الدولة، أو إلى منصب رسمي أو إلى “زعامة” سياسية محلية. وكان ضباط المخابرات السورية من صنف غازي كنعان ورستم غزالي ومن هم أدنى أو أعلى منهما على مثال علي مملوك، يهوون التمتع بالاستتباع والانتهاك و”السلبطة” والنفخ في غلمان أحزاب، وقبضايات أحياء وأصحاب دكاكين مسلحة، وفرض خوّات عينية أو مادية على من يتنطح لنيابة أو وزارة، أو منح امتيازات وأفضليات في مقاولات أو صفقات مقابل عمولات مجزية، عدا عن القتل والإقصاء والخطف والترهيب لمن يعترض أو يخاصم.

وفتك هذا الجهاز على امتداد ثلاثة عقود، وما زال، بالحياة السياسية وموازينها وأعرافها، وشق عميقاً في أخلاقها ولغتها ووسائلها، على نحو وطد فيها الفساد بأوسع معانيه وبكل أبوابه وأصنافه، وأحال السياسة إلى مستنقع آسن وموبوء، لا ينجو منه نبل ولا استقامة.

وورث “حزب الله” نظام الوصاية السورية، وأدام وسائله وأدواته، ومدّ أزلامه و”شخصياته” بالعون المادي، وبسط جناح حمايته السياسية والأمنية لهم، ومنحهم الأدوار و”المواقع” والوظائف المناطة بهم في أوقات الشدة أو أوقات الرخاء. فيسع نجمنا “الجاهلي” والحال هذه، أن ينشئ دارته الواسعة، ويبني مستشفى باسم سلمان الفارسي، التي سيضع حجرها الأساسي سفير إيران السابق والراحل غضنفر ركن أبادي، ويعمّر داراً فخمة عمومية للبلدة، ويزينها ويرعى شؤونها البيئية والاجتماعية.

الجنازة اليتيمة
المواطن الذي صادفناه عند مدخل القرية، لم يتكلم كثيراً إذ قال: “.. معاليه، له فضل على الضيعة، وهو ابنها”. قالها متحسراً وناظراً إلى صورة القتيل محمد أبو ذياب، المرافق اللصيق للنجم التلفزيوني الذي خذلته مرة أخرى الانتخابات النيابية، والذي توارى هارباً من القوى الأمنية حين أتت إلى منزله يوم السبت، تاركاً مرافقه في صدام مسلح متهور مع دورية فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ليسقط ميتاً متأثراً بجراحه في مستشفى الرسول الأعظم، التابع لحزب الله.

صور القتيل المختلفة، التي طُبعت وعُلقت على عجل في الصباح الباكر، كانت مذيلة بأحرف مطبوعة بعبارات “الدم بالدم” و”دمك برقبة سعد الحريري وسمير حمود وعماد عثمان” (أي رئيس الحكومة، النائب العام، وقائد القوى الأمن الداخلي).

لا انتشاراً أمنياً، لا دوريات، لا حواجز.. هدوء تام طوال الطريق إلى ساحة القرية: شبان مسلحون بالقرب من الدار العامة، وآخرون من رفاقهم متجمعين عند مدخل بيت نجم الجاهلية ورجلها الأول. هدوء ووجوم دام ساعتين، إلى حين وصول موكب صغير آت من المستشفى يحمل نعش الفقيد، حيث تجمع عشرات الرجال والشبان يتقدمهم بعض المشايخ.

جنازة صامتة تقريباً، عدا بعض المفرقعات التي بدت بديلاً باهتاً عن إطلاق الرصاص، وحزن أهلي بلا مبالغات ولا عراضات. وحده صوت نواح المرأة من شرفة في أعلى السفح البعيد، كان يتردد بصداه إلى الوديان، ويشعرنا بثقل فجائعي، بشيء من حرقة الفقد. النواح الجماعي النسائي كان هناك أيضاً داخل الصالة الواسعة المخصصة لهن، ولم نسمعه إلا حين دخولنا إليها. تلك هي لحظة حقيقية: الزوجة والإبنة والأقارب والأصدقاء واللطم على الصدور والدموع السخية والشهقات الموجعة وانكسار رؤوس الرجال. هو الموت قتلاً ما يضاعف الشعور بالقهر والفجيعة. وهذا حق أهل الفقيد باللوعة وفداحة الخسارة.
سرعان ما يدرك أهل الجاهلية أنهم تُركوا وحدهم تقريباً في مصيبتهم، إذ لم يأتهم أحد حتى من القرى الملاصقة لهم. كأنما يوحون لهم أن الأسف على الحادثة الأليمة لا يريدونه أن يصير مدداً “سياسياً” لرجلهم المشاغب والأرعن. كانت الجاهلية يتيمة، فيما تأخر “الوصي” عليها بالاستيقاظ والخروج لملاقاة جثمان مرافقه.

نحن أيضاً أدركنا أن الأمر انتهى. لا شيء نقوله سوى الأسف. فنغادر الجنازة قبل وصول مدمن الميكروفون والظهور التلفزيوني وإطلاق التصريحات، الذي هو ولا أحد غيره من استدعى السلاح والموت إلى قلب تلك القرية، والذي (رغم صغره وصغائره) يهدد باسم بشار الأسد وحسن نصرالله، حياتنا كلنا وحياة أتباعه على السواء. فالمهرج عندما يكون صنيعة دوائر “الممانعة” وأجهزتها، غالباً ما تكون ألعابه مفخخة، على نحو ما اختبرناه مع ميشال سماحة أو علي عيد وما شاكلهم.