web analytics
4.7 C
Mississauga
Saturday, October 17, 2026
Home مقالات سياسية وإيمانية عربية وانكليزية للياس بجاني إلياس بجاني: خطورة قساوة القلب وموت الضمير وغياب الخجل: حين ينطفئ نور...

إلياس بجاني: خطورة قساوة القلب وموت الضمير وغياب الخجل: حين ينطفئ نور الله في الإنسان

35

خطورة قساوة القلب وموت الضمير وغياب الخجل: حين ينطفئ نور الله في الإنسان
إلياس بجاني/17 تشرين الأول/2026

اضغط هنا لقراءة التعليق باللغة الإنكليزية Click here to read the editorial in English

الإنسان بين نور الحق وظلمة الشر
إن مسيرة حياتنا بكل ما فيها من مفترقات ومنعطفات، إنما تتحدد بخياراتنا، وبما نؤمن به من قيم، وبمقدار حضور الله في ضمائرنا وقلوبنا. فالإنسان، كائناً من كان، ومهما بلغ من مالٍ أو جاهٍ أو سلطان، يبقى مسؤولاً أمام الديان العادل عن أقواله وأعماله، عما صنعه من خير، وما اقترفه من شر، وعن الحق الذي عرفه ثم أنكره، والواجب الذي أدركه ثم تهرب منه. نحن أمام طريقين لا ثالث لهما: طريق البر ومخافة الرب، وطريق الضلال وقساوة القلب. والفارق بينهما ليس في المظاهر الخارجية، ولا في الشعارات الدينية، ولا في كثرة الصلوات أمام الناس، بل في حقيقة القلب ونقاوة النية واستقامة السيرة واحترام كرامة الإنسان التي هي على صورة الله ومثاله. فمن يخاف الله حقاً، لا يكتفي بالكلام عن الفضيلة بل يمارسها، ولا يكتفي بإدانة الشر عند الآخرين بل يبدأ بمحاسبة نفسه، ولا يجعل الدين غطاءً لمصالحه، بل يجعله نوراً يهديه إلى الحق، وصوتاً يردعه عن الظلم. ويقول الرب يسوع المسيح: «طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ» (متى 5: 8). فنقاوة القلب ليست ضعفاً ولا سذاجة، بل هي قوة روحية تجعل الإنسان قادراً أن يقول الحق بلا كذب، وأن يمارس العدل بلا انتقام، وأن يدافع عن حقه بلا ظلم، وأن يقاوم الشر دون أن يصير هو نفسه أداةً للشرير.

أولاً: الضمير والخجل واللسان؛ عطايا إلهية ومسؤولية إنسانية
إن الضمير الحي، والحياء المقدس، واللسان الناطق بالحق، ليست أموراً ثانوية، بل هي الوزنات الثلاث التي أودعها الله في طبيعتنا، وميزنا بها لكي نميز بين الخير والشر، وبين النور والظلمة. فالضمير هو صوت الله الباطني في الإنسان، هو الذي يبكتنا عند الخطأ، ويقلق راحتنا عند الظلم، ويدعونا إلى الاعتراف والتوبة وإصلاح ما أفسدناه. والخجل أو الحياء بمعناه المقدس، هو شعور النفس بأن كرامتها المخلوقة على صورة الله لا تليق بها الدناءة والكذب والخيانة والغدر. واللسان هو الأداة التي بها نستطيع أن نعزي ونشجع ونصالح ونشهد للحق، كما نستطيع إن أسأنا استخدامه أن نجرح ونهين ونضلل ونفتري. والخطر العظيم يبدأ حين يفقد الإنسان هذه الحواجز الثلاثة: فيموت ضميره، وينعدم حياؤه، ويتحول لسانه إلى سلاح. عندئذٍ لا يعود يرى الخطأ خطأً، ولا الكذب عاراً، ولا التعدي على كرامة الناس مدعاةً للندم، بل قد يصير الظلم عنده حكمة، والخداع ذكاءً، والوقاحة قوةً مزيفة.
والحالة الأخطر ليست في أن يخطئ الإنسان، فكلنا تحت الضعف، بل في أن يفقد القدرة على الاعتراف بخطئه، فيبرر شره، ويرفض التوبة، ويعتبر كل من يواجهه بالحق عدواً له. يقول الرب: «مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الْفَمُ» (متى 12: 34). فاللسان يكشف خبايا القلب، وما يتلفظ به الإنسان في ساعة الغضب أو المصلحة يظهر حقيقة ما يسكنه. ويحذرنا الكتاب: «الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ» (أمثال 18: 21). فكم من كلمة أحيت يائساً، وكم من كلمة قتلت نفساً، وكم من افتراء شوه بريئاً، وكم من كذبة فرقت عائلة! الكلمة ليست صوتاً عابراً، بل قد تترك جرحاً يدوم سنين. لذلك فالإنسان المتقي يضبط لسانه، عالماً أن حرية الكلام لا تعني حرية الافتراء، وأن الصراحة لا تبرر الإهانة.

ثانياً: قساوة القلب؛ حين يبصر الإنسان الحق ويرفضه
إن قساوة القلب هي من أخطر الأمراض الروحية. فالقاسي ليس من يجهل الحق، بل من يعرفه جيداً ويرفض الخضوع له لأن كبرياءه ومصلحته وهواه أعظم في عينيه من الحق. وتبدأ القساوة بتبرير خطأ صغير، ثم يصبح الخطأ عادة، ثم تصير العادة طبعاً ثابتاً، إلى أن تفقد النفس حساسيتها الأخلاقية. فيصل الإنسان إلى حالة لا يشعر فيها بالذنب حين يظلم، ولا بالخزي حين يكذب. إن القلب القاسي لا يتكون في يوم، بل يتشكل بالتمادي في الشر ورفض النصيحة واحتقار الآخرين والتعالي على الحق. لذلك يحذرنا الروح القدس: «الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ، فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ» (عبرانيين 3: 7-8). هذا نداء لكل إنسان يسمع صوت الحق ويتجاهله، لمن يسمع نصيحة صادقة ويرفضها لأن الاعتراف يجرح كبرياءه. إن الاعتراف بالخطأ هو شجاعة ونضج، أما الإصرار على الباطل مع معرفة الحق فهو طريق الهلاك. ويصف مرقس حالة القساة حين «نَظَرَ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ، حَزِينًا عَلَى غِلَاظَةِ قُلُوبِهِمْ» (مرقس 3: 5). غضبٌ على الشر وحزنٌ على الإنسان. فالله لا يريد قساوتنا، بل يريد توبتنا.

ثالثاً: موت الضمير وغياب الحياء؛ أخطر من الخطأ ذاته
إن الخطيئة التي يتبعها ندم قد تكون بداية خلاص، أما الخطيئة التي يتبعها إنكار وتبرير فهي باب لمزيد من الشر. الضمير الحي لا يمنع السقوط دائماً، لكنه لا يدع صاحبه يستريح في السقوط. يذكره بمسؤوليته ويدعوه إلى رد الحقوق وتحمل النتائج. أما حين يموت الضمير، يصير الإنسان قادراً على رؤية آلام الآخرين بلا اكتراث، وعلى إيذائهم بلا ندم، بل يقلب الحقائق فيصور نفسه ضحية وهو المعتدي. وغياب الحياء يضاعف الخطر، لأن الحياء الأخلاقي ليس خوفاً من كلام الناس، بل هو إدراك أن هناك حدوداً مقدسة لا يجوز تجاوزها دون فقدان احترام الذات. وهنا يجب التمييز بين الحياء الذي يقود إلى التوبة، واليأس الذي يحطم الإنسان ويوهمه أن لا رجاء له. فالإيمان لا يدعو إلى اليأس بل إلى التوبة. يقول الرسول بولس: «وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ، بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا» (أفسس 5: 11). فالصمت عن الشر ليس حكمة دائماً، والمحبة الحقيقية لا تعني التواطؤ مع الظالم، بل الوقوف مع الحق والدفاع عن كرامة الإنسان.

رابعاً: من يزرع الشر لا يحصد السلام
من السنن الإلهية أن أعمال الإنسان تترك أثراً، وأن الظلم يخلف جراحاً، وأن الكراهية تولد عداوات. «مَنْ حَفَرَ حُفْرَةً يَسْقُطُ فِيهَا، وَمَنْ دَحْرَجَ حَجَرًا يَرْجِعُ عَلَيْهِ» (أمثال 26: 27). و «فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا» (غلاطية 6: 7). وهذا لا يعني أن كل ألم هو عقاب مباشر، فالكتاب يعلمنا أن الأبرياء قد يتألمون، لكنه يؤكد أن للخيارات الأخلاقية عواقب. وكما يقول المثل اللبناني الأصيل: “ستشرب من نفس الكأس التي سقيت منها الآخرين”. فمن يزرع الحقد يحصد العزلة، ومن يعتاد الخيانة يفقد الثقة. لكن العدالة لا تعني الشماتة. فالمؤمن لا ينتقم ولا يتمنى الشر حتى لظالمه، بل يطلب العدل ويترك الحكم الأخير لله. يقول الرب: «كُلُّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ» (متى 26: 52). دعوة لرفض منطق الانتقام.

خامساً: حجر العثرة؛ حين يصير الإيذاء أسلوب حياة
كلنا التقينا أناساً يتركون وراءهم الألم والخصام. منهم من يؤذي بجهل ثم يراجع نفسه، ومنهم من يصر على الأذى ويتلذذ بإثارة النزاع، ويستخدم الكلام الجارح والإشاعة لكي يضعف من حوله، لا سيما أهل بيته. وأخطر ما في هؤلاء أنهم يحاولون إقناع ضحاياهم بأنهم هم المخطئون، وأن المطالبة بالحق عدوان، والدفاع عن الكرامة كبرياء. يحذر الرب يسوع: «وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْعَثَرَاتِ!… وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ!» (متى 18: 7). فحجر العثرة ليس فقط من يدفع غيره للخطيئة، بل من يستغل ضعفه، ويهدم ثقته، ويستخدم سلطته لإذلاله. ما أبعد الفرق بين من يخطئ فيعتذر، ومن يتعمد الإساءة ويفتخر بها! المؤمن مدعو أن يحب، لكنه ليس مدعواً أن يقبل الظلم. يستطيع أن يغفر دون أن يتخلى عن حقه في الحماية والعدالة.

سادساً: الكبرياء والحقد والحسد؛ أقنعة تخفي هشاشة الروح
الكبرياء حين يتجاوز الاعتزاز المشروع يصير حجاباً يمنع الإنسان من رؤية عيوبه. والحقد يجعله أسير الماضي، والحسد يدفعه للاستياء من نجاح غيره، والرغبة في الانتقام تحرمه السلام. قد يتظاهر المتكبر بالقوة وهو عاجز عن قول “أخطأت”. وقد يتكلم عن الأخلاق وهو يستثني نفسه منها. لذلك لا يُقاس صلاح الإنسان بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله حين يتعارض الحق مع مصلحته. يقول الرب: «مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ» (متى 7: 16). فالثمار هي الصدق أو الكذب، الرحمة أو القسوة، العدل أو الظلم. ليس كل من يتكلم باسم الله يسلك في طريقه. الإيمان الحقيقي التزام يومي بالصدق والرحمة والعدل.

سابعاً: الدينونة؛ حين لا تنفع الأقنعة
من أوهام الإنسان أن يظن أنه يستطيع الإفلات من المسؤولية، وأن المال والنفوذ يمنحانه حصانة أمام عدالة الله. قد يخفي الحقيقة عن الناس، لكنه لا يستطيع أن يخفيها عن الله. يقول الرب: «إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ» (متى 12: 36). فاللسان في قلب المسؤولية الروحية. «هكَذَا إِذًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا لِلَّهِ» (رومية 14: 12). المسؤولية شخصية، ولا يعفي الإنسان أنه تبع الجماعة أو الحزب أو المصلحة. لكن الإيمان بالدينونة لا يقودنا إلى إدانة مصير الآخرين، فالله وحده الديان العادل. واجبنا أن نحاسب أنفسنا ونرفض الشر ونطالب بالعدل.

ثامناً: التوبة ممكنة لمن يريد العودة
رغم خطورة قساوة القلب، فإن رسالة الإنجيل لا تغلق باب الرجاء. الله لا يشاء موت الخاطئ بل أن يرجع ويحيا. يقول الرب: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي» (متى 16: 24). إنكار الذات هو التحرر من عبودية الأنا والكبرياء. فالتوبة ليست كلمات عابرة ولا دموعاً مؤقتة، بل تغيير القلب والسلوك ورد الحقوق والكف عن الأذى. «هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: تُوبُوا وَارْجِعُوا عَنْ كُلِّ مَعَاصِيكُمْ، وَلاَ يَكُونُ لَكُمُ الإِثْمُ مَهْلَكَةً» (حزقيال 18: 30). الله يدعو إلى الرجوع لا إلى التمادي. ومن يطلب الغفران بصدق، عليه أن يسعى لمصالحة من ظلمهم. فالمصالحة الحقيقية تحتاج صدقاً، والتسامح لا يلغي العدالة، والغفران لا يعني ترخيصاً للمعتدي كي يعاود اعتداءه.

خاتمة: اتقِ الله وأبقِ ضميرك حياً واحفظ لسانك
الإنسان مهما امتلك، يبقى فقيراً إن فقد ضميره، وخاسراً إن مات فيه التمييز بين الحق والباطل. الذي يخاف الله لا يقيس نجاحه بعدد من أخضعهم، ولا بما جمع من مال، بل بمدى استقامته وصدقه ورحمته. تذكر أن الضمير الحي نعمة ومسؤولية، وأن الحياء من الخطأ ليس عيباً، وأن الاعتذار لا ينقص الكرامة، وأن كلمة الحق لا تصير باطلاً لأن أهل المصالح يكرهونها. ولا تحفر حفرة لأخيك، ولا تجعل من محبة الآخرين لك وسيلة للتحكم بهم. ولا تتوهم أن الصمت المفروض بالخوف دليل على أنك على حق. «فَكُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً» (متى 7: 17).
فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا، ولنصن ألسنتنا، ولنطلب قلباً متواضعاً لا يستكبر على الحق، وضميراً حياً لا يساوم على العدل، وروحاً قادرة على التوبة. ولنصلِّ كي يرد الرب الضمائر الميتة إلى الحياة، والقلوب القاسية إلى الرحمة، والألسنة الكاذبة إلى الصدق. «لاَ تُغْلَبْ مِنَ الشَّرِّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ» (رومية 12: 21). آمين.

*الكاتب ناشط لبناني اغترابي
عنوان الكاتب الألكتروني
Phoenicia@hotmail.com
رابط موقع الكاتب الألكتروني
https://eliasbejjaninews.com

Share