web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters كارين عبد النور/ملف «أرثروليب» يهزّ القطاع الصحي ويفتح خزائن وزارة الدفاع… ماذا...

كارين عبد النور/ملف «أرثروليب» يهزّ القطاع الصحي ويفتح خزائن وزارة الدفاع… ماذا تسلمت قيادة الجيش في عهد جوزاف عون؟

5

ملف «أرثروليب» يهزّ القطاع الصحي ويفتح خزائن وزارة الدفاع… ماذا تسلمت قيادة الجيش في عهد جوزاف عون؟
كارين عبد النور/نقلاً عن موقع بيروت 2030 –29 آب/2026
ليس ختم مستودعات إحدى شركات المعدات الطبية في شننعير بالشمع الأحمر سوى الحلقة الأولى في قضية تمسّ، في جوهرها، سلامة المرضى والثقة بالمؤسسات الصحية وآليات إنفاق المال العام. وإذا كانت المعطيات التي أعلنتها المديرية العامة لأمن الدولة قد أفضت إلى توقيف 13 شخصاً وضبط كميات من المعدات والأدوية الطبية المستعملة أو المنتهية الصلاحية، فإن خطورة الملف تفرض ألّا يتوقف التحقيق عند أبواب المستودعات، وألّا يُختزل في شركة أو مخزن أو مجموعة من الموظفين.
هذا التحقيق لا ينسب جرماً إلى أي شخص أو مؤسسة، ولا يستبق ما سيقرره القضاء، فجميع الأشخاص المعنيين يتمتعون بقرينة البراءة ما لم يصدر في حقهم حكم قضائي مبرم. غير أن قرينة البراءة لا تلغي حق الرأي العام في طرح الأسئلة، ولا سيما عندما تتعلق الوقائع المعلنة بالصحة العامة، وبمعدات يُشتبه في أنها لامست أجساد مرضى وخضعت لمسار إعادة تجهيز وتعقيم قبل إعادتها إلى التداول.
وبحسب ما أعلنته المديرية العامة لأمن الدولة، كانت معدات وأدوية طبية مستعملة ومنتهية الصلاحية تُباع إلى مستشفيات، ثم تُستعاد بعض المعدات بعد استخدامها في عمليات جراحية، لتُنقل إلى مستودعات الشركة حيث تُنظّف ويُعاد توضيبها، مع الاشتباه في التلاعب بتواريخ صلاحيتها وبلد منشئها. وتشير المعلومات المعلنة كذلك إلى تعقيم هذه المعدات في مستشفى حكومي، تمهيداً لإعادتها إلى السوق وبيعها إلى مستشفيات لاستخدامها مجدداً.
إذا أثبت التحقيق القضائي صحة هذا المسار، فإن القضية لن تعود محصورة في فعل البيع أو التخزين أو تبديل الملصقات، بل ستصبح أمام سلسلة مترابطة من العمليات والأدوار والمسؤوليات المحتملة، تبدأ من مصدر المعدات، ولا تنتهي عند الجهات التي تسلّمتها أو استخدمتها أو أعادت تجهيزها.
الحلقة الغائبة: إلى أي مستشفيات وصلت المعدات؟
هنا يبدأ السؤال الذي لا يجوز أن يبقى خارج التحقيق: إذا كانت المعدات موضوع الشبهة قد بيعت إلى مستشفيات واستُخدمت في عمليات جراحية، فما المستشفيات التي تسلّمتها؟ وكم مريضاً استُخدمت في علاجه؟ وهل توجد سجلات تتيح تحديد العمليات التي دخلت فيها هذه المعدات، وأرقامها التسلسلية، وتواريخ استخدامها، والأطباء أو الأقسام التي طلبتها؟
ومن كان يعلم، داخل الجهات المستلمة، أن المعدات مستعملة أو معاد تجهيزها، إن ثبت ذلك؟ ومن كان ملزماً بالتحقق من مصدرها وصلاحيتها وشهادات منشئها وتعقيمها؟ وهل قُدّمت إلى المستشفيات على أنها معدات جديدة، أم على أنها معدات قابلة لإعادة الاستخدام وفق الأصول؟ وهل كانت من الأنواع المصنّفة للاستعمال مرة واحدة، أم من المعدات التي تسمح مواصفاتها التقنية بإعادة المعالجة ضمن شروط صحية محددة؟
إن التمييز التقني بين المعدات المصممة للاستعمال الواحد وتلك القابلة لإعادة التعقيم هو عنصر أساسي لتحديد طبيعة المخالفة المحتملة وحجم الخطر الذي ربما تعرض له المرضى. ولهذا، لا يكفي وصف المعدات بأنها «مستعملة»؛ بل يفترض تحديد أنواعها، وأرقامها التسلسلية، وتعليمات الشركات المصنّعة بشأن إعادة استعمالها، وما إذا خضعت لفحوص السلامة والتعقيم المطلوبة.
أما السؤال الأهم فيتعلق بالمستشفى الحكومي الذي أشارت إليه المعلومات المعلنة: ما اسم هذا المستشفى؟ وما طبيعة العملية التي كانت تُجرى داخله؟ وهل اقتصر دوره على التعقيم، أم شمل الاستلام والتوضيب والتخزين وإصدار شهادات أو مستندات؟ ومن أعطى الإذن بإدخال المعدات إليه؟ ومن استلمها؟ ومن أشرف على تعقيمها؟ وتحت أي صفة كانت تُدخل وتُخرج؟ وهل دُوّنت في سجلات المستشفى وأجهزة التعقيم؟ ومن أجاز خروجها مجدداً؟
إذا كانت التحقيقات قد توصلت إلى تحديد المستشفى، فمن حق الرأي العام أن يعرف، ضمن الحدود التي لا تضر بسرية التحقيق، ما إذا فُتح تحقيق إداري وقضائي موازٍ داخله. فالمسؤولية المحتملة، إذا ثبتت الوقائع، لا يمكن أن تتوقف عند الجهة التي كانت تبيع المعدات، بل يجب أن تشمل كل من شارك عن علم في إدخالها أو تجهيزها أو إخراجها أو إعادة تداولها.
خريطة كاملة لمسار المعدات
المطلوب اليوم إعداد خريطة تتبّع كاملة لا تترك حلقة مجهولة: من أين جاءت المعدات؟ من استوردها أو أمّنها؟ إلى من بيعت أول مرة؟ وفي أي مستشفى استُخدمت؟ ومن استعادها بعد العملية؟ وكيف نُقلت؟ ومن نظّفها وأعاد توضيبها؟ وأين عُقّمت؟ وهل صدرت في شأنها شهادات تعقيم؟ وبأي بيانات وملصقات وتواريخ وبلد منشأ أُعيد طرحها؟ وإلى أين ذهبت بعد ذلك؟
هل وصلت إلى مستشفيات حكومية؟ وهل بيعت إلى مستشفيات خاصة؟ وهل تسلّمتها مراكز صحية تابعة للدولة أو لمؤسسات أمنية وعسكرية؟ وهل أُعيد استخدامها فعلاً في عمليات أخرى؟ وكم مرة استُخدمت القطعة الواحدة؟ وهل يمكن، من خلال أرقامها التسلسلية وسجلات الشراء والعمليات، تحديد المرضى الذين ربما استُخدمت في علاجهم؟
هذه الأسئلة ليست اتهاماً للمستشفيات مجتمعة، ولا افتراضاً بأن كل جهة اشترت من الشركة كانت تعلم بوجود مخالفة محتملة. فقد تكون مؤسسات صحية قد اشترت معدات بناءً على مستندات بدت سليمة، من دون معرفة حقيقتها. لكن هذا الاحتمال يجعل إعلان لائحة الجهات المستلمة، أو على الأقل إبلاغها رسمياً وإلزامها بإجراء مراجعة داخلية، ضرورة لحماية المرضى لا وسيلة للتشهير بها.
فإذا كان ثمة مرضى يُحتمل أنهم خضعوا لعمليات استُخدمت فيها معدات غير مطابقة، فمن حقهم أن يُبلَّغوا وفق آلية طبية وقانونية مسؤولة، وأن يخضعوا، عند الضرورة، للفحوص والمتابعة الصحية. حماية المريض تتقدم هنا على حماية أي اسم تجاري أو إداري، من دون إسقاط قرينة البراءة عن أي جهة.
مَن هم الموقوفون، وما الأدوار المنسوبة إليهم؟
أعلنت المديرية العامة لأمن الدولة توقيف 13 شخصاً، لكن الرأي العام لا يزال يجهل طبيعة الأدوار المنسوبة إليهم. والمطالبة بالشفافية لا تعني نشر أسماء قد يحظر القانون كشفها، أو إدانة أشخاص قبل انتهاء التحقيق، بل تعني توضيح البنية الوظيفية للقضية: كم شخصاً من إدارة الشركة؟ وكم موظفاً أو عاملاً؟ وهل بين الموقوفين مسؤولون في مؤسسات صحية أو عامة؟ وما الصفة الوظيفية لكل فئة منهم؟ وما الأفعال التي يجري التحقيق فيها؟
الأهم من الأسماء، في هذه المرحلة، معرفة من كان يدير العملية المفترضة، ومن كان يؤمّن المعدات، ومن يستعيدها من المستشفيات، ومن ينظفها ويعيد تجهيزها، ومن يغير بياناتها أو ملصقاتها، ومن ينقلها إلى جهة التعقيم، ومن يعيد بيعها، ومن يشتريها أو يوافق على استلامها.
المراقب الصحي الموقوف: لماذا غابت صفته ودوره؟
تتداول أوساط إعلامية معلومات تفيد بأن بين الموقوفين مراقباً صحياً تابعاً لوزارة الصحة العامة. وحتى الآن، لم يتوافر في المصادر الرسمية المنشورة ما يكفي لتثبيت هويته أو طبيعة دوره أو حدود مسؤوليته. فهل تؤكد وزارة الصحة وجود مراقب تابع لها بين الموقوفين؟ وإذا صح ذلك، فما مهماته الرقابية السابقة تجاه الشركة؟ وهل سبق أن كشف على مستودعاتها أو راجع ملفاتها وتراخيصها ومعداتها؟
ولماذا لم توضح الوزارة للرأي العام صفته الوظيفية، مع مراعاة سرية التحقيق وقرينة البراءة؟ وهل فُتح تحقيق إداري مستقل لتحديد ما إذا كان قد أجرى عمليات تفتيش سابقة، وما الذي دوّنه في تقاريره، وما إذا كانت هذه التقارير قد سجلت ملاحظات أو مخالفات؟
أما القول إن هذا المراقب «كان يعرف بالتزوير» فلا يجوز اعتماده حقيقة قبل أن تثبته المستندات والتحقيقات. لكن من المشروع السؤال: إذا كان قد عاين الشركة أو مستودعاتها بحكم وظيفته، فماذا شاهد؟ وما الذي أثبته في محاضر الكشف؟ وهل كانت لديه معلومات عن المخالفات المشتبه فيها؟ وإذا كانت لديه معلومات، فهل أبلغ رؤساءه أو الجهات المختصة بها؟ وإذا لم يكن يعلم، فهل تكشف القضية عن ثغرة في آليات التفتيش والرقابة؟
لماذا الآن؟ مناقصات وزارة الدفاع وتزامن يحتاج إلى تفسير
يتزامن كشف القضية مع إعلان هيئة الشراء العام، في 26 آب 2026، عن مناقصتين لوزارة الدفاع الوطني: الأولى بعنوان «تحقيق مواد مستهلكة ولوازم متخصصة»، على أن يجري فض عروضها في 17 أيلول 2026؛ والثانية بعنوان «تحقيق تجهيزات فنية مختلفة لصالح الجيش لعام 2026»، على أن تُفض عروضها في التاريخ نفسه.
ولا تكفي العناوين المنشورة في الصفحة العامة للجزم بأن المناقصتين تتعلقان تحديداً بالمعدات الطبية موضوع التحقيق. كما لا توجد، في المعطيات المتاحة علناً حتى الآن، وثيقة تثبت أن شركة «أرثروليب» كانت تنوي المشاركة فيهما أو أنها قدمت عرضاً بالفعل.
لكن التقارب الزمني يتيح طرح أسئلة مشروعة من دون القفز إلى استنتاجات: هل كانت الشركة تستعد للمشاركة في أي من المناقصات التي أعلنتها وزارة الدفاع؟ وهل اشترت دفتر شروط أو قدمت طلباً أو عرضاً؟ وهل تشمل بنود أي مناقصة معدات أو مستلزمات تدخل ضمن نشاطها التجاري؟ وهل كانت أسعارها المحتملة ستجعل منها منافساً قوياً؟ وهل أدى توقيف مسؤولين فيها وختم مستودعاتها إلى تعذر مشاركتها وفتح المجال أمام موردين آخرين؟
وفي المقابل، هل كانت الأجهزة المختصة تحقق في الملف منذ مدة، بما ينفي أي علاقة بين توقيت المداهمة والمناقصات؟ ومتى بدأت التحريات؟ ومتى صدرت الإشارات القضائية؟ ومتى جرى رصد المخالفات المشتبه فيها؟ وهل سبقت جميعها إعلان المناقصات؟
الإجابة لا تكون بالتكهن أو بتزامن التواريخ وحده، بل بالوثائق. فإذا كانت القضية نتيجة تحقيق أمني وقضائي مستقل بدأ قبل طرح المناقصات، ينبغي أن يثبت التسلسل الزمني ذلك. وإذا ظهرت أي محاولة لاستعمال ملف صحي لإبعاد منافس لمصلحة شركة أخرى، فيجب أن يُكشف هذا الأمر أيضاً.
تعاملات سابقة مع وزارة الدفاع: ماذا تقول منصة الشراء العام؟
تُظهر منصة هيئة الشراء العام وجود مجموعة من القيود والفواتير المسجلة باسم شركة «أرثروليب» لمصلحة وزارة الدفاع الوطني خلال سنوات سابقة، ولا سيما عام 2024، وهي فترة كان فيها العماد جوزاف عون يتولى قيادة الجيش. والإشارة إلى هذه الفترة هي تحديد زمني وإداري، ولا تعني، بحد ذاتها، نسبة علم أو مسؤولية شخصية إلى قائد الجيش السابق أو إلى أي مسؤول بعينه.
وتشير قراءة أولية للبيانات المتاحة على المنصة إلى وجود نحو 30 قيداً أو فاتورة منسوبة إلى تعاملات بين وزارة الدفاع والشركة تُقدّر بعشرات المليارات. غير أن هذا العدد والمجموع يحتاجان إلى مصادقة رسمية من هيئة الشراء العام ووزارة الدفاع، وإلى التحقق من عدم وجود قيود ملغاة أو مصححة أو مرتبطة بعمليات شراء مختلفة.
وتظهر المنصة، على سبيل المثال، فاتورتين تحملان الرقمين 6928 و6929، صادرتين في 6 كانون الأول 2024، بقيمة 1,253,000,000 ليرة لبنانية لكل منهما. كما تظهر قيود أخرى بتواريخ وقيم مختلفة، بينها فاتورة رقم 6381، بتاريخ 11 تشرين الثاني 2024، بقيمة 1,432,000,000 ليرة، وفاتورة رقم 2926، بتاريخ 30 أيار 2024، بقيمة 134,250,000 ليرة.
إن صدور فاتورتين في التاريخ نفسه وبالقيمة نفسها لا يثبت وجود تكرار أو ازدواج في الدفع؛ فقد تتعلق كل منهما بأصناف مختلفة أو بأوامر شراء أو عمليات تسليم مستقلة. لكنه يجعل التدقيق ضرورياً، خصوصاً أن صفحات بعض الفواتير على المنصة لا تتضمن مستندات مرفقة تتيح للرأي العام معرفة الأصناف والكميات وأرقام أوامر الشراء ومحاضر الاستلام.
فهل تستطيع النيابة العامة المالية، بالتعاون مع ديوان المحاسبة وهيئة الشراء العام والجهات الرقابية المختصة، إجراء تدقيق في هذه الفواتير والتأكد من طبيعة كل عملية شراء، بدل تحويل مجرد التشابه في القيمة والتاريخ إلى اتهام غير مستند إلى وثائق؟
ما الذي اشترته وزارة الدفاع، ومن استلمه؟
وجود فواتير رسمية لا يعني أن المعدات التي اشترتها وزارة الدفاع هي نفسها موضوع التحقيق الأمني الحالي، كما لا يشكل دليلاً على مخالفة في عمليات الشراء. لكنه يجعل مراجعة الملف ضرورية لحماية المال العام وسلامة العسكريين وسمعة المؤسسة العسكرية نفسها.
من طلب شراء المعدات الواردة في هذه الفواتير؟ ومن حدّد الحاجة إليها ومواصفاتها؟ ومن اتخذ قرار الشراء؟ وبأي طريقة أُجري التلزيم؟ ومن وافق على الأسعار؟ ومن أصدر أوامر الدفع؟ ومن تسلّم المعدات ووقّع محاضر الاستلام؟
وأين ذهبت هذه المعدات؟ هل سُلّمت إلى المستشفى العسكري المركزي، أم إلى مستوصفات ومراكز صحية تابعة لوزارة الدفاع، أم إلى وحدات أخرى؟ ومن كان مسؤولاً عن مطابقة الكميات والأصناف للمواصفات؟ وهل جرى التحقق من أن المعدات جديدة فعلاً، ومن تواريخ صلاحيتها وبلد منشئها وأرقامها التسلسلية وشهادات مطابقتها وتعقيمها؟
والأهم: هل توجد أي صلة مادية أو تسلسلية بين المشتريات التي سجلتها وزارة الدفاع وبين المعدات المضبوطة أو التي يدور حولها التحقيق الحالي؟ وهل تتقاطع الأرقام التسلسلية أو العلامات التجارية أو دفعات الاستيراد؟ أم أن المشتريات السابقة سليمة ومستقلة تماماً عن القضية الراهنة؟
هذه ليست إدانة لوزارة الدفاع أو للجيش، بل مطالبة بتدقيق يحمي المؤسسة والمال العام ويضع الحقيقة أمام المواطنين. كما أن التدقيق يجب ألا يكتفي بالفواتير، بل يشمل طلبات الشراء وقرارات التلزيم وعروض الأسعار وأذونات التسليم ومحاضر لجان الاستلام وسجلات المخزون والاستخدام.
المطلوب: تدقيق جنائي ومالي وفني متكامل
إذا ثبتت الوقائع التي يجري التحقيق فيها، فلن يكون كافياً ختم المستودعات بالشمع الأحمر أو توقيف موظفين وعاملين. المطلوب كشف السلسلة كاملة. ويفترض أن يجمع التحقيق بين ثلاثة مسارات متوازية:
الأول قضائي وأمني، لتحديد الأفعال والأدوار والمسؤوليات الفردية والمؤسسية، مع احترام قرينة البراءة وسرية التحقيق.
والثاني صحي وفني، يقوم على جرد المعدات المضبوطة وتتبع أرقامها التسلسلية، ومقارنتها بفواتير الاستيراد والبيع وسجلات المستشفيات، وفحص شهادات المنشأ والصلاحية والتعقيم، والتحقق من مدى جواز إعادة استعمال كل نوع منها.
أما الثالث فمالي ورقابي، فيشمل مراجعة عمليات الشراء العامة والفواتير ومحاضر الاستلام والدفع، ولا سيما التعاملات المسجلة بين الشركة ووزارة الدفاع أو أي جهة رسمية أخرى، لفرز المشتريات النظامية عن أي عمليات قد تكون مرتبطة بالمعدات موضوع الشبهة.
حق المرضى في المعرفة
لماذا لم يُعلن حتى الآن عن فتح تحقيق موازٍ مع الجهات التي استلمت المعدات أو سمحت بإعادة تجهيزها؟ وإذا كان مستشفى حكومي قد دخل، وفق المعلومات المعلنة، على خط التعقيم، فهل جرى تفتيشه والتحفظ على سجلاته واستجواب المسؤولين عن أقسامه المعنية؟
وإذا كانت مستشفيات قد اشترت هذه المعدات واستخدمتها، فمن حق المرضى أن يعرفوا، عبر إجراءات رسمية مسؤولة، ما الذي استُخدم في أجسادهم. وإذا كانت جهات حكومية أو أمنية أو عسكرية قد اشترت من الشركة، فمن حق دافعي الضرائب أن يعرفوا ماذا اشترت الدولة، وبأي سعر ومواصفات، ومن تسلّم المشتريات وصدّق مطابقتها.
ولا يعني ذلك افتراض علم جميع المشترين بالمخالفات المحتملة. فالتحقيق هو الذي يجب أن يميز بين جهة قد تكون ضحية بيانات أو مستندات مضللة، وبين جهة ربما قصّرت في الرقابة، وبين من يمكن أن يثبت أنه شارك عن علم في أي عملية غير قانونية.
هل كُشف الملف كاملاً؟
هل نحن أمام عملية غش طبي نجحت الأجهزة الأمنية في كشفها، أم أمام ملف أوسع لم تُفتح جميع أبوابه بعد؟ وهل تنحصر المسؤوليات، إذا ثبتت، داخل الشركة، أم تمتد إلى مرافق صحية وموظفين رسميين وجهات رقابية ومشترين؟ وهل ثمة علاقة بالمشتريات العامة والمناقصات، أم أن التزامن لا يعدو كونه مصادفة زمنية؟
لا يمكن للبيانات المختصرة أو التسريبات أو التبريرات أن تقدم الجواب. الحقيقة توجد في الملفات والفواتير، وفي أرقام المعدات التسلسلية، وسجلات الاستيراد والبيع، ومحاضر الاستلام، ودفاتر غرف العمليات، وسجلات أجهزة التعقيم، وتقارير التفتيش الصحي، وقرارات التلزيم والدفع.
ومن حق الشركة وجميع الموقوفين، كما وزارة الصحة ووزارة الدفاع والمستشفيات المعنية، أن يقدموا ردودهم ومستنداتهم كاملة، وأن تُنشر هذه الردود بالقدر نفسه من الوضوح والاهتمام، التزاماً بحق الرد وقرينة البراءة.
أما الشمع الأحمر، فلا يجوز أن يتحول إلى مشهد ختامي يوحي بأن القضية انتهت عند باب المستودع. يجب أن يكون بداية التحقيق الحقيقي: تحقيق يصل إلى كل مستشفى، وكل فاتورة، وكل محضر استلام، وكل جهة رقابية، ويضع سلامة المرضى وحماية المال العام فوق أي اعتبار.
**كارين عبد النور/صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.

 

Share