web analytics
Home تعليقات الياس بجاني بالصوت/مقابلات مميزة الياس بجاني: في ذكرى الطُّوبَاوِيِّ أَبُونَا يَعقُوب الكَبُوشِيّ… فكر المسيح المكتوب بالأفعال...

الياس بجاني: في ذكرى الطُّوبَاوِيِّ أَبُونَا يَعقُوب الكَبُوشِيّ… فكر المسيح المكتوب بالأفعال والرحمة

34

في ذكرى الطُّوبَاوِيِّ أَبُونَا يَعقُوب الكَبُوشِيّ… فكر المسيح المكتوب بالأفعال والرحمة
الياس بجاني/26 حزيران/2026

اضغط هنا لقراءة المقالة باللغة الإنكليزية/Click here to read the English version of the below piece

في العُمقِ الرُّوحِيِّ للمَسِيحِيَّة، لا يَقِفُ الإِيمَانُ عِندَ حُدُودِ التَّأمُّلِ النَّظَرِيِّ أو المَشَاعِرِ الوِجدَانِيَّةِ العَابِرَة؛ بَل هُوَ حَرَكَةُ حُبٍّ دَائِمَة الصُّعُودِ نَحوَ الله، ودَائِمَة الانحِنَاءِ نَحوَ الإِنسَان. لَقَد صَاغَ مَار يَعقُوب هذه الحَقِيقَةَ الجَوهَرِيَّةَ بِعِبَارَةٍ حَاسِمَةٍ قَاطِعَةٍ في رِسَالَتِه حِينَ قَالَ: «الإِيمَانَ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ» (يعقوب 2: 17).
هذا الإِيمَانُ الحَيّ، الذِي لَا يَكتَفِي بِقَولِ «يَا رَبُّ، يَا رَبُّ»، هُوَ الجَذوَةُ الإِلَهِيَّةُ نَفسُهَا التِي اشتَعَلَت في قَلبِ الطُّوبَاوِيِّ أَبُونَا يَعقُوب الكَبُوشِيّ الذي نحتفل اليوم في 26 حزيران بعيده السنوي. لَم يَكُن خَلِيل الحَدَّاد رَاهِباً يَحبِسُ الإِنجِيلَ بَينَ دَفَّتَي كِتَاب، بَل جَسَّدَهُ «إِنجِيلاً مَعِيشاً» يَمشِي على الأَرض. لَقَد أَدرَكَ أَنَّ الأَقوَالَ بِلَا أَفعَالٍ هِيَ صَدَىً فَارِغ، فَتَرجَمَ صَلَاتَهُ السَّهرَانَةَ كِتَابَةً بِعَرَقِ الجَبِينِ ودُمُوعِ الخِدمَةِ على أَجسَادِ المَرضَى، ودُمُوعِ الجِيَاعِ، وعَجزَةِ الكَهَنَةِ والمَترُوكِين. كانَ الحَافِزُ الإِيمَانِيُّ لِأَبُونَا يَعقُوب يَنطَلِقُ مِن رُؤيَةِ وَجهِ المَسِيحِ الحَاضِرِ سِرِّيّاً في كُلِّ إِنسَانٍ مَكسُور. لَم يَكُن يَرَى في المَرِيضِ النَّفسِيِّ فِي «دَير الصَّلِيب» أو الكَاهِنِ الشَّيخِ فِي «المَسِيح المَلِك» عِبئاً اِجتِمَاعِيّاً، بَل كَانَ يَرَى فِيهِم المَسِيحَ نَفسَهُ الذِي قَالَ: «بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، فَبِي فَعَلْتُمْ» (متى 25: 40). لِذَلِكَ، تَحَوَّلَ إِيمَانُهُ إِلَى «ثَورَةِ مَحَبَّةٍ» صَامِتَةٍ وَجَبَّارَة، تُحَاكِي وَصِيَّةَ الرَّسُولِ يُوحَنَّا: «لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ» (1 يوحنا 3: 18).

الهوية والجذور: من هو خليل الحداد.. الطُّوبَاوِيِّ أَبُونَا يَعقُوب الكَبُوشِيّ الذي تحتفل الكنيسة اليوم بعيده
وُلد هذا الحبر المعطاء في بلدة غزير الكسروانية العريقة في لبنان في 01 شباط 1875. واسمه الحقيقي قبل لبس الثوب الرهباني هو خليل الحداد.
نشأ خليل في عائلة تقية علّمته حب الله والخدمة الباذلة. تلقى علومه الأولى في مدرسة البلدة ثم انتقل إلى مدرسة الحكمة في بيروت، حيث تميّز بذكائه المتوقد وفصاحته اللغوية. وفي غمرة نجاحاته، شعر بالدعوة الرهبانية القوية تلحّ على قلبه، فلم يتردد؛ واختار مسار الفقر، والتواضع، والخدمة الشاقة مع جمعية الرهبان الكبوشيين.

سرّ المذبح: متى وكيف رُسم كاهناً؟
بعد إنهاء دراسته الرهبانية واللاهوتية العميقة وإبراز نذوره الاحتفالية، رُسم خليل الحداد كاهناً في الأول من تشرين الثاني عام 1901 في كنيسة دير مار أنطونيوس البدواني للآباء الكبوشيين في بيروت. في ذلك اليوم المقدّس، اتخذ اسم “الأب يعقوب” (المعروف شعبياً بـ “أبونا يعقوب”). ومنذ لحظة ارتدائه ثوب الكهنوت، انطلق في ورشة عمل روحي واجتماعي متواصلة، لم تهدأ جذوتها طوال عقود حياته الطويلة.

ثورة المحبة: ما هي أبرز إنجازاته؟
لم يكن أبونا يعقوب راهباً يكتفي بالصلوات التأملية داخل جدران الصومعة، بل كان رجل الميدان الذي يركض خلف الوجع الإنساني أينما وُجد. إن المُؤَسَّسَاتِ الطِّبِّيَّةَ والتَّربَوِيَّةَ التِي نَشَرَهَا على تِلَالِ لُبنَانَ لَم تَكُن مُجرَّدَ إِنجَازَاتٍ إِدَارِيَّة، بَل كَانَتْ صِيَاغَةً عَمَلِيَّةً لِإِيمَانِهِ الرَّاسِخ، ومن أبرز هذه الإنجازات:
*تأسيس جمعية راهبات الصليب المقدّس (عام 1930): التي أصبحت الذراع التنفيذية والروحية لإدارة مؤسساته الضخمة ورعاية المتروكين.
*إطلاق النهضة التعليمية الشاملة: عبر تأسيس المدارس المجانية في القرى والبلدات النائية لتمكين أطفال الطبقات الفقيرة من التعلم.
*تأسيس “مكتبة المحبة”: كأداة لنشر الثقافة الوعي الروحي والأخلاقي.
*بناء صرح “دير سيدة الجبل” و”مزار صليب لبنان”: في منطقة جل الديب، ليكون منارة روحيّة جامعة تجمع اللبنانيين حول الصليب.
*قلاع الإنسانية: المؤسسات التي بناها وساهم في إطلاقها.
كَانَ يُؤمِنُ أَنَّ كُلَّ حَجَرٍ يَرفَعُهُ لِإِيوَاءِ يَتِيمٍ أو عاجِزٍ هُوَ صَلَاةٌ جَسَدِيَّةٌ تَرتَفِعُ إِلَى السَّمَاءِ. وبفعل هذا الإيمان، غدا أبونا يعقوب بمثابة “شبكة أمان اجتماعي وصحي” كاملة متمثلة في رجل واحد. وهذه القلاع الإنسانية التي شيدها:
*مستشفى دير الصليب (جل الديب): المؤسسة الأبرز والأكبر، خُصصت لاستقبال المرضى العقليين والنفسيين والمتروكين في الشوارع الذين لفظهم المجتمع ولم يكن لهم أي معيل.
*مستشفى سيدة البحر (جبيل): مركز صحي متميز خُصص بالكامل لرعاية المرضى المزمنين والعجزة.
*مستشفى ومدرسة مار يوسف (الدورة): لخدمة العائلات العاملة والفقيرة في ضواحي بيروت وتأمين الطبابة المجانية والتعليم لأبنائهم.
*دير مار المسيح الملك (ذوق مصبح): مؤسسة استثنائية فريدة خُصصت حصراً لاستقبال الكهنة والرهبان العجزة والمرضى، تكريماً لشيخوختهم وخدمتهم الطويلة للرعية.
*مستشفى سيدة الرجاء (بعلبك): لمدّ جسور الرعاية والخدمات الطبية إلى منطقة البقاع العزيزة.
*دار العجزة (الميناء – طرابلس): لخدمة كبار السن والمتروكين بلا مأوى في شمال لبنان.
المدارس المجانية: أسس أكثر من 15 مدرسة مجانية في مختلف المناطق اللبنانية لدعم العائلات الأكثر حاجة.

الأب الحاضن: دور يعقوب الكبوشي الإنساني
تجلّى دور أبونا يعقوب كصمام أمان اجتماعي حقيقي في فترات عصيبة مرّ بها لبنان، لا سيما بعد تداعيات الحرب العالمية الأولى والمجاعة الكبرى. كان لَا يُمَيِّزُ يَوْماً بين طائفة أو مذهب أو دين، وكان يطوف البلاد ليجمع التبرعات بجرأة المدافع عن الحق وبتواضع الرهبان، حتى لُقّب في الأوساط الشعبية بـ “شحّاذ المحبة”. لَقَد بَرهَنَ بِحَيَاتِهِ أَنَّ الكَاهِنَ لَيسَ فَقَط مَن يَعِظُ على المِنبَر، بَل مَن يَغسِلُ جِرَاحَ البَشَرِيَّةِ بِمَندِيلِ الرَّحمَة، سَائِراً على خُطَى مُعَلِّمِهِ الذِي «جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا» (أعمال 10: 38). وصبّ جلّ اهتمامه على الفئات التي كان المجتمع يتوارى عنها خجلاً أو يهمشها، معيداً لقلوبهم الكرامة الإنسانية.

العبور إلى السماء: إرث يتجدد كل عام
بعد مسيرة حافلة بالبذل الكلي والعطاء الفائق، رقد الأب يعقوب الكبوشي برائحة القداسة في 26 حزيران 1954 عن عمر يناهز 79 عاماً.
ونظراً لسيرته الطاهرة الطافحة بالمعجزات وعلامات النعمة، أعلنه البابا بندكتس السادس عشر طوباوياً على مذابح الكنيسة الكاثوليكية الجامعة في احتفال تاريخي مهيب شهدته ساحة الشهداء في بيروت يوم 22 حزيران 2008. وقد حددت الكنيسة يوم 26 حزيران عِيداً سنوياً له، وهو يوم عبوره إلى الأخدار السماوية. يَظَلُّ أَبُونَا يَعقُوب الكَبُوشِيّ الشَّاهِدَ الأَكبَرَ في تَارِيخِنَا الحَدِيثِ على أَنَّ الأَفعَالَ هِيَ رُوحُ الإِيمَانِ ونَبضُهُ، وأَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ هُوَ الذِي يَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ العَطَاءِ التِي لَا تَعرِفُ الكَلَل.

صَلَاةُ أَبُونَا يَعقُوب مِن مَسكَنِهِ السَّمَاوِيّ لِأَجلِ لُبنَانَ المُعَذَّب
مِن عُلى سَمَائِكَ، يَا أَبَا الفُقَرَاءِ ورَسُولَ الرَّحمَة، حَيثُ تَقِفُ اليَومَ إِلَى جَانِبِ الأَبرَارِ والقِدِّيسِينَ في حَضرَةِ رَبِّ المَجد، اِلتَفِت بِنَظرَةٍ أَبَوِيَّةٍ حَنُونَة إِلَى وَطَنِكَ الرَّقِيدِ تَحتَ جِلجِلَةِ الأَلَم. لُبنَانُ الذِي طَبَعْتَ تِلَالَهُ بِقُبَلِ الصَّلَاةِ ورَفَعْتَ فَوقَ قِمَمِهِ صَلِيبَ الفِدَاء، يَرزَحُ اليَومَ تَحتَ ثِقَلِ العَذَاب، وتَنهَشُ كَرَامَتَهُ قُوَى الِاحتِلَالِ والظُّلمِ والتَّشرِيد. يَا شَحَّاذَ المَحَبَّة، نَبتَهِلُ إِلَيكَ اليَومَ أَن تَكُونَ شَفِيعَنَا الحَارَّ أَمَامَ العَرشِ الإِلَهِيّ:
اِشْفَعْ لِلْمُعَذَّبِينَ وَالْمُهَجَّرِينَ: يَا مَن آوَيْتَ المَترُوكِينَ بِلَا مَأوَى، اِمسَحْ دُمُوعَ العَائِلَاتِ التِي شُرِّدَت، واحمِ الأَطفَالَ الذِينَ سُرِقَت بَرَاءَتُهُم، وكُن سَنَداً لِكُلِّ نَفسٍ كَسَرَهَا الجُوعُ والقَهر. حَرِّرْ هَذَا الْوَطَنَ الْمُحْتَلّ: يَا مَن جَاهَدْتَ بِإِيمَانِكَ الحُرِّ ضِدَّ الظُّلمِ والاتِّكَالِ على البَشَر، صَلِّ مِن أَجلِ أَن يَنفُضَ لُبنَانُ عَن كَاهِلِهِ غُبَارَ الِارتِهَانِ والِاحتِلَال، وتَعُودَ إِلَيهِ سِيَادَتُهُ وكَرَامَتُهُ المَسلُوبَة، لِيَبقَى وَطَنَ الحُرِّيَّةِ والرِّسَالَة. أَنْبِتْ فِينَا رُوحَ التَّضَامُنِ وَالأَفْعَال: كَمَا حَوَّلْتَ إِيمَانَكَ إِلَى قِلَاعٍ مِنَ الرَّحمَةِ والمُؤَسَّسَات، صَلِّ لِكَي لَا يَمُوتَ الإِيمَانُ في قُلُوبِنَا، بَل يَتَجَسَّدَ أَفعَالَ مَحَبَّةٍ وصُمُود، فَنَسنِدَ بَعضُنَا البَعضَ في هَذِهِ الأَيَّامِ العَصِيبَة.
يَا أَبَانَا يَعقُوب، يَا مَن أَغمَعْتَ عَينَيكَ على أَرضِ لُبنَانَ مُوصِياً بِالمَحَبَّة، لَا تَترُكْ وَطَنَ الأَرزِ يَسقُطُ في هَاوِيَةِ النِّسيَان. كُن لَنَا صَمَّامَ أَمَانٍ مِن مَسكَنِكَ السَّمَاوِيّ، وتَضرَّعْ إِلَى المَسِيحِ المَلِك، أَن يَقشَعَ ظُلمَةَ هَذَا اللَّيلِ الطَّوِيل، لِيَنهَضَ لُبنَانُ مِن قَبرِ عَذَابِهِ مُنتَصِراً، بَقِيَامَةٍ مَجِيدَةٍ تَشْهَدُ لِقُوَّةِ الحَيَاةِ والحَقّ.
آمِينَ.

**ملاحظة/المعلومات الواردة في هذه لدراسة منقولة عن العديد من المراجع الكنسية والاهوتية والبحثية والإعلامية الموثقة

**الكاتب ناشط لبناني اغترابي
رابط موقع الكاتب الألكتروني
https://eliasbejjaninews.com
*عنوان الكاتب الألكتروني
phoenicia@hotmail.com

Share
1