web analytics
Home Special Opinionsأراء خاصة صالح المشنوق/سنّة لبنان: أغلبيّة مع السلام

صالح المشنوق/سنّة لبنان: أغلبيّة مع السلام

17

سنّة لبنان: أغلبيّة مع السلام
صالح المشنوق/نداء الوطن/19 أيار/2026
دخلنا اليوم عصرًا جديدًا. من المعروف، المثبت والأكيد، أنّ الغالبية العظمى من المسيحيين في لبنان تؤيد مشروع السلام مع إسرائيل. ومن المعروف أيضًا أنّ الغالبية العظمى من الشيعة في لبنان تعارض عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل. لكن ما بات مثبتًا علميًّا هو أنّ غالبية السنّة في لبنان تؤيد السلام مع إسرائيل. وهذا يشكّل تطورًا استراتيجيًّا استثنائيًّا وتاريخيًّا بمعنيين: الأول هو أنّ السنّة يرجّحون الكفّة العددية، وبحكم موقفهم هذا يجعلون غالبية اللبنانيين مؤيدين للسلام مع إسرائيل. أما الثاني، والذي لا يقل أهمية، فهو أنّ السنّة تاريخيًّا، وبحكم تمسكهم ببعدهم العربي، كانوا يشكّلون الحاجز الرئيسي أمام التفاف لبناني حقيقي حول هكذا مشروع، (مع أنّ الرئيس صائب سلام صوّت مع اتفاقية 17 أيار)، ويجعلون من وحدة المسلمين ككل حول رفضه مانعاً فعلياً لتحققه.

اليوم، السنّة قالوا كلمتهم، في استطلاع أجرته شركة “الدولية للمعلومات”، المعروفة بحرفيتها ومهنيتها، بغض النظر عن رأي مالكيها السياسي (وهو أقرب إلى الطرف الآخر). وبهذه الأرقام، تغيّر مجرى تاريخ الرأي العام في لبنان، بخصوص أكثر القضايا مركزية وخلافية في تاريخ البلاد: تابو السلام مع إسرائيل. 52 ٪ من السنّة أيّدوا السلام، ما جعل الرقم العام لكل اللبنانيين المؤيدين للسلام يفوق الـ55٪ (الدروز أيّدوا بنسبة 84٪، والموارنة 76٪، أما الشيعة فرفضوا بنسبة 92٪).

55 ٪ من السنّة أيّدوا التفاوض المباشر مع إسرائيل، ما يؤشر إلى أنّ التأييد للتفاوض يقارب أرقام تأييد اتفاقية سلام. 40 ٪ من السنّة أيّدوا تواصلا مباشرًا بين رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو. هذا رقم سوريالي، لم يكن يمكن لأيٍّ كان تخيّله قبل مدة. فنتنياهو مكروه على المستوى الشخصي، بغضّ النظر عن الموقف السياسي تجاه إسرائيل أو السلام معها. هو الذي قاد الحرب في غزة، وينتمي إلى اليمين الإسرائيلي المتصلّب. وإذا استُبدل بنفتالي بينيت أو يائير لابيد، لأصبح الرقم يؤشر إلى أغلبية من السنّة.

لكن حتى هذه الأقام لا تعبّر حقيقة عن الرأي العام السني في لبنان – أي أن الرقم الفعلي هو أعلى بكثير، وذلك لثلاثة أسباب أساسية:
السبب الأول، هو ما يعرف علميًّا بمفعول برادلي (Bradley effect). مفعول برادلي يؤشر إلى أن المستطلعين لديهم رغبة بالمقبولية الاجتماعية (social desirability effect) ما يجعلهم يميلون أمام المستطلع إلى أجوبة لا تعرّضهم للنقد أو الضغط النفسي، بمعنى أن لا يكون لها تبعات مباشرة عليهم. ولدت تلك النظرية في انتخابات حاكم ولاية كاليفورنيا عام 1982، عندما لاحظ الخبراء فرقًا كبيرًا بين من قال إنه سينتخب المرشّح الأميركي-الأفريقي توم برادلي وبين من انتخبه بالفعل. ما استنتجه الخبراء هو أن المواطنين لا يريدون أن يقولوا إنهم لن ينتخبوا مرشحًا لأنه أسود، لأن ذلك غير مقبول اجتماعيًّا وليس politically correct، بينما هم بالفعل يضمرون ميلا إلى عدم انتخابه. في الوسط السنّي في لبنان، ما زال التعبير العلني أو شبه العلني عن الدعم للسلام مع إسرائيل يعرّض صاحبه لكل أنواع التعدّي اللفظي والمعنوي، بينما لا كلفة على الإطلاق لرفض السلام. السبب الثاني هو أنّ النخبة السياسية التقليدية السنّية، العالقة في عُقد الماضي، لم تُبدِ أي دعم لفكرة السلام بين لبنان وإسرائيل. فمن بين 27 نائباً سنّياً، واحد فقط، هو النائب فؤاد مخزومي، عبّر صراحةً عن دعمه للسلام مع إسرائيل. إضافة إلى ذلك، وربما أكثر أهمية، فإنّ الرئيس سعد الحريري، اللاعب الأكبر في الرأي العام السنّي، والذي ما زال يملك نحو ثلث أصوات السنّة، لم يُبدِ أي موقف علني من التفاوض المباشر أو السلام مع إسرائيل، مع أنّ الاستنتاج الطبيعي لخلفيته ومسيرته يفترض أنه مؤيد للاثنين معاً. ولا شك في أنه لو عبّر الرئيس الحريري بتغريدة واحدة عن دعمه للسلام، لزادت نسبة التأييد السنّي للمشروع ما بين عشرة وخمسة عشر في المئة.

أما السبب الثالث، فهو أنّ جميع المستطلَعين مقيمون في لبنان، فيما بين ربع وثلث اللبنانيين الملحوظين على لوائح الشطب الانتخابية مقيمون في الخارج، خصوصاً، لدى السنّة، في دول الخليج العربي. ومن البديهي الاستنتاج أنّ السنّة في الخارج أكثر تأييداً للسلام مع إسرائيل من السنّة المقيمين في لبنان، وذلك لأسباب متعددة، أهمها طبيعة من يهاجر أصلاً. يُضاف إلى ذلك مجموعة من الأسباب الفرعية: استمرار القصف الإسرائيلي في الجنوب، والتردّد السعودي في المضي بمشروع السلام، وعدم التقدّم في الاتفاق الأمني السوري الإسرائيلي.
برغم كل ذلك، قال 52٪ من السنّة المقيمين في لبنان إنهم يؤيدون السلام مع إسرائيل. وهذه النسبة لا يمكنها أن تعود إلى الوراء، بل إنها آيلة إلى الارتفاع تدريجيًا مع مرور الوقت (والتطبيع مع الفكرة الـtaboo)، إلى أن تبلغ حدّ الـ70٪.المفارقة هي أنّ الصفحات المؤيدة لـ”حزب الله” سارعت إلى تبنّي الاستطلاع، نظرًا إلى أنّ 70٪ من اللبنانيين رفضوا التطبيع بين لبنان وإسرائيل. لكنهم، طبعًا، لم يلفتوا نظر مشاهديهم إلى أنّ التأييد للتطبيع (ملك التابوهات)، ارتفع من 13٪ إلى 30٪ في أقل من سنة، ما يمنحنا مؤشرًا آخر إلى منحى الأمور لدى الرأي العام اللبناني (52٪ في العام 2027؟). المهم أنّ الاستطلاع اكتسب مشروعيته، حتى لدى أعداء السلام. ما يحصل أمامنا تاريخي حقًا. عندما تحدّثت صراحةً للمرّة الأولى عن السلام قبل عام، اعتقدت أنّ الدنيا ستقوم ولن تقعد في الأوساط السنّية. لم ألقَ اعتراضًا من أي أحد يُذكر. لا نعرف مدى تأييد الشعبين المصري والأردني للسلام في عامي 1979 (كامب ديفيد)، و1994 (وادي عربة)، لكنني أشك في أنّ أغلبية الشعبين كانت مؤيدة للفكرة. هناك، اختار قائدان تاريخيان مسار السلام برغم إرادة أغلبية شعبيهما. أما هنا، فالشعب قال كلمته بصراحة ووضوح: تبقى استجابة القيادة السياسية لإرادة شعبها، قولاً وتنفيذاً: سلام بين لبنان وإسرائيل.

Share