عبور “الروبيكون” في لبنان: بين كلفة القرار واستحالة الجمود
العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/نداء الوطن/15 أيار/2026
هناك لحظات مفصلية في التاريخ يصبح فيها التردد موقفًا بحد ذاته، إذ يتحوّل الامتناع عن الفعل إلى فعلٍ معيّن. صورة يوليوس قيصر Julius Caesar وهو يقف أمام نهر الروبيكون Rubicon River تختصر هذه اللحظة بدقة. كان يدرك أن نواياه باتت معروفة في روما، سواء عَبَر النهر أم لا.
اليوم، يقف رئيس الجمهورية في لبنان أمام عتبة مشابهة.
بالنسبة لمحور “حزب الله”، “حركة أمل”، وإيران، فإن مواقف الرئيس وحدود حركته باتت واضحة. سنوات التنسيق التي امتدت حتى الأشهر الأخيرة تآكلت، أو على الأقل لم تعد قائمة بالشكل نفسه. بهذا المعنى، لم يعد السؤال ما إذا كانت النية موجودة لعبور النهر، بل ما إذا كان القرار سيتحوّل إلى فعل.
غير أن الواقع على الأرض شديد التعقيد. فهذا المحور لا يمارس نفوذه عبر السلاح أو التلويح به فقط، بل عبر منظومة متكاملة من السيطرة المتعددة المستويات، تمتد عميقًا في بنية الدولة وفي الفضاء العام داخلها وخارجها: أجهزة موازية، واختراق مؤسسات، وتأثير عميق في قرارات الدولة، وشبكات فساد متجذّرة في مفاصل الإدارة العامة تخترق الأفراد والمؤسسات على حدّ سواء. فالوزارات الأساسية، ولا سيما المالية، إلى جانب المجالس والصناديق، تشكّل أدوات ضمن هذه المنظومة.
ولا تُفرض هذه السيطرة بالقوة الصلبة وحدها، بل عبر احتواء منهجي: ماليًا عبر شبكات التمويل والزبائنية والرشاوى، مهنيًا عبر التحكم بمسارات التوظيف والترقّي، وأخلاقيًا عبر إعادة تشكيل معايير السلوك والولاء والانتماء. والنتيجة لا تقتصر على إخضاع المعارضين، بل تشمل تحييد وشراء القادرين على المواجهة، واحتواء المترددين، ما أدّى إلى تفريغ الدولة من مضمونها الفعلي مع الإبقاء على هياكلها الشكلية.
في ظل هذا الواقع، يصبح الإصلاح التدريجي وهمًا، و”عبور الروبيكون” خطوة استراتيجية لا بدّ منها. أحد أبرز تجليات هذا العبور يتمثل في فتح مسار تفاوض مباشر مع إسرائيل، وصولًا إلى اتفاق ينهي حالة الصراع. هذه الخطوة، بحد ذاتها، لا تُختزل في بعدها الدبلوماسي، بل تحمل أبعادًا بنيوية عميقة: فهي تعيد تعريف مفهوم السيادة، وتطرح سؤال السلاح خارج الدولة، وتضرب الأساس السردي والفساد وخَرْق المؤسسات وخطف الدولة والسيطرة عليها، الذي يقوم عليه منطق “المقاومة الدائمة”.
فمن دون حالة الحرب المفتوحة، يفقد السلاح الموازي شرعيته التي يدّعيها، وتتحول الحروب، مثل حرب 2006 وما تلاها، من حتميات، إلى خيارات مكلفة يمكن مساءلتها. وهنا تكمن نقطة التحول: نقل لبنان من منطق الصراع الدائم إلى منطق الدولة. ولا يقتصر عبور الروبيكون على السلام وحده، إذ لا بد من إعادة ابتكار عقد اجتماعي جديد ونظام سياسي قادر على صيانته، بعيدًا من النظام المركزي الفاشل، مع الإشارة إلى صعوبة تصوّر أي إصلاح فعلي في ظل استمرار ذريعة الصراع الدائم.
والأهم أن هذه اللحظة قد لا تكون مفتوحة إلى ما لا نهاية. فالتوازنات الدولية والإقليمية تتحرك بسرعة، وأي نافذة قد تُقفل مع تغيّر الأولويات. من هنا، تبرز الحاجة إلى أن يغتنم الرئيس الفرصة وأن يلتقي ببنيامين نتنياهو، ضمن رعاية الرئيس دونالد ترامب، قبل أن تتبدل الحسابات، وإلا سنكون قد أضعنا فرصة تاريخية كما حدث في فترات سابقة مثل 1982 و2005.
وفي حال تعذّر على الرئيس اتخاذ هذه المبادرة، فإن المسؤولية قد تنتقل إلى قوى أخرى، لا سيما القيادات المسيحية، بحكم موقعها التاريخي ودورها في صياغة هوية لبنان. فالتردّد يعني خسارة المبادرة. ولا يقتصر التحدي على تفويت الفرصة، بل يمسّ جوهر الكيان المسيحي في لبنان والمخاوف المرتبطة بالديموغرافيا، وملكية الأرض، والهوية الثقافية والدور السياسي، وتقاطع هذه المخاوف مع سؤال أساسي: من يرسم مستقبل لبنان؟
وأخيرًا، نحن ندرك أن عبور الروبيكون ليس بلا مخاطر، فقرار قيصر قاد إلى حرب أهلية قبل أن يعيد تشكيل روما. لكن التاريخ يُظهر أيضًا أن لحظات الجمود تحمل مخاطرها. ولبنان اليوم أمام هذا الخيار. فالمسألة بين نوعين من المخاطر: عدم اليقين الناتج عن التغيير الحاسم، أو اليقين باستمرار الانهيار، مع الإشارة إلى أن “المحور” لا يستطيع إيقاف التحولات ولا تجاوزها، بل يقتصر هدفهُ على التكيّف معها. والسؤال لم يعد: هل يجب العبور؟ بل: من سيتحمّل مسؤولية العبور، ومتى؟