web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters طوني أبو جمرة/جيش لبنان الجنوبي يُحاكِم ولا يُحاكَم ويَعفو ولا يُعفى عنه 

طوني أبو جمرة/جيش لبنان الجنوبي يُحاكِم ولا يُحاكَم ويَعفو ولا يُعفى عنه 

7

جيش لبنان الجنوبي يُحاكِم ولا يُحاكَم ويَعفو ولا يُعفى عنه 
طوني أبو جمرة/08 أيار/2026
منذ سنواتٍ طويلة، وما زال ملف عناصر جيش لبنان الجنوبي يُستعاد في الخطاب السياسي اللبناني كلّما اشتدّ النزاع الغوغائي وكلما ظهرت الحقائق التي حاول كثيرون طمسها. لكن الحقيقة التي لا ترافع عن ذاتها بما لا يقبل الجدل، أنّ افراد جيش لبنان الجنوبي لا ينتظرون منّةً من أحد، ولا يستجدون عفوًا من أحد، لأنّهم، يعلمون علم اليقين انهم حملوا السلاح يوم تخلّى كثيرون عن الدولة، ووقفوا في الخطوط الأمامية دفاعًا عن الارض والإنسان والسيادة والكرامة حين باع الآخرون الامانة الوطنية بقليلً من الفضة.
ومن هنا، فإنّ القضية بالنسبة إليهم ليست قضية استرحام، بل قضية قراءةٍ سياسية تجمع بين الماضي والحاضر، ومراجعةٍ وطنية صادقة لما آل إليه الوضع في لبنان. فبينما انخرطت طبقة سياسية واسعة في منظومات الفساد، والتبعية، والارتهان، وغطّت الصفقات، وشرعنت المحاصصة، وخضعت لسلطات الأمر الواقع، بقيت تجربة الجنوبيين، في نظرهم، تجربة قتالٍ ذات هدفٍ واضح: مواجهة من اعتبروهم مصدر الخطر على الكيان اللبناني وديمومته.
ومن هذا المنطلق، يتوجّه كثيرون من أبناء هذه التجربة إلى النواب المسيحيين خصوصًا، لا طلبًا لموقفٍ عابر، بل دعوةً إلى مراجعة الضمير السياسي، والتحرر من أسر الزعامة العمياء، ومن ثقافة التزلف، ومن تغطية الانهيار الوطني تحت عناوين المصلحة والتحالفات. لأنّ المسؤولية الوطنية لا تُقاس بمدى القرب من الزعيم ومصالحه، بل بمدى القرب من الحقيقة ، ولبنان والحقيقة توأمان لا ينفصلان.
لقد خاض لبنان، على مدى عقود، حروب الآخرين على أرضه، ودفع شعبه أثمان مشاريع إقليمية ودولية متشابكة، فيما كان كثيرون يتنازعون النفوذ والمكاسب والولاءات. أمّا الجنوبيون خلال مسيرتهم، فما خاضوا يوماً حرباً من السلطة، ولم يتورّطوا في نهب الدولة، ولم يجعلوا من السياسة بابًا للغنيمة، بل اعتبروا أنّ معركتهم كانت معركة بقاءٍ وهوية. وما يجري اليوم على أرض لبنان، من انهيارٍ في السيادة، وتعددٍ في مراكز القرار، وسقوط المراجع السياسية في الامتحان، تعود الأسئلة الكبرى التي ظنّ البعض أنّ الزمن أسدل عليها الستارة واولها؛ من قاتل لأجل لبنان؟ ومن قاتل على أرض لبنان لأجل مشاريع الآخرين؟ ومن دفع الثمن دفاعًا عن فكرة الدولة؟ التاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بالنتائج. والوقائع التي مهما طال الزمن، تبقى الشاهد الأصدق على صوابية الخيارات أو خطئها. وبين سرديات الحرب المتعددة تبقى تجربة الجنوبيين جزءًا من الذاكرةٍ اللبنانيةٍ التي لا تُمحى بالإنكار، ولا تُختزل بالاتهام، لأنّ الأوطان لا تُبنى إلا بوقفة ضمير امام كل ما جرى على ارض لبنان من احداث بكلّ ما فيها من ألمٍ والتباسٍ وتزوير للحقيقة.

Share