
الجنوب قصة لم تنتهِ فصولها بعد.
الكولونيل شربل بركات/18 تشرين الأول/2026
الجنوب قصة لم تنتهِ فصولها بعد. هي جرح لم يلتئم، وسراج شح زيته صحيح، ولكنه لم ينطفئ. ولن ينطفئ طالما بقي من يشير إلى عمق المأساة، ويزيل الغبار عن وجع الأهل الذين ينزفون بصمت، وقد باعهم من ادّعى الدفاع عنهم، للغريب، وعوّدهم أن يقفوا منتظرين تسديد الفواتير.. وكأن الدماء لها أثمان والبيوت وما فيها من تاريخ وعمر وذكريات تباع لمن يدفع أكثر.. الجنوب وطن ضائع وأرض علّمتنا العيش مع القلة ولكن المغلفة بالكرامة والكِبر والمستنيرة بعطف السماء لا بتقاتل الأشرار… ربطا قصيدة عن الجنوب، كتبتها ابنة من بنات جبل عامل عند سقوط النبي طاهر، هي لسان حال كل الجنوبيين الذين لا يسعون لشهرة أو تشاوف، ولا يهمهم تعليقات وسائل الاعلام أو التواصل الاجتماعي، ولا آراء المنظرين بالوطنية والنضال، ولا هي تبغي فلسفة الأمور أو قيام المناظرات والدفاع المستميت عن الراي. لكنها تقول كلمة حق في واقع لم يعد يطاق، علّ بعض الضمائر تصحو وتتفهم معاني الانتماء الحقيقي، وتعرف بأن الحقد لا يغني والشر لا يحمي، وأن طريق القدس ليست أهم من الخيام أو بنت جبيل أو حتى رامية وحانين…
مَاذَا سَتَقُولُونَ لِلْجَنُوبِ؟ … لَسْنَا وَقُودَكُمْ، وَلَا قُبُورَكُمْ، وَلَا كَرْبَلَاءَكُمُ الْجَدِيدَةْ. نَحْنُ أَهْلُ هَذِهِ الْأَرْضْ، لَنَا فِيهَا جُذُورٌ وَبُيُوتْ، وَلِأَبْنَائِنَا فِيهَا حَقٌّ فِي الْحَيَاةِ وَالْغَدْ.
إبنة جبل عامل/18 تشرين الأول/2026
صَحَوْنَا، وَكَانَ الْجَنُوبُ يَحْتَرِقْ،
وَكَأَنَّ التُّرَابَ مِنْ جَوْفِ الْأَرْضِ يَنْبَثِقْ،
بُرْكَانًا مِنْ دُخَانٍ وَنَارْ،
يَلْتَهِمُ الزَّيْتُونَ وَالدَّارْ،
وَيَمْتَدُّ الصَّمْتُ فِي الْأُفُقِ،
فِيمَا الْبَعْضُ يُصَفِّقُ لِلِانْفِجَارْ.
وَيُقْتَلَعُ الْجَنُوبُ مِنْ جُذُورِهِ،
فَتَنْهَضُ بِنْتُ جُبَيْلٍ مِنَ الذَّاكِرَةْ،
بِبُيُوتِهَا الْمُهَدَّمَةْ،
وَأَشْجَارِهَا الْمُقْتَلَعَةْ،
وَأَبْوَابِهَا الْمَكْسُورَةْ،
وَيَنْهَضُ مِنْ بَيْنِ الرُّكَامِ
ذَلِكَ السُّؤَالُ الْقَدِيمْ:
إِلَى أَيْنَ تَأْخُذُونَ الْجَنُوبَ؟
وَأَيَّ انْتِصَارٍ سَتَبِيعُونَ لِلْجَنُوبِ؟
وَمَاذَا سَتَقُولُونَ لِلْجَنُوبِ؟
جَاءَ دَوْرُ عَلِيِّ الطَّاهِرْ،
وَمَا كَانَ يَوْمًا جَبَلًا لِلْحَرْبْ،
بَلْ مَقَامًا يَؤُمُّهُ أَهْلُ الْقُرَى،
نَذْرًا، وَدُعَاءً، وَذَاكِرَةْ.
وَقَالَ جَيْشُ الِاحْتِلَالْ:
أَلْفٌ وَمِئَةُ طُنٍّ مِنَ الْمُتَفَجِّرَاتْ،
حَمَلَهَا إِلَى جَوْفِ الْجَبَلِ
وَزَرَعَهَا فِي أَحْشَائِهِ،
دَوَّى الِانْفِجَارْ،
فَارْتَجَّتِ الْأَرْضُ تَحْتَ الْجَنُوبْ،
وَسَجَّلَتْ مَرَاصِدُهَا أَرْبَعًا وَفَاصِلَةَ وَاحِدْ،
وَانْشَقَّ عَلِيُّ الطَّاهِرِ عَنْ نَارٍ،
كَأَنَّ جَوْفَهُ لَفَظَ الْقِيَامَةْ.
قَبْلَ تَفْجيرِ عَلِيِّ الطَّاهِر،
قَالَ مُرَاسِلُوكُمْ:
وَزْنُهُ لِإِيرَانَ كَمَضِيقِ هُرْمُز.
فَلَمَّا فُجِّرَ،
قُلْتُمْ: وَمَاذَا بَعْد؟
عَجَبًا…
أَخَفَّ وَزْنُ الْجَبَلِ بَعْدَ تَفْجِيرِهِ،
أَمْ ثَقُلَتْ عَلَيْكُمْ
كَلِمَاتُ الْأَمْس؟
ثُمَّ جَاءَتْنَا تَسْجِيلَاتُ اسْتِغَاثَةٍ
لَمْ نَتَحَقَّقْ مِنْ مَصَادِرِهَا،
أَصْوَاتُ رِجَالٍ قِيلَ إِنَّهُمْ
عَالِقُونَ تَحْتَ الصَّخْرْ،
يُنَادُونَ أَهْلَهُمْ مِنْ جَوْفِ الْعَتْمَةْ،
وَيَسْتَغِيثُونَ بِمَنْ بَقِيَ
لَهُ سَمْعٌ يَسْمَعْ،
وَقَلْبٌ يَرْتَجِفْ.
وَلَا جَوَابْ.
وَانْتَظَرْنَا مِنْكُمْ كَلِمَةْ،
كَلِمَةً عَنِ الدَّمِ وَالْمَصِيرْ،
عَنْ جَبَلٍ انْشَقَّتْ أَحْشَاؤُهُ،
عَنْ قُرًى ارْتَجَفَتْ،
وَعَنْ خَوْفٍ طَرَقَ أَبْوَابَ الْبُيُوتْ.
لَكِنَّ الْكَلَامَ الَّذِي جَاءَنَا
كَانَ فَتْوَى:
هَذِهِ الْهَزَّةُ لَيْسَتْ زِلْزَالًا طَبِيعِيًّا،
إِنَّمَا هِيَ مِنْ فِعْلِ التَّفْجِيرْ،
فَلَا صَلَاةَ آيَاتٍ لِلزِّلْزَالْ!
يَا لَلْعَجَبْ…
حِينَ كَانَتِ الْأَرْضُ تَرْتَجِفُ،
وَكَانَ السُّؤَالُ يَقْتَرِبُ مِنَ الْأَنْفَاقْ،
كُنْتُمْ تُلْبِسُونَ الْأَرْضَ ثَوْبَ السَّمَاءْ،
وَتَقُولُونَ لِلنَّاسِ:
إِنَّهَا زَلَازِلْ…
فَاقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، وَصَلُّوا صَلَاةَ الْآيَاتْ.
وَالْيَوْمَ،
وَقَدْ شَقَّ الِاحْتِلَالُ جَوْفَ الْجَبَلِ بِالنَّارْ،
وَارْتَجَّ الْجَنُوبُ مِنْ هَوْلِ الِانْفِجَارْ،
قُلْتُمْ:
لَيْسَتْ زِلْزَالًا…
فَلَا صَلَاةَ آيَاتْ!
فَيَا لَلْعَجَبْ…
حَتَّى الزِّلْزَالُ عِنْدَكُمْ
يَتَبَدَّلُ اسْمُهُ بِتَبَدُّلِ السِّيَاسَةْ،
وَحَتَّى الْأَرْضُ
لَا تَهْتَزُّ إِلَّا بِفَتْوَى.
وَالدِّينُ الَّذِي عَرَفْنَاهُ فِي بُيُوتِ أُمَّهَاتِنَا
رَحْمَةً وَسَكِينَةْ،
جَعَلْتُمْ مِنْهُ فَتْوَى، وَتَكْلِيفًا شَرْعِيًّا، وَكَرْبَلَاءْ؛
كُلَّمَا سَأَلْنَا: لِمَاذَا؟
رَفَعْتُمْ أَبْصَارَنَا إِلَى السَّمَاءْ،
كَيْ لَا نَرَى مَا يُصْنَعُ عَلَى الْأَرْضْ.
فَالدِّينُ إِنْ أَيْقَظَ الضَّمِيرَ نُورْ،
وَإِنِ اسْتُخْدِمَتْ قُدْسِيَّتُهُ لِإِسْكَاتِهِ
صَارَ أَفْيُونًا لِلشُّعُوبْ؛
وَسِلَاحًا فِي يَدِ مَنْ يَجْعَلُ مِنَ الْإِيمَانِ سِتَارًا،
وَمِنْ خَوْفِ النَّاسِ
طَرِيقًا إِلَى الصَّمْتِ وَالتَّخْوِينْ.
وَتُعِيدُونَنَا كُلَّ مَرَّةٍ إِلَى كَرْبَلَاءْ،
كَأَنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ هُنَاكْ،
وَكَأَنَّ كُلَّ طَرِيقٍ إِلَى الْجَنُوبِ
لَا بُدَّ أَنْ يَمُرَّ بِالْمَوْتْ.
لَكِنَّ كَرْبَلَاءَ نَفْسَهَا
عَرَفَتْ تَفَاوُضًا قَبْلَ الدِّمَاءْ،
وَالْحُسَيْنُ، حِينَ خَذَلَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ،
طَلَبَ أَنْ يَعُودَ مِنْ حَيْثُ أَتَى؛
فَسَدُّوا عَلَيْهِ طَرِيقَ الرُّجُوعْ،
وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ الدَّرْبَ،
حَتَّى حَاصَرُوهُ فِي كَرْبَلَاءْ.
فَلِماذا أَغْلَقْتُمْ كُلَّ بابٍ لِلتَّفاوُض؟
وَلِماذا لَمْ تَتْرُكُوا
لِلْجَيْشِ اللُّبْنانِيِّ مَكانًا؟
تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا
مِنْ كُلِّ مَوْتٍ عَاشُورَاءْ،
مِنْ كُلِّ قَبْرٍ رَايَةْ،
مِنْ كُلِّ أُمٍّ ثَكْلَى
بُرْهَانًا عَلَى الِانْتِصَارْ.
فَلَا تَجْعَلُوا مِنْ عَاشُورَاءَ الْأَمْسِ
ذَرِيعَةً
لِنَكْبَةِ الشِّيعَةِ الْيَوْم.
إِذَا مَاتَ أَبْنَاؤُنَا، قُلْتُمْ: انْتَصَرْنَا.
إِذَا سَقَطَتْ بُيُوتُنَا، قُلْتُمْ: صَمَدْنَا.
إِذَا هَاجَرَ أَطْفَالُنَا، قُلْتُمْ: ثَبَتْنَا.
وَإِذَا احْتَرَقَتْ حُقُولُنَا،
رَفَعْتُمْ رَايَاتِ الِانْتِصَارْ.
فَأَيُّ نَصْرٍ هَذَا،
إِنْ لَمْ يَبْقَ لِلْمُنْتَصِرِينَ بَيْتْ؟
وَأَيُّ عِزٍّ هَذَا،
إِنْ صَارَ أَهْلُ الْجَنُوبِ
غُرَبَاءَ عَلَى أَبْوَابِ دِيَارِهِمْ؟
قُلْتُمْ إِنَّكُمْ جِئْتُمْ
كَيْ لَا يَبْقَى الشِّيعِيُّ مَحْرُومًا،
فَمَاذَا أَبْقَيْتُمْ لَهُ الْيَوْمَ
غَيْرَ الْحِرْمَانْ؟
حِرْمَانُ بَيْتٍ وَمَدْرَسَةْ،
حِرْمَانُ حَقْلٍ وَأَمَانْ،
حَتَّى صَارَ صَاحِبُ الْأَرْضِ
غَرِيبًا عَنْ أَرْضِهِ،
يَعُدُّ لَيَالِيَ النُّزُوحْ،
وَيُفَتِّشُ بَيْنَ الرُّكَامِ
عَنْ مِفْتَاحِ بَيْتٍ
لَمْ يَعُدْ لَهُ بَابْ.
قُلْتُمْ: نَحْمِيكُمْ مِنَ الْبُؤْسِ وَالذُّلِّ وَالْمَوْتْ،
فَدَخَلَ الْبُؤْسُ بُيُوتَنَا،
وَسَلَكَ النُّزُوحُ دُرُوبَ قُرَانَا،
وَصِرْنَا نَحْفَظُ أَسْمَاءَ مَوْتَانَا
أَكْثَرَ مِمَّا نَحْفَظُ أَسْمَاءَ الْفُصُولْ.
فَأَيُّ حِمَايَةٍ هَذِهِ؟
وَمَاذَا سَتَقُولُونَ لِلْجَنُوبِ؟
وَضَعْتُمْ ثِقَلَكُمْ فِي الْحَدِيدْ،
فِي الصَّارُوخِ وَالنَّفَقِ وَالْبَارُودْ،
فَأَيْنَ نَصِيبُ الْعُقُولْ؟
الْعَالَمُ يَعْبُرُ إِلَى زَمَنٍ جَدِيدْ:
ذَكَاءٌ اصْطِنَاعِيٌّ،
وَفَضَاءٌ، وَطِبٌّ، وَمُخْتَبَرَاتْ،
وَأَمْنٌ سَيْبَرَانِيٌّ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْغَدْ؛
وَأَنْتُمْ مَا زِلْتُمْ تَسْتَحْضِرُونَ السَّيْفْ،
وَتَسْتَدْعُونَ الْمَاضِيَ
كُلَّمَا طَرَقَ الْمُسْتَقْبَلُ الْبَابْ.
نُرِيدُ أَبْنَاءَنَا عُلَمَاءَ،
لَا صُوَرًا مُعَلَّقَةً عَلَى الْجُدْرَانْ؛
نُرِيدُهُمْ فِي الْجَامِعَاتِ وَالْمُخْتَبَرَاتْ،
فِي الْمَصَانِعِ وَالْبَرْمَجَةِ وَابْتِكَارِ الدَّوَاءْ،
يَحْمِلُونَ قَلَمًا وَفِكْرَةً،
لَا سِلَاحًا وَكَفَنْ.
نُرِيدُ وَطَنًا
يُعَلِّمُ أَبْنَاءَهُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ الْحَيَاةْ،
لَا كَيْفَ يُحْسِنُونَ الْمَوْتْ.
وَنَحْنُ شِيعَةُ جَبَلِ عامِل
لَنا فِي هَذَا التُّرابِ
جُذُورٌ أَعْمَقُ مِنَ الحِكايَة
وَلَا نَحْتَاجُ مَنْ يَكْتُبُ لَنَا تَارِيخَنَا
ثُمَّ يُعِيدُهُ إِلَيْنَا كِتَابْ.
مِنْ جَبَلِ عَامِلَ خَرَجَ عُلَمَاءُ،
حَمَلُوا فِقْهَهُمْ إِلَى إِيرَانَ الصَّفَوِيَّةْ،
وَكَانَ لَهُمْ فِي تَرْسِيخِ التَّشَيُّعِ الِاثْنَيْ عَشَرِيِّ
أَثَرٌ تَشْهَدُ لَهُ كُتُبُ التَّارِيخْ.
فَكَيْفَ صَارَ الْحَفِيدُ الْأَصْغَرُ الْيَوْمَ
يُمْلِي عَلَى الْجَدِّ هُوِيَّتَهُ؟
وَكَيْفَ صَارَ الْقَرَارُ الْآتِي مِنْ بِلَادِ فَارِسَ وَالْعَجَمْ
تَكْلِيفًا شَرْعِيًّا،
وَالِاعْتِرَاضُ خِيَانَةْ،
وَالسُّؤَالُ وَعِيدْ؟
وَكَرْبَلَاءُ طُفُولَتِنَا
لَمْ تَكُنْ ثَكَنَةْ.
كَانَتْ مَجْلِسًا حُسَيْنِيًّا،
وَصَوْتًا حَزِينًا فِي الْعَصْرْ،
وَهَرِيسَةً تُوَزَّعُ عَلَى الْجِيرَانْ،
وَرَاحَةَ الْحُلْقُومِ مَعَ الْبِسْكُوتْ،
وَدَمْعَةَ أُمٍّ عَلَى الْحُسَيْنْ،
ثُمَّ يَعُودُ النَّاسُ إِلَى بُيُوتِهِمْ
بِسَلَامٍ وَأَمَانْ.
لَمْ تَكُنْ كَرْبَلَاءُ مَصْنَعًا لِلْمَوْتْ،
وَلَا طَرِيقًا نُرْسِلُ فِيهِ أَبْنَاءَنَا
لِيَعُودُوا إِلَيْنَا
صُوَرًا وَأَكْفَانْ.
فَلَا تَنْتَزِعُوا حُسَيْنَنَا مِنْ قُلُوبِنَا
لِتَضَعُوهُ فِي بَيَانَاتِ الْحَرْبْ،
وَلَا تَجْعَلُوا عَاشُورَاءَ ذَرِيعَةً
لِكُلِّ مَوْتٍ وَقَرَارٍ وَخَرَابْ.
اللهُ لَيْسَ جَوَابًا عَنْ أَخْطَاءِ الْبَشَرْ،
وَكَرْبَلَاءُ لَيْسَتْ جِسْرًا
تَعْبُرُ فَوْقَهُ السِّيَاسَةُ إِلَى الْمَقَابِرْ،
وَالصَّلَاةُ لَيْسَتْ سِتَارًا
يُسْدَلُ كُلَّمَا ارْتَفَعَ السُّؤَالْ.
لَقَدْ تَعِبَ الْجَنُوبْ؛
تَعِبَ الزَّيْتُونُ وَالتَّبْغْ،
وَتَعِبَ الْحَجَرُ فِي بُيُوتِنَا،
وَتَعِبَتْ أُمَّهَاتُنَا
مِنْ عَدِّ الْغَائِبِينَ وَانْتِظَارْ.
رُبْعُ قَرْنٍ تَقْرِيبًا
وَالْكَلِمَةُ ذَاتُهَا تُطَارِدُنَا:
الْحَرْبْ…
وَقُرَابَةَ رُبْعِ قَرْنٍ
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ:
نَحْنُ هُنَا لِنَحْمِيَ الدَّارْ.
فَهَا هِيَ الدَّارُ رُكَامْ؛
فَمِمَّ حَمَيْتُمُ الدَّارْ؟
فَالْحَدِيدُ لَا يَبْنِي وَطَنًا،
وَالْبَارُودُ لَا يَصْنَعُ حَضَارَةْ،
وَالنَّفَقُ، مَهْمَا طَالَ،
لَا يَصِلُ إِلَى الْمُسْتَقْبَلْ.
الْمُسْتَقْبَلُ فَوْقَ الْأَرْضْ،
لَا فِي جَوْفِ الْأَنْفَاقْ:
فِي مَدْرَسَةٍ لَا تُقْفَلْ،
وَفِي عَقْلٍ يَسْأَلُ وَلَا يَخَافْ،
وَفِي طِفْلٍ يَعْرِفُ الْحَاسُوبَ
قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَسْمَاءَ السِّلَاحْ.
وَالْآنَ، مَاذَا سَتَقُولُونَ لِلْأُمِّ
إِنْ بَقِيَ ابْنُهَا تَحْتَ الْجَبَلْ؟
وَمَاذَا سَتَقُولُونَ لِلطِّفْلْ
إِذَا عَادَ فَلَمْ يَجِدْ
شَجَرَةَ التِّينْ،
وَلَا بَابَ الْبَيْتْ،
وَلَا غُرْفَةَ نَوْمِهِ،
وَلَا صُورَةَ جَدِّهِ عَلَى الْجِدَارْ؟
وَمَاذَا سَتَقُولُونَ لِلْفَلَّاحْ
إِذَا عَادَ إِلَى أَرْضِهِ
فَوَجَدَهَا حُفْرَةً،
بَعْدَمَا كَانَتْ زَيْتُونًا
وَتَبْغًا وَقَمْحْ؟
ثُمَّ مَاذَا؟
هَلْ سَتَقُولُونَ لَهُمْ أَيْضًا:
انْتَصَرْنَا؟
نَحْنُ غَاضِبُونْ.
فَالْجَنُوبُ لَيْسَ رُقْعَةَ شَطْرَنْجٍ لِأَحَدْ،
وَأَبْنَاؤُنَا لَيْسُوا ذَخِيرَةً فِي حُرُوبِ الْآخَرِينْ،
وَدِمَاؤُنَا لَيْسَتْ حِبْرًا
تُوَقَّعُ بِهِ مَشَارِيعُ الْأُمَمْ.
لَا نُرِيدُ أَنْ نَمُوتَ دِفَاعًا عَنْ إِيرَانْ،
وَلَا عَنْ أَمْرِيكَا أَوْ إِسْرَائِيلْ،
وَلَا عَنْ شَرْقٍ وَلَا غَرْبْ.
نُرِيدُ أَنْ نَحْيَا دِفَاعًا عَنْ لُبْنَانْ،
عَنِ الْجَنُوبْ،
عَنْ جَبَلِ عَامِلْ،
عَنِ الْأَرْضِ وَالْبَيْتِ وَالْإِنْسَانْ.
نُرِيدُ جَوَابًا، لَا خُطْبَةْ،
وَحِسَابًا، لَا رَايَةْ،
وَدَوْلَةً، لَا حَرْبًا
تَلِدُ حَرْبًا أُخْرَى.
آنَ لِلْجَنُوبِ أَنْ يَخْرُجَ
مِنْ كَرْبَلَاءِ السِّيَاسَةْ،
وَأَنْ يَدْخُلَ عَصْرَ الْعِلْمْ؛
آنَ لِلسَّيْفِ أَنْ يَعُودَ إِلَى التَّارِيخْ،
وَلِلْعَقْلِ أَنْ يَتَقَدَّمْ.
آنَ لِلْجَنُوبِ أَنْ يَعُودَ إِلَى حِضْنِ الْوَطَنْ،
وَلِجَبَلِ عَامِلَ أَنْ يَعُودَ
جَبَلَ عِلْمٍ وَعَمَلْ،
لَا جَبَلَ نَارٍ وَأَنْفَاقٍ وَقِتَالْ.
وَآنَ لِلْأُمِّ أَنْ تُزَغْرِدَ
لِشَهَادَةِ ابْنِهَا الْجَامِعِيَّةْ،
لَا أَنْ تُطْلِقَ زَغْرُودَتَهَا
فَوْقَ نَعْشِ ابْنِهَا.
وَهَذَا صَوْتُ الْجَنُوبْ:
لَسْنَا وَقُودَكُمْ،
وَلَا قُبُورَكُمْ،
وَلَا كَرْبَلَاءَكُمُ الْجَدِيدَةْ.
نَحْنُ أَهْلُ هَذِهِ الْأَرْضْ،
لَنَا فِيهَا جُذُورٌ وَبُيُوتْ،
وَلِأَبْنَائِنَا فِيهَا
حَقٌّ فِي الْحَيَاةِ وَالْغَدْ.
فَالْجَنُوبُ لَيْسَ سَاحَةً
لِتَصْفِيَةِ حِسَابَاتِ الْأُمَمْ،
وَلَا أَبْنَاؤُهُ قَرَابِينَ
عَلَى مَذْبَحِ السِّيَاسَةْ.
وَتَسْأَلُونَ عَنِ الْكَرَامَةْ؟
الْكَرَامَةُ بَيْتٌ لَا يُهْدَمْ،
وَأَرْضٌ لَا تُهْجَرْ،
وَعِلْمٌ لَا يُحْرَمْ،
وَأُمٌّ لَا تَنْتَظِرُ ابْنَهَا عَلَى بَابِ الْغِيَابْ،
وَطِفْلٌ يَعْرِفُ شَكْلَ الْقَلَمْ
قَبْلَ أَنْ يَحْفَظَ شَكْلَ السِّلَاحْ.
وَالْكَرَامَةُ أَنْ يَعُودَ الِابْنُ مَسَاءً،
يَفْتَحَ بَابَ بَيْتِهِ،
وَيَجْلِسَ إِلَى مَائِدَةِ أُمِّهِ،
وَيَقُولَ:
أَنَا هُنَا يَا أُمِّي…
أَنَا حَيٌّ.
ذَلِكَ هُوَ الْعِزْ،
وَذَلِكَ هُوَ النَّصْرْ.
وَسَيَأْتِي يَوْمٌ
يَعُودُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى قُرَاهُمْ،
يَمْسَحُونَ غُبَارَ الْحَرْبِ عَنْ عَتَبَاتِهِمْ،
وَيَغْرِسُونَ فِي الْأَرْضِ
مَا اقْتَلَعَتْهُ النَّارْ.
وَحِينَ يَسْأَلُ طِفْلٌ أَبَاهُ:
لِمَاذَا هُدِمَتْ بُيُوتُنَا؟
وَلِمَاذَا رَحَلْنَا؟
مَاذَا سَيَقُولُ لَهُ؟
سَيَصْمُتُ الْأَبْ،
وَتَبْقَى الْأَرْضُ وَحْدَهَا
تَحْفَظُ الْجَوَابْ.
وَيَبْقَى فِي قَلْبِ الْجَنُوبِ
سُؤَالٌ لَا يَشِيخْ:
أَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَعِيشَ؟
وَمَاذَا سَتَقُولُونَ لِلْجَنُوبِ