الذكرى السنوية لإعلان قداسة ما شربل التي تمت في 9 تشرين الأول 1977/من هو هذا القديس وما هي سيرته الذاتية
الياس بجاني/09 تشرين الأول/2026
قديس لبنان الذي جعل من صمت المحبسة منبراً للعالم
في التاسع من تشرين الأول سنة 1977، رفع البابا القديس بولس السادس على مذابح الكنيسة الجامعة ابناً من أبناء لبنان، ناسكاً متواضعاً من بقاعكفرا، ليكون قديساً للعالم كله. لم يكن تقديس شربل مجرد حدث فاتيكاني، بل كان إعلاناً سماوياً أن القداسة لا تزال ممكنة في زمننا، وأن لبنان، أرض القديسين، يقدم للكنيسة نموذجاً حياً للصلاة والصمت والعمل.
السيرة الذاتية – من بقاعكفرا إلى السماء
الميلاد والنشأة
ولد يوسف أنطون مخلوف في 8 أيار 1828 في قرية بقاعكفرا، أعلى قرية مأهولة في لبنان (في قضاء بشري، على سفح جبل الأرز). لأسرة فقيرة تقية تعمل في الزراعة. والده أنطون زعرور مخلوف توفي وهو في الثالثة من عمره، فربته والدته بريجيتا. كان يلقب منذ صغره بـ “القديس” لحبه للصلاة والخلوة في مغارة قرب القرية كان يسميها “مغارة القديسين”.
الدعوة الرهبانية
في صباح أحد أيام سنة 1851، وعمره 23 سنة، غادر بقاعكفرا دون أن يودع أحداً، سائراً على الأقدام إلى دير سيدة ميفوق لطلب الترهب في الرهبانية اللبنانية المارونية. ثم انتقل إلى دير مار مارون – عنايا للإبتداء.
تاريخ دخول الرهبنة: سنة 1851 في ميفوق
الانتقال إلى عنايا: 1853
النذور الرهبانية الأولى: 1 تشرين الثاني 1853، واتخذ اسم شربل، تيمناً بالشهيد الأنطاكي مار شربل
الدراسات اللاهوتية: في دير مار قبريانوس – كفيفان حيث تتلمذ على يد القديس نعمة الله الحرديني الذي كان أستاذه ومرشده
السيامة الكهنوتية: سيم كاهناً في 23 تموز 1859 في بكركي بوضع يد المطران يوسف المراد، النائب البطريركي، في عهد البطريرك بولس بطرس مسعد.
قضى 16 سنة راهباً مثالياً في دير عنايا، مثالاً للطاعة والتواضع والعمل اليدوي في الحقل.
الحياة النسكية
كان توقه الأكبر أن يحيي حياة الحبساء القدامى. وبعد إلحاح طويل، سُمح له بالاعتزال في محبسة مار بطرس وبولس التابعة لدير عنايا، المشرفة على الوادي المقدس.
تاريخ دخول المحبسة: 13 شباط 1875 وتاريخ الوفاة
مكانها: محبسة القديسين بطرس وبولس – عنايا
هناك قضى 23 سنة، لا يغادرها إلا بأمر رئيسه، مصلياً، صائماً، صامتاً، يعمل في الحقل، ويقضي الليل راكعاً أمام القربان المقدس.
الوفاة: عشية عيد الميلاد، 24 كانون الأول 1898، توفي بعد أن كان يتلو قداس الميلاد، وكانت كلماته الأخيرة: “يا أبتاه الحقيقة”.
دُفن في مقبرة الدير. وكان عمره 70 سنة.
أهم عجائبه
العجائب بدأت لحظة وفاته. شهود عيان رأوا نوراً ساطعاً يخرج من قبره لعدة أشهر، وجسده ظل ينضح دماً وماءً وعرقاً بعد وفاته، وبقي سليماً طرياً لسنوات طويلة دون أي تحنيط.
الكنيسة لا تحصي العجائب، لكن نذكر منها ما اعتمدته في ملف التقديس:
أ- خلال حياته: أعجوبة السراج: ذات مرة طلب منه الخادم أن يملأ السراج زيتاً، فملأه ماءً بسهولة الطاعة، فأضاء السراج بالماء.
كان يشفي المرضى والجرحى بصلاته وبركة يده، وكان يطرد الأرواح الشريرة.
ب- بعد وفاته – العجائب التي فتحت باب التطويب والتقديس: شفاء الأخت ماري أبيل كمو من راهبات القلبين الأقدسين: كانت تعاني من تقرحات معوية شديدة ومستعصية منذ 14 سنة. زارت قبره وصلت، وشفيت فجأة شفاءً تاماً سنة 1950. وهي الأعجوبة التي اعتمدت للتطويب.
شفاء السيد ألكسندر عبيد من بعبدات: كان فاقداً البصر في إحدى عينيه نتيجة حادث. وبعد الصلاة لمار شربل ووضع تراب من قبره على عينه، استعاد بصره كاملاً سنة 1950. وهي الأعجوبة الثانية للتطويب.
شفاء السيدة مريم عواد من حمّانا: كانت مشلولة ومصابة بسرطان في الحنجرة. شفيت شفاءً عجائبياً سنة 1952. وهي الأعجوبة التي اعتمدت للتقديس.
وآلاف العجائب الموثقة اليوم في سجلات دير عنايا من كل أنحاء العالم، من شفاءات من السرطان والشلل والعمى، إلى عجائب لا تُحصى، وقد لقبه الشعب “طبيب السماء” و “العجائبي”.
التطويب – تاريخاً ومكاناً
بسبب فيض النعم والعجائب، فتحت دعوى تطويبه سنة 1925.
تاريخ التطويب: 5 كانون الأول 1965
المكان: بازيليك القديس بطرس في الفاتيكان
البابا المطوّب: القديس البابا بولس السادس
المناسبة: اختتم بها المجمع الفاتيكاني الثاني. قال البابا بولس السادس في عظته: “ناسك من جبل لبنان، قد يعلمنا في عالم مادي، ما معنى الفقر والتواضع… راهب ماروني قد يعلمنا ما معنى الصمت والصلاة”. وكان هذا أول تطويب لماروني في التاريخ الحديث.
التقديس – التفاصيل الكاملة
تاريخ التقديس: الأحد 9 تشرين الأول 1977
المكان: ساحة القديس بطرس – الفاتيكان
البابا المقدِّس: القديس البابا بولس السادس، وكان هذا آخر قديس يقدسه قبل وفاته بأشهر
الحضور: أكثر من 30 ألف لبناني حجوا من لبنان والاغتراب، وتقدمهم البطريرك الماروني أنطونيوس خريش ووفد من الرهبانية اللبنانية. كانت ساحة بطرس تهتز بتراتيل مارونية ولبنانية.
مرسوم التقديس: أعلن البابا شربل قديساً للكنيسة الجامعة، ووضع عيده الرسمي في 24 تموز من كل عام (وفي لبنان يُحتفل به في الأحد الثالث من تموز حسب التقويم الماروني).
العظة التاريخية: قال بولس السادس: “شربل مخلوف هو قديس الأزمنة الصعبة. لقد جعل من المحبسة مدرسة صلاة. إنه يدعوكم أيها المسيحيون في لبنان والشرق أن تكونوا أمناء لإيمانكم، وشهداء للمحبة في عالم منقسم”.
بعد التقديس مباشرة، انتشرت رفاته وذخائره في كل قارات العالم، وأصبح مزار عنايا ثاني أهم مزار مسيحي في الشرق الأوسط بعد القدس.
خلاصة واستنتاج – ماذا يقول لنا مار شربل اليوم؟
قداسة الصمت: في زمن الضجيج والتواصل الاجتماعي، يعلمنا شربل أن الصمت ليس فراغاً، بل هو امتلاء بالله. لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى حلول سياسية، بل إلى عودة إلى صمت القلب.
قداسة الانتماء: لم يترك شربل لبنان، لم يطلب المجد في روما أو باريس. قداسته نبتت من تراب بقاعكفرا وصخر عنايا. هو يقول لكل مغترب لبناني أن قداستك تبدأ حيث أنت، لكن جذورك تبقى في أرض الأرز.
قداسة الوحدة: شربل ماروني، لكنه أصبح قديساً لكل اللبنانيين: مسيحيين ومسلمين، ومحبوباً من كل الأديان. جسده جمع اللبنانيين حوله أكثر مما جمعتهم السياسة. هو الدليل أن القداسة توحد والسياسة تفرق.
مار شربل هو الرد السماوي على يأس لبنان. إذا كان فلاح بسيط من أفقر قرية استطاع أن يصبح نوراً للعالم، فلبنان قادر أن يقوم.
صلاة لشفاعة مار شربل من أجل السلام في لبنان
أيها القديس شربل العجائبي، يا ابن بقاعكفرا وناسك عنايا، يا من حملت لبنان في قلبك وصليت لأجله 23 سنة في محبستك، نسألك اليوم ولبناننا جريح، مقسّم، متألم، يئن تحت ثقل الحروب والانقسامات والهجرة. أنت الذي سكبت الزيت نوراً، اسكب على أرضنا زيت السلام. أنت الذي شفيت العميان، افتح عيون مسؤولينا ليروا وجع الشعب. أنت الذي صمتّ طويلاً لتسمع صوت الله، علّمنا أن نصمت عن الحقد والشتيمة لنسمع صوت أخينا.
يا مار شربل، تشفع بنا أمام الرب يسوع، الذي أحببته حتى الموت، ليمنح لبنان سلاماً لا يُشترى بسلاح، ووحدة لا تُبنى على مصالح، ورجاءً لا يموت رغم كل الصعاب. احمِ أرزنا، احمِ عائلاتنا في الوطن والاغتراب، وردّ أبناء لبنان إلى محبة بعضهم البعض، ليبقى لبنان كما أراده الله: رسالة سلام ونور للشرق والعالم.آمين….شفاعة القديس شربل تكون معنا ومع لبنان.
*ملاحظة/المعلومات الواردة في هذه الدراسة منقولة عن العديد من المراجع الكنسية والاهوتية والبحثية والإعلامية الموثقة.