
عدوّك ليس خارج الحدود… بل داخل رأسك..أكثر ما يدمّر المجتمع: ما يُقدّسه بلا تفكير
شبل الزغبي/18 نيسان/2026
لم تهاجم إسرائيل لبنان يوماً كدولةٍ تستهدف شعبه أو تطمع بأرضه، بل كانت في كلّ مرةٍ تُشعَل فيها جبهةٌ جنوبية تردُّ على سلاحٍ غريب أطلقه فلسطينيٌّ أراد من لبنان وطناً بديلاً، أو سوريٌّ أراد منه محافظةً تابعة، أو إيرانيٌّ يريد منه اليوم ساحةَ حربٍ مفتوحة ومرتكزاً استراتيجياً على المتوسط. وإسرائيل نفسها، التي يُصوّرها بعض اللبنانيين خطراً وجودياً، هي من طرد ياسر عرفات ومسلّحيه عام اثنين وثمانين، مُنقذةً بذلك الكيانَ اللبناني من مشروع التوطين والتصفية على حسابه. أما اليوم فالمشهد يتكرّر: إسرائيل تضرب منظومة حزب الله ضربةً قد تُحرّر لبنان من أخطبوطٍ عسكريٍّ دينيٍّ إرهابيٍّ متطرف أمسك بخناقه أربعين سنة.
فمن هو العدوّ إذن؟
العدوّ هو من يُسكن مقاتليه في أحيائك ويجعل من أطفالك دروعاً بشرية. العدوّ هو من يُهرّب الأسلحة عبر مطارك ويُحوّل جنوبك إلى قاعدة عمليات لحسابات طهران. العدوّ هو من يسرق قرار الحرب والسلم من دولتك ويُطلق الصواريخ باسمك دون أن يسألك. العدوّ هو من يُعطّل انتخاب رئيسٍ لسنوات، ويُفجّر المرفأ، ويخزّن مستودعات الموت في قلب عاصمتك فوق رؤوس ساكنيها، ثم يطلب منك أن تشكره على “المقاومة”.
غير أن هذا العدوّ المسلّح لم يكن ليتجذّر في جسد الدولة لولا شركاؤه من الداخل: منظومة الفساد السياسي التي نهبت جنى أعمار اللبنانيين على مدى عقود. هؤلاء الزعماء والمصرفيون وأمراء الطوائف الذين سرقوا الودائع وأفلسوا الخزينة وأذلّوا نخب المجتمع وأجبروا شباب الوطن على الهجرة، هم شركاء الجريمة بامتياز. والعدوّ الداخلي أشدُّ خطراً من الخارجي لأنه يضرب من حيث لا تتوقع: يرتدي ثوب الزعامة ويتكلّم بلغة الوطن بينما يبيعه في الخفاء. حزب الله ومنظومة الفساد وجهان لعملةٍ واحدة، أحدهما يُخضع لبنان بالسلاح والآخر يُفرغه بالسرقة، وكلاهما يحتاج إلى فوضى الدولة الضعيفة كي يعيش ويزدهر.
أما نظرية العدوّ الإسرائيلي فهي الأداة الأمضى في ترسانة إيران الأيديولوجية. بها تُسوّغ وجود ميليشيا مسلّحة تفوق الجيش الوطني عديداً وعتاداً، وبها تُبقي لبنان رهينةً في خدمة مشروع الولي الفقيه، فيما يُكمل الفاسدون مهمّتهم بتعطيل كلّ مؤسسةٍ قادرة على بناء دولةٍ حقيقية.
حين يُقنعك أحدهم بأن الجهل فضيلة، وأن الطاعة وعي، وأن السؤال خيانة، يكون قد ربح المعركة قبل أن تبدأ. المجتمعات لا تنهار حين تُهزم عسكرياً، بل حين تُبرمج عقولها على قبول منطق القطيع. هذا العدوّ أخطر من أي احتلال: يجعلك تحرس سجنك بنفسك، وتخاف من حريتك، وتهاجم من يحاول إيقاظك.
حان الوقت للخروج من وهم العدوّ المرسوم بأيدٍ فارسية وأصابع ناهبة. المصلحة الوطنية لا تُقاس بمن يُعلن العداء لإسرائيل بأعلى صوت، بل بمن يُحاسب السارق ويُجرّد الميليشيا ويبني دولةً ذات سيادة حقيقية. هذا العدوّ لا يأتي من الخارج، بل يُزرع فيك ويكبر معك ويتغذّى على خوفك. فمتى تقرّر أن تتحرّر؟
حين تُستورَد العقول من طهران …لا تحتاج إيران إلى معارك برية لاحتلال لبنان. تكفيها المدارس.
شبل الزغبي/17 نيسان/2026
مدارس المهدي والمصطفى وأخواتها ليست مؤسسات تعليمية بالمعنى المتعارف عليه. هي خطوط إنتاج أيديولوجية تعمل على مدار الساعة، تستورد مناهجها من طهران كما تستورد السلاح سواء بسواء، وتُسلّم في نهاية كل عام دراسي جيلاً جديداً مُعبَّأً بولاءات لا تمت للبنان بصلة. الطفل الذي يدخل هذه المؤسسات بفطرته اللبنانية، يخرج منها وقد استُبدلت هويته بأخرى مُركَّبة في مختبرات الحرس الثوري.
المصيبة لا تكمن في وجود هذه المدارس وحدها، بل في أن الدولة اللبنانية تتفرج على هذا الاختراق وتباركه بصمتها. فيما تشترط وزارة التربية على سائر المدارس الالتزام بالمنهج الوطني، تعمل مدارس المهدي والمصطفى بمنهج موازٍ يُقدّم الجمهورية الإسلامية الإيرانية قدوةً ومرجعاً، ويُؤسّس لدى الطفل قناعة راسخة بأن ولاءه الأول لمرشد في طهران لا لدولة في بيروت. هذا ليس تعليماً دينياً، هذا استبدال منظّم للإنتماء اللبناني.
السؤال الذي يجب أن يُقضّ مضجع كل لبناني هو : كيف نبني مستقبلاً مشتركاً لأبنائنا مع جيل صُنع على مقاس مشروع لا يرى في لبنان وطناً نهائياً؟ الطفل الذي نشأ على أن “المختلِف” صهيوني ٌضالٌّ يستحق الإقصاء، وأن الزعيم المعصوم في طهران فوق المساءلة والنقاش. هذا الطفل لن يكون غداً شريكاً في بناء دولة، بل سيكون رافضاً لها في أحسن الأحوال، وعدواً لها في أسوئها.
المجتمعات لا تتفكك بالحروب وحدها. تتفكك حين تتعدد المرجعيات العليا وتتناقض، حين يؤمن جزء من الشعب بدستور ويؤمن آخر بفقيه، حين تُدرَّس نسخ مختلفة من التاريخ والهوية، العدو والصديق. لبنان اليوم يعيش هذا التفكك بصمت مرعب، فيما تواصل مدارس المهدي والمصطفى عملها بانتظام ودقة، تاركةً خلفها أجيالاً تحمل جوازات سفر لبنانية وعقولاً مُصنَّعة في قم.
المدرسة التي لا تُعلّم الطفل أن يرى في جاره اللبناني شريكاً في الوطن، هي ليست مدرسة. هي مصنع لأعداء الدولة. والدولة التي تقبل هذا على أراضيها وبين مواطنيها، هي دولة تحفر قبرها بيديها.
أعداء السلام… شركاء الخراب …لنحرر العقول كي تتحرر الأوطان
شبل الزغبي/16 نيسان/2026
حين تجلس دولتان متجاورتان وجهاً لوجه بحثاً عن سلام، فذلك ليس ضعفاً بل هو أشجع القرارات وأفضلها. لبنان وإسرائيل اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية بإرادة جدية وبدفع لا تشوبه مصلحة في استمرار الحرب. واشنطن التي تضع ثقلها في هذا المسار تستحق أن تمضي فيه حتى النهاية بلا تردد ولا مساومة، لأن استقرار المنطقة يبدأ من هنا.
لكن ثمة من يقف في الطريق، ويعرف الجميع من هو.
إيران، التي لا تملك حدوداً مع إسرائيل ولا أرضاً تُطالب بها ولا شعباً تدافع عنه، تُدير الممانعة من طهران وتُشعل الحرائق بأيدٍ لبنانية. وهذا هو المشهد الأكثر إجراماً في تاريخ المنطقة: دولة تُحارب حتى آخر لبناني وتصف ذلك بالمقاومة. إيران ليست طرفاً في السلام اللبناني الإسرائيلي، وليس لها مقعد على الطاولة، ولا يجب أن يُفتح لها باب أو نافذة. أي سلام تتسلل إليه طهران هو سلام ميت قبل أن يولد.
أما حزب الله وبقية المأجورين، أذناب المحاور الإقليمية، فهؤلاء يرفضون السلام ليس لأنه يضر لبنان، بل لأنه يُجفف منابع قوتهم ويُسقط ذريعة وجودهم. سلطتهم مبنية على الحرب والدمار، على خوف الناس وعلى السلاح غير الشرعي. السلام يعني محاسبتهم، والمحاسبة تعني نهايتهم، ولهذا يحاربونه بكل ما أوتوا.
إلى الولايات المتحدة الأمريكية نقول: لبنان الحر السيد يناديكم. الشعب اللبناني الذي طحنته الحروب المستعارة وأفقرته سياسات الوكالة الإيرانية يرى فيكم شريكاً لا غنى عنه في استعادة وطنه. امضوا في هذا الدفع ولا تتوقفوا. اجعلوا إقصاء إيران من أي مسار للتسوية في لبنان شرطاً لا يقبل النقاش، لأن إيران في معادلة السلام اللبناني شرٌّ مطلق.
السلام العادل بين لبنان وإسرائيل خيار استراتيجي وليس خيانة لأحد، بل هو الخيار الذي اختاره كل لبناني يريد لأولاده مستقبلاً لا قبراً. وكل الذين يرفعون أصواتهم ضده اليوم يجرّون أوطانهم إلى حروب لا تنتهي. فليعلموا أن التاريخ سيكتب أسماءهم بحبر العار، وأن شعبهم لن يغفر لهم جريمة سرقة السلام.
شبل الزغبي/عضو مجلس القيادة المركزية في حزب حراس الأرز