سناء الجاك/المرسوم والمحتوم في فضيحة تهريب التجنيس

25

المرسوم والمحتوم في فضيحة تهريب التجنيس
سناء الجاك/النهار/04 حزيران 2018

لا شيء يخرج عن المرسوم لهذا البلد. بالتحديد ليس مرسوم التجنيس الذي سلك طرق التهريب، تماماً كالتبغ والويسكي والبشر والأدوية والممنوعات على أنواعها.

هذا في الصيغة، اما في المضمون، فتكمن فضيحة المرسوم في انه مفخخ بأسماء مطلوبة لخدمة المشروع الأكبر الذي يسير بخطى وطيدة وثابتة ليصل لبنان الى حيث يقوده المحور الإيراني وأذرعه.

المسألة تتجاوز الحواشي المظللة لبيت القصيد بغية صرف النظر عن الهدف الأبعد. وتتجاوز الفساد او مبالغ لا تحصى دُفعت وسهّلت حصول من حصل على الجنسية اللبنانية لراغبين بها.

كذلك تتجاوز حقوق الانسان وحقوق المرأة لجهة منحها أولادها جنسيتها مع تأكيد فظاعة ما يرتكب في هذا الاطار.

والتجنيس يفضح التناقض الفاضح بين الشحن العنصري المذهبي للاقوياء حتى يتحكموا ويحكموا، وبين واقع خضوع هؤلاء الأقوياء لموظفيهم الحقيقيين.

الامر يتعلق بالمرسوم لهذا البلد الذي يعتبره المحور الايراني وأذرعه محتوماً. تفاصيل صغيرة متتابعة تؤدي الى قبضة تُطبق على المرافق الاقتصادية وترفد المعطيات السياسية والعسكرية لأذرع محور الممانعة. فهذا المحور هو المنتصر، لذا يمكنه ان يرسم ويخطط، وعلى مَن اوصلهم الى الحكم ان يطيعوا وينفذوا.

هذا ما يجري وما سيجري تباعاً. المرسوم بتهريب التجنيس، لا يخرج عن هذا الاطار. للراغبين بالاعتراض ان يلعبوا في دائرة مقفلة لا تقدّم ولا تؤخر ولا تغيّر في واقع الحال شيئاً.

فهذه الواقعة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. سيقع غيرها تباعاً. يكفي ربط الوقائع المتتالية ليدرك مَن يسعى الى الادراك اننا نغرق أكثر فأكثر في المرسوم، ولا سيما مع وجود طبقة سياسية، كلّ همها حصصها من جبنة الحكم.

هي حلقة من سلسلة وضعت البلد على السكة، فكان تدفق اللاجئين السوريين من دون تنظيم او معالجة، وكان انتخاب “الرئيس القوي” وكان قانون الانتخابات الأقوى وكانت محاولة تهريب القانون 49 وتشريعه التوطين المقنّع لفئات بعينها. وكان القانون رقم 10. وستكون الندوة البرلمانية ومن بعدها الحكومة العتيدة على السكة أيضاً وأيضاً.

ستمر عاصفة توقيع رئيس الجمهورية مرسوم التجنيس مرور الكرام. غداً يسغلّون الرأي العام بقضية جديدة. تعوّدنا ذلك. لا عجب إن وصل التهريب الى الهوية اللبنانية التي لا يختلف دورها في هذا الاطار عن أدوار تتعلق بالتغيير الديموغرافي الذي يزنّر حدودنا الشرقية، او عن القانون رقم عشرة. او… أو… أو.

يقال، والله اعلم، ان القانون هُرِّب في الجلسة الأخيرة للحكومة قبل ان تتحول الى تصريف الاعمال.

مع ان الامر حصل سابقاً مع قانون ترقية ضباط محسوبين على الأقوياء وانتهى بصفقة بعد ضجة واتهامات ونعوت وصلت مواصيلها الى تهديد السلم الأهلي.

لكن هذا التهريب يخرج من خانة التنفيعة الى رحاب المشروع الأكبر. فقد دخل المرسوم خلسة الى مجلس الوزراء وبتكتم مريب، ولبنان بلد الدخول خلسةً مع توفر سماسرة محميين لا تطالهم العقوبات، في حين يعاقب على هذه المخالفة مَن لا حماية له.

ومن يسمع الدفاع المعلّب عن إصدار مرسوم التجنيس في الخفاء، يستنتج ان الحجج رافقت التهريب. لا غرابة في الخبث الطاغي على الأسلوب البريء للتبرير وصلاحيات رئيس الجمهورية. لكن لا يمكن انكار خفة دم مَن يبسّطون المسألة التي تبقى تفصيلا عابراً اذا ما قورنت بوضع البلد المفلس الذي لا يحتمل هزّات تزعزع الاستقرار الواقف على “صوص ونقطة”. فالناس غارقة في أمور أهمّ، والأوضاع المعيشية في الحضيض. كما ان التهريب قطع الطريق على المنتفعين. “لذا اتفق فخامة الرئيس مع دولة الرئيس على هذا العدد، ولو أعلن الامر، لكان كل مسؤول ارسل قائمة بأسماء يريد تجنيسهم، وحينها ستعم الفوضى”.

هكذا تم التهريب والتكتم خدمةً للمصلحة العليا. ولا لزوم لتكبير الموقف وتضخيم الاستنكار. للمعترضين ان يسلكوا وسائل اعتراض عبر الأقنية النظيفة. هذا حجم الموضوع وإن وجد من لا يستحق الجنسية، فرئيس الجمهورية طلب ممّن لديهم معلومات أكيدة للطعن ان يتقدموا الى الجهات المختصة. مع المستوى الرفيع للنزاهة والشفافية في جمهورية الأقوياء، يصبح الأمل معدوماً بأن تتخذ الإجراءات اللازمة لنزع الجنسية عن غير مستحقّيها.

لكن ان يتم حرمان هذا البلد المفلس من رؤوس أموال يحملها المجنسون، وتحديداً ممّن يلتصقون بدائرة النظام الأسدي ومن المدانين دولياً بجرائم فساد بالملايين والمليارات من الدولارات وصولاً الى القتل، فتلك لعمري مؤامرة على البلد والمواطن المحتاج الى تأمين لقمة عيشه. ومن يقول ان أموالاً دُفعت لقاء الجنسية فليقدّم اثباته او فليخرس الى الابد.

وفي حين يبقى هذا الكلام للاستخدام المحلي، من الواضح ان المرسوم لهذا البلد لا بد ان يستكمل. انتهى الامر. فقد جنّسوهم تجنيساً يخدم المشروع الأكبر الذي يسير وفق ما خُطِّط له منذ لحظته الأولى، وتحديداً بفضل الحد الأقصى من الالتزام على النقطة والفاصلة وبالقلم والمسطرة لتسديد فاتورة الوصول الى السلطة. وبوركت الطبقة السياسية بأركانها وحاشيتها التي تتقيد بالمرسوم والمحتوم، وتلتزم خدمات جليلة باشرت تقديمها للنظام الأسدي بناءً على أوامر عليا.