د.توفيق هندي للشرق الأوسط: هناك إعادة ترتيب لتقسيم كعكة السلطة، مقابل قبول الأطراف بسيطرة حزب الله على لبنان/العقوبات الأميركية ـ الخليجية على حزب الله تفرض واقعاً جديداً في لبنان وعلى الحكومة الجديدة

66

د.توفيق هندي للشرق الأوسط: هناك إعادة ترتيب لتقسيم كعكة السلطة، مقابل قبول الأطراف بسيطرة حزب الله على لبنان
القيادات اللبنانية تؤسس لتحالفات جديدة داخل الحكومة والبرلمان ومخاوف من اصطفافات تتقاسم غنائم الحكم
بيروت/الشرق الأوسط/20 أيار/18

نجحت القيادات اللبنانية في تبديد أجواء التشنّج التي عكستها نتائج الانتخابات النيابية، وترجمت بتوترات واحتكاكات في الشارع، وساهمت اللقاءات التي جمعت رئيس الجمهورية ميشال عون برئيس مجلس النواب نبيه بري في القصر الجمهوري، ولقاء رئيس الحكومة سعد الحريري مع رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وقبلها زيارة الحريري لكلٍ من عون وبري، بتنفيس الاحتقان، وبعثت برسائل تؤشّر إلى بروز تحالفات سياسية جديدة، ستتبلور داخل الحكومة الجديدة، وتنسحب على الكتل النيابية داخل البرلمان، في وقت تخوّفت مصادر متابعة للتقارب بين القوى المتصارعة، من أن تترجم تلك اللقاءات باصطفافات تسعى إلى تقاسم مغانم الحكم مقابل سيطرة «حزب الله» على البلاد.
ولم يكشف بعد عن طبيعة الاتفاق الذي أرساه لقاء بعبدا الذي جمع عون وبري يوم الثلاثاء، وما إذا أزال تحفظات «التيار الوطني الحرّ» حيال انتخاب بري رئيساً لمجلس النواب لولاية جديدة، فيما أكدت مصادر بري لـ«الشرق الأوسط»، أن اللقاء مع رئيس الجمهورية «عكس التفاهم الكبير الذي يتطلّع إليه الجميع، وأوجد قراءة مشتركة لمرحلة الانتخابات والتحديات المقبلة، ومقاربتهما لمعالجة الملفات الكبرى بعد الانتخابات».
وفيما لم يعرف ما إذا نجح عون في إزالة الالتباس الناتج عن مواقف صهره وزير الخارجية جبران باسيل، ومهاجمته رئيس مجلس النواب خلال الحملة الانتخابية، أوضحت مصادر بري أن الانتخابات «أدخلت البلاد في منحى خطير عبر التجييش المذهبي والطائفي، وثمة إصرار على الخروج من هذا الواقع بعد الانتخابات». وقالت إن «اللقاء ركّز على ملفات أساسية مثل قضية النزوح السوري والوضع الاقتصادي ووضع المنطقة، وضرورة ألا يضيّع لبنان الفرصة التي توفرت من خلال مؤتمر سيدر»، وأشارت إلى أن الرئيس بري سبق أن بحث هذه الأمور مع الرئيس سعد الحريري، «وكان اتفاق تام على ضرورة إنجاز استحقاقين أساسيين، هما انتخاب رئيس المجلس ومكتب المجلس، وتأليف الحكومة الجديدة، خصوصاً أن رئيس الجمهورية سبق أن أعلن أن عهده ينطلق مع حكومة ما بعد الانتخابات». وشددت مصادر بري على أن «صورة التكتلات النيابية والسياسية لم تتبلور بعد، وربما تظهر مع الحكومة، وعلى ضوئها يمكن قراءة الحركة السياسية في لبنان».
وشكّلت زيارة رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع لرئيس الحكومة سعد الحريري، محطة مهمّة ساهمت في تبديد خلافات الطرفين، وأسست لمرحلة جديدة، وكشف رئيس جهاز الإعلام والتواصل في «القوات اللبنانية» شارل جبور، أن لقاء الحريري – جعجع «طوى صفحة سوء التفاهم التي سادت في الأشهر الأخيرة». وأكد لـ«الشرق الأوسط»، أن جعجع «أراد اللقاء فاتحة لحقبة سياسية جديدة منتجة على المستوى السياسي، وتكون واعدة لحياة الناس، واستعادة الثقة مع الحكومة الجديدة، بعد الاستفادة من الصدمة الإيجابية التي أحدثتها الانتخابات»، مشيراً إلى أن لقاء بيت الوسط «وضع عناوين سياسية للمرحلة الجديدة، بدءاً من الحرص على الجانب السيادي، وقيام الدولة الفعيلة والشبك مع القوى السيادية والتواصل والتقاطع معها بالأمور السيادية».
وقال شارل جبور إن «علاقة المستقبل و«القوات اللبنانية» عادت إلى ما كانت عليه، ووضعت آليات تنسيقية انطلاقاً من الخلفية السيادية الموجودة عند الحريري وجعجع». ولفت إلى أن «وجود تفاهم بين الطرفين داخل الحكومة وفي السياسة العامة، يبدأ بالقضايا السيادية ولا ينتهي بالملفات الحياتية».
لكنّ من يقرأ بحيادية مشهد التبدّل القائم على صعيد التحالفات له رأي آخر، إذ اعتبر السياسي اللبناني الدكتور توفيق الهندي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «ما يحصل الآن من لقاءات ومشاورات، لا يؤشر إلى اصطفافات سياسية، بقدر ما يدل على اصطفافات سلطوية، ومحاولة تركيب الأوضاع لتقاسم غنائم الحكم»، مستبعداً إعادة إحياء ما كان يعرف بمعسكري «8 آذار» و«14 آذار». ورأى أن هناك «إعادة ترتيب لتقسيم كعكة السلطة، مقابل قبول الأطراف بسيطرة حزب الله على لبنان».
وقال الهندي إن «حزب الله» لا يزال رأس حربة إيران في المنطقة»، وعبر عن تخوفه من «حرب قد تقع في أي وقت، ويكون لبنان أحد ساحاتها»، مستغرباً كيف أن «الكلّ يتجاهل هذا الخطر، ويعتبر أن كافة المشاكل تحلّ بتشكيل حكومة يتقاسمون عبرها الغنائم، وتوفّر غطاء سياسيا لمغامرات حزب الله»، مستبعداً أي تغيير في الوضع القائم حالياً.

العقوبات الأميركية ـ الخليجية على «حزب الله» تفرض واقعاً جديداً في لبنان والحكومة الجديدة تكبّلها محاذير تمثيل الحزب والصراع على الحقائب الأساسية
بيروت: يوسف دياب/الشرق الأوسط/20 أيار/18
لا تقتصر تداعيات العقوبات الأميركية – الخليجية الجديدة على «حزب الله» وقيادته فحسب، لكنها فرضت تحديات كبيرة على المؤسسات الدستورية في لبنان، التي باتت تواجه أساساً معضلة كبرى تتمثّل في كيفية التعاطي مع هذه العقوبات، وبالتالي رصد هامش تحرّك الحزب داخل هذه المؤسسات، وهي جاءت لتزيد من تعقيدات مخاض تشكيل الحكومة العتيدة، التي تتنازع كلّ الأطراف حقائبها، بما فيها «حزب الله» الذي يطالب للمرّة الأولى بحقائب أساسية، ليقدم عبرها الخدمات لجمهوره. ورسم بعض الخبراء صورة قاتمة لما ينتظر لبنان نتيجة هذه العقوبات، إذ اعتبر مدير معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية الدكتور سامي نادر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن العقوبات التي طالت بشكل أساسي أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله ونائبه نعيم قاسم، وأعضاء في مجلس شورى الحزب، «جاءت لتطوّق نتائج الانتخابات اللبنانية، وتقطع الطريق على محاولة وضع يد الحزب على المؤسسات الشرعية في لبنان، ومنعه من تكريس الغطاء السياسي لدوره العسكري». ورأى أنه «في السنوات الماضية، كانت لدى (حزب الله) أغلبية عسكرية، والأغلبية النيابية لتيار (المستقبل)، لكنه بات يمتلك اليوم القوتين السياسية والعسكرية، وينخرط بالدولة بشكل أكبر، ويجاهر بأنه سيمسك بكل الملفات». وأمام هذه التطورات الجديدة، سأل سامي نادر: «هل يستطيع سعد الحريري أن يؤلف حكومة بالشراكة مع حزب مصنّف تنظيماً إرهابياً ويواجه عقوبات عربية ودولية؟». وكانت رئاسة أمن الدولة في المملكة العربية السعودية أعلنت ليل الأربعاء الماضي، أنها «تصنف 10 أسماء منهم 5 أعضاء تابعين لمجلس شورى (حزب الله) المعني باتخاذ قرارات الحزب، وبشكل خاص: حسن نصر الله، ونعيم قاسم، ومحمد يزبك، وحسين خليل، وإبراهيم أمين السيد، و5 أسماء لارتباطهم بأنشطة داعمة لحزب الله الإرهابي وهم طلال حميه، وعلي يوسف شراره، ومجموعة سبيكترم (الطيف)، وحسن إبراهيمي، وشركة ماهر للتجارة والمقاولات، عملاً بنظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله في السعودية».

لكنّ عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل» راشد فايد، قدّم مقاربة مختلفة عن قراءة سامي نادر، ورأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن العقوبات «تطول دور حزب الله في الخارج، وتهدف إلى قصّ أجنحته في الخارج وإرغامه على العودة إلى الداخل اللبناني وممارسة دوره حزباً سياسياً». وأكد أنه «من مصلحة حزب الله عدم التأزيم مع الدول التي فرضت العقوبات عليه، كما أن هذه الدول لا مصلحة لها بهزّ الاستقرار في لبنان، وهي تدرك أن الحزب لديه كتلة نيابية كبيرة في مجلس النواب»، مذكراً بأنه «لم يصدر حتى الآن موقف خارجي يحذّر من مشاركة الحزب في الحكومة الجديدة».
ولا يخفي راشد فايد، أن تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات، لن يكون سهلاً بالنظر إلى السقوف المرتفعة للأطراف السياسية، ومطالبتها بحصص وزارية كبيرة، لكنه شدد على أن «المطالب التعجيزية لن تؤدي إلى حلول، وستؤخر تشكيل الحكومة». أما بما يتعلّق بمطالبة «حزب الله» بحقائب أساسية، فلفت إلى «استحالة أن يتسلّم الحزب أي حقيبة سيادية، لأن علاقاته الدولية محصورة بإيران والنظام السوري فقط».
لكن اللافت فيما أعلنه مدير معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية، أن «العقوبات الجديدة أطاحت بالتسوية التي أرست حواراً مع حزب الله، وأوجدت معادلة النأي بالنفس، وهي تقول صراحة لا تسوية مع تنظيم إرهابي». ولفت سامي نادر إلى أن «الرسالة الأقوى موجهة الآن إلى شريك حزب الله، أي رئيس الجمهورية وإلى الداخل اللبناني ككل». وشدد على أن «العقوبات الخليجية يكاد وقعها يكون أكبر من العقوبات الأميركية، لأن الخليج العربي لديه كثير من أوراق الضغط، وإذا استمرت هذه الوتيرة من العقوبات العربية والدولية، فهي قد تؤدي إلى انهيار الوضع اللبناني غير القادر على الصمود أصلاً».
وأكدت المملكة العربية السعودية أن «هذا التصنيف لقيادات حزب الله وكياناته جاء بالشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية (الرئيس المشارك لمركز استهداف تمويل الإرهاب)، بالإضافة إلى جميع الدول الأعضاء في مركز استهداف تمويل الإرهاب، وهي دول مجلس التعاون الخليجي: الكويت، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وقطر وسلطنة عمان». من جهته، اعتبر أستاذ القانون الدولي في الجامعة الأميركية الدكتور شفيق المصري، أن «تصنيف حزب الله أميركياً وخليجياً منظمة إرهابية ليس جديداً، لكنّ الجديد فيه أنه وضع قيادة الحزب ضمن قائمة الإرهاب». ورأى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «القرار الأميركي ليس دولياً، وبالتالي ينحصر مفعوله في الدول التي أعلنت العقوبات»، لافتاً إلى أن «القرار الخليجي لم يفسّر حتى الآن إلى أي مدى سيذهب بالعقوبات، فهل يكون متشدداً ويطول كلّ من لهم صلة بحزب الله، أم أن العقوبات تقتصر على من وردت أسماؤهم في القرار؟». وذكّر بأن «الإدارة الأميركية كانت حذرت قبل فترة، من تولي أعضاء من حزب الله حقائب وزارية، مثل المالية والخارجية والدفاع، ما يعني أن لا مشكلة لديها في وزراء ليست على تواصل معهم».