web analytics
Home تعليقات ومقالات مميزة نديم قطيش/في هجاء بعض التّحليل الغربيّ للأزمة اللّبنانيّة

نديم قطيش/في هجاء بعض التّحليل الغربيّ للأزمة اللّبنانيّة

17

في هجاء بعض التّحليل الغربيّ للأزمة اللّبنانيّة
نديم قطيش/أساس ميديا/18 أيار 2026
ثمّة سرديّة حول لبنان، يفيض ظاهِرُها بالحنكة، والتوثيق الرفيع، والورع الأخلاقيّ القلِق على حيوات اللبنانيّين، غير أنّ باطنها مَبنيٌّ على كذبة تأسيسيّة، هي من الضخامة والعمق بحيث يتطلّب تفكيكها عودةً شاقّة إلى نقطة الصفر.تنصّ هذه الأطروحة، باختصار شديد، على أنّ لبنان دولة ضعيفة تُسحق حاليّاً بين فكّي الاعتداءات الإسرائيليّة والضغوط الأميركيّة، وأنّ قادته، يُساقون مرغمين، على الرغم من حسن نيّاتهم، للتنازل عن سيادتهم تحت وطأة القوّة العسكريّة الإسرائيليّة. أمّا “الحزب”، ومهما بلغت عيوبه، فإنّه في نهاية المطاف ليس سوى تعبير عن مظلوميّة مشروعة، ويتصرّف بوصفه فاعلاً عقلانيّاً يستجيب لاستفزازات حقيقيّة كالاحتلال والخروقات والأطماع، كما أنّه ممثّل حقيقيّ لبيئة لبنانيّة رئيسيّة. وتستنتج السرديّة أنّ الطريق إلى الاستقرار يمرّ حتماً عبر التكيّف مع هذا الواقع، الذي يمثّله “الحزب” لا القفز فوقه. بيد أنّ كلّ تفصيل في هذه السرديّة الملتوية يرتكز على عمليّة تغييب متعمَّدة للسؤال المركزيّ الوحيد ذي المعنى: ما الذي كان عليه الوضع القائم قبل الثامن من تشرين الأوّل 2023؟

لم يكن ثمّة احتلال إسرائيليّ للأراضي اللبنانيّة قبل ذلك التاريخ، ذاك أنّ إسرائيل كانت قد أتمّت انسحاباً شاملاً منذ عام 2000. وعلى الرغم من الهزّة العنيفة التي أحدثتها حرب تمّوز 2006، والتي اندلعت بقرار أحاديّ منفرد من “الحزب” نفسه، ونتيجة الاستثمار في ما يسمّى “احتلال مزارع شبعا”، إلّا أنّ مفاعيل القرار الدوليّ اللاحق، أي القرار 1701، لجمت الجبهة قرابة عقدين من الزمن، وهو ما سمح باستقرار أحوال المدنيّين على جانبَي “الخطّ الأزرق” بعيداً عن المواجهات العسكريّة المفتوحة.

الاستقرار خيار تكتيكيّ
لم يكن مردّ الاستقرار نتاج توازن رعب مزعوم، بل كان خياراً تكتيكيّاً حتّمته حسابات “الحزب” ومصالحه المحلّيّة والإقليميّة، ذاك أنّ كلفة حرب تمّوز الباهظة فرضت مرحلة من “الاستقرار السلبيّ” أتاحت لـ”الحزب” إعادة إعمار معاقله وترميم ترسانته، بالتوازي مع استدارة سلاحه إلى الداخل عام 2008 لتثبيت فيتو سياسيّ عُطِّل به قوام الدولة. لمّا اندلع الحريق السوريّ في 2011، تحوّلت أولويّات السلاح بالكامل، بطلب من طهران، جاعلةً من حماية نظام دمشق وتأمين خطوط الإمداد الاستراتيجيّة قضيّة تتقدّم على ما عداها، فبات الهدوء على جبهة الجنوب ضرورة حيويّة لتفادي القتال على جبهتين في وقت كانت فيه نخبة “الحزب” العسكريّة تنغمس في وحل القصير وحلب. ما لبث أن فاقم انفجار الهيكل اللبنانيّ فوق رؤوس الجميع بعد الانهيار الماليّ 2019 أسباب النأي بالنفس عن الحرب، مغذّياً الديناميّات التي تُوِّجت في تشرين الأوّل 2022 بتوقيع اتّفاق ترسيم الحدود البحريّة برعاية أميركيّة، حيث بدا السلاح آنذاك وكأنّه شريك في صكّ اعتراف متبادل بحدود المصالح النفطيّة والأمنيّة. والحال أنّ تلك السنوات السبع عشرة تفيد بأنّ الجبهة أُديرت بعقليّة المنفعة البراغماتيّة، جاعلةً من دعوات المقاومة المستمرّة شيئاً يراوح بين الخطابة الإنشائيّة والأداة الوظيفيّة لحفظ نفوذ طهران، إلى أن انقشع الوهم في الثامن من تشرين الأوّل.

البلد على طاولة قمار
صبيحة ذلك اليوم قرّر “الحزب” تنفيذاً لقرار استراتيجيّ إيرانيّ، مُغلّف بلغة التضامن مع فلسطين، فتح جبهة ثانية ضدّ إسرائيل. فعل ذلك منفرداً، من دون أن يستشير مؤسّسة لبنانيّة واحدة، ودون أن يطلب تفويضاً ديمقراطيّاً، واضعاً مصير بلد لا يحكمه، وشعب لا يمثّله، على طاولة القمار.
أمام هذا السياق للأحداث، تنهار فوراً العمارة الأخلاقيّة للسرديّة الغربيّة التي أشرنا إليها. فالبكاء الغربيّ على معاناة اللبنانيّين، من دون إدانة قاطعة لـ”الحزب”، يفقد أسس التضامن الإنسانيّ ليصير تواطؤاً فجّاً يرتدي قناع الشفقة. فـ”الحزب” هو من خلق بيده الظروف والمصائب التي يدّعي اليوم “مقاومتها”، جاعلاً من أطروحة الاحتلال والمقاومة حلقة مفرغة بائسة تفتقر لأدنى مسوّغات الموقف الأخلاقيّ. أمّا اللبنانيّون، وفي مقدَّمهم، أبناء الطائفة الشيعيّة الذين يشكّلون بيئة “الحزب” الحاضنة، فليسوا سوى وقود لحسابات صيغت في طهران، ونفّذتها ميليشيا توالي وليّاً فقيهاً عابراً للحدود.
لا تقلّ العمارة الاستراتيجيّة لهذه السرديّة زيفاً عن شقّها الأخلاقيّ. فهي تتعامل مع “الفيتو الميثاقيّ والتوافقيّ” في لبنان وكأنّه حقيقة دستوريّة محايدة، وقاعدة إجرائيّة يجب على الحكومة احترامها، على نحو يجعل من رفض “الحزب” وحركة “أمل” للمفاوضات المباشرة “قيداً شرعيّاً” يتعيّن على القادة اللبنانيّين التكيّف معه لا تحدّيه!

الفيتو مقصلة “الحزب”
لكنّ هذا الفيتو التوافقيّ ليس آليّة دستوريّة بريئة، بل هو الأداة الأقوى التي استخدمها “الحزب” لشلّ الدولة اللبنانيّة على مدى جيل كامل. وفي كلّ مرّة حاولت فيها الدولة بسط سلطتها السياديّة، على السلاح، أو السياسة الخارجيّة، أو قرار الحرب والسلم، كان هذا الفيتو يرتفع كالمقصلة فوق عنق البلاد، متدثّراً بلغة الوحدة الوطنيّة الكاذبة. كم يبدو مثيراً للشكّ والارتياب، في بعض السرديّات الغربيّة، ذلك الاستخفاف الذي تُعامَل به خطوات رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة، من محاولات بسط سيطرة الجيش في الجنوب، وحظر الأنشطة العسكريّة لـ”الحزب”، وطرد السفير الإيرانيّ، الى المطالبة باحتكار الدولة للسلاح. إذ تصنّفها هذه السرديّة كـ”استعراضات دبلوماسيّة” تهدف فقط لخطب ودّ الخارج! هذا التحليل المتغطرس يفترض، بوقاحة تامّة، أنّ القادة اللبنانيّين لا يملكون رغبة حقيقيّة أصيلة في بناء دولة ذات سيادة، وأنّ رغبتهم في العيش داخل “بلد طبيعيّ” بجيش واحد وسياسة مستقلّة هي مجرّد بضاعة مصنّعة للاستهلاك الغربيّ.
أمّا الخديعة الكبرى، فهي تصوير النفوذ الإيرانيّ ككفّة ميزان تعدّل الغطرسة الأميركيّة والإسرائيليّة. من الأمثلة على ذلك، التسليم مثلاً بأكذوبة أنّ طهران نجحت في فرض وقف إطلاق نار عجزت عنه واشنطن. إنّ مثل هذه الاستنتاجات المدفوعة في الغالب بكراهية دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، هي في واقع الأمر، إعادة إنتاج حَرْفيّة للنظام الرديء الذي أنتج الثامن من تشرين الأوّل أصلاً. التصفيق لنظام يمسك فيه المرشد بمفاتيح الحرب والسلم، بينما تتحوّل الدولة اللبنانيّة مجرّد مسرح يستعرض فيه الآخرون خصوماتهم.

عمارة فوق الرّمال
إنّ مثل هذه السرديّات الغربيّة تخشى فوضى اللحظة الراهنة، ولبنان يخشاها أيضاً. لكنّ هذه الفوضى لم تنتج عن سياسات ترامب، ولا ارتبطت فقط بخروقات إسرائيل لشروط الهدنة، بل بدأت في ذلك الصباح الذي قرّر فيه “الحزب” أنّ غزّة تستحقّ إحراق لبنان لأجلها.
ذلك الصباح له عنوان واضح وصريح، وحتّى تملك النخب الغربيّة الشجاعة الكافية لتسميته باسمه، فإنّ كلّ ما تقوله وتكتبه عن لبنان سيبقى مجرّد عمارة هندسيّة فاخرة مبنيّة فوق الرمل.

Share