تدويل نزع السّلاح؟
نديم قطيش/أساس ميديا/11 أيار/2026
يستأنف لبنان في الرابع عشر من أيّار، في واشنطن، جولة ثالثة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ويداه تكادان تخلوان من أيّ أوراق القوّة. على الطاولة، سيواجه الوفد اللبنانيّ مطالب إسرائيليّة واضحة ومحدّدة تجعل من نزع سلاح “الحزب” شرطاً أوّليّاً وبنيويّاً لأيّ تقدّم، بينما لا يملك لبنان في المقابل سوى المطلب الإنسانيّ والبديهيّ بوقف إطلاق النار ورفع غائلة المعاناة غير المسبوقة عن الجنوبيّين أوّلاً وكلّ اللبنانيّين تالياً.
ثمّة في لبنان من لا يزال يتوهّم أنّ بإمكانه الفصل التامّ بين هذين البندين، أي نزع السلاح ووقف إطلاق النار، لأنّ الربط بينهما، يمنح المحتلّ مراده ويترك لبنان مكشوفاً. يتّسم هذا الكلام بالوجاهة في “الكتب”، لكنّ الإصرار عليه في الواقع اللبنانيّ المرير، لا يعدو كونه ضرباً من ضروب الخيال. فإسرائيل لن تقدم على انسحاب جدّيّ ما لم يبدأ ويتقدّم برنامج موثوق لا رجعة فيه لنزع سلاح “الحزب”. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نواجه بها أنفسنا قبل أن يواجهنا بها العالم. أمّا التشبّث بأوهام “توازن الردع” لأنّ “الحزبّ ما يزال قادراً على إطلاق صواريخ فاقدة لأيّ أفق استراتيجيّ، فلا يمتّ لحماية الكرامة الوطنيّة بصلة، بل هو تبديد لآخر فرصة تاريخيّة قد لا تتكرّر لإنقاذ ما بقي من لبنان. وحقيقة الأمر أنّ هذا تماماً ما يعلمه “الحزب” ويراهن عليه.
وهنا تقتضي الأمانة، حيال الأصوات التي تمعن في هجاء ضعف لبنان، القول إنّ الهشاشة التي يبدو عليها الموقف اللبنانيّ اليوم ليست قدراً محتوماً، ولا هي طعنة من غدرات الزمن، بل هي النتيجة الحتميّة لسنوات من تغوّل “الحزب” على الدولة، وقراره المنفرد بالارتهان للمشروع الإيرانيّ.
آليّة تشغيليّة عربيّة – دوليّة؟
فكلّ ما حدث منذ فتح “جبهة إسناد غزّة” في الثامن من تشرين الأوّل 2023، لم يفعل شيئاً سوى تبديد الرصيد الدبلوماسيّ اللبنانيّ وتحويل البلاد إلى ساحة مستباحة، حتّى بعد أن سقطت سطوة “الحزب” على آليّات تكوين السلطة في لبنان ووصول رئيس جمهوريّة ورئيس حكومة وحكومة لا تشبه مرحلة ما قبل الحرب. هذا هو “النصر” الذي يُراد لنا الاحتفاء به وحمايته من “التنازلات”. عليه، فإنّ المخرج الوحيد المتبقّي للبلاد هو امتلاك الشجاعة الأخلاقيّة لإعادة تعريف أزمتنا. إنّ نزع السلاح هو حاجة سياديّة لبنانيّة بامتياز، وإن تقاطعت مع مطالب إسرائيليّة.
أمّا شجاعة الرئيسَين جوزف عون ونوّاف سلام في السير بين الألغام وتحت نيران القصف والضغوط الداخليّة، وبصفتها المحاولة الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فلا تكتمل إلّا حين تصارح الحكومة اللبنانيّة واشنطن والعالم بحقيقة عجز لبنان عن تفكيك ترسانة “الحزب” منفرداً.
المطلب العلمي اليوم هو تدويل آليّات نزع السلاح بما يتجاوز رمزيّة “اليونيفيل” التي استُنفدت أدوارها. يحتاج لبنان إلى آليّة تشغيليّة دوليّة تشارك فيها الولايات المتّحدة وفرنسا والمملكة السعوديّة والإمارات، لتكون الحاضن والضامن لمسار نزع السلاح، وجعل هذا الهدف حقيقة ملموسة.
الفارق هذه المرّة، إلى شكل الآليّة الدوليّة، سيكون في طبيعة السياق الذي ستعمل فيه. فنحن بإزاء ثلاثة تغييرات بنيويّة لم تتوفّر في أيّ جولة سابقة وتحضر اليوم في آنٍ واحد.
أوّلها، أنّ حجم ومستوى خروج إيران من المعادلة اللبنانيّة لم يسبق له مثيل. فالحرس الثوريّ محظور، والسفير الإيرانيّ أُعلن شخصاً غير مرغوب فيه، والغطاء الاستراتيجيّ الذي أمّن صمود “الحزب” في كلّ مواجهة سابقة لم يعد قائماً بالزخم ذاته. “الحزب” اليوم يقاتل بلا ظهير فعليّ، وهذا يُغيّر حساباته الوجوديّة قبل أن يُغيّر حساباته العسكريّة.
ثانيها، أنّ الحكومة اللبنانيّة الحاليّة هي أوّل حكومة في تاريخ لبنان تُجرّم النشاط العسكريّ لـ”الحزب” وتطالب هي ذاتها بنزع سلاحه. يُغيّر هذا التحوّل طبيعة أيّ آليّة دوليّة من قوّة خارجيّة مفروضة على الواقع اللبنانيّ إلى أداة دعم لقرار سياديّ لبنانيّ صادر عن الداخل، مع ما يعنيه ذلك من رفع لمستوى الشرعيّة السياسيّة لهذه الآليّة عمّا كانت عليه في 2006 أو في 2024.
ثالثها، أنّ الثمن السياسيّ الداخليّ الذي سيدفعه “الحزب” جرّاء أيّ مقاومة مسلّحة للتسوية أصبح أعلى بكثير ممّا كان عليه في أيّ مرحلة سابقة. بيئته الحاضنة تئنّ تحت وطأة الحرب، وقياداته التاريخيّة انتهت، وروايته الجامعة عن “المقاومة” تتآكل يوماً بعد يوم أمام صور الدمار التي خلّفها قراره المنفرد بفتح جبهة الإسناد.
قد لا تضمن هذه العوامل الثلاثة مجتمعة النجاح، لكنّها تمنح لبنان فرصة مختلفة في جوهرها عن كلّ ما سبق. وعلى هذا الأساس وحده تستحقّ آليّة التدويل أن تُطرح بجدّيّة، وأن يُدافَع عنها بثقة. وحده هذا الخطاب هو ما ينقل لبنان من وضعيّة “المستجدي” إلى وضعيّة “الدولة” الجادّة في استعادة سيادتها.
ساحة اختبار؟
صحيح أنّ لبنان جزء من لعبة التجاذب الأميركيّ الإيرانيّ، وأنّ لأيّ صفقة تداعيات قد يجد اللبنانيّون أنفسهم أمامها، بيد أنّ هذا تماماً ما يستوجب من اللبنانيّين أن لا يتركوا المجال مفتوحاً لتسوية تُكتب شروطها بعيداً عن بيروت، بل أن يهيّئوا الأرضيّة السياسيّة والدبلوماسيّة ليكون سلاح “الحزب” بنداً في مقايضة إقليميّة واسعة تضمن سلامة لبنان وتجدِّد فرصه المستقبليّة.
يحتاج لبنان للعمل على إنتاج موقف عربيّ صريح يقول إنّ نزع سلاح “الحزب” شرط لإعادة دمج لبنان في المنظومة العربيّة وضمانة لدعمه اقتصاديّاً، بحيث لا يبقى هذا الملفّ مطلباً إسرائيليّاً بل يتحوّل إلى توافق إقليميّ استراتيجيّ، يعيد الوصل بين المصلحة اللبنانيّة والمصالح العربيّة المشتركة.
أمّا على الصعيد الأميركيّ، فالمطلوب جعل لبنان الساحة التي يُختبر فيها أيّ اتّفاق بين واشنطن وطهران، بحيث يغدو نزع سلاح “الحزب” نموذجاً تطبيقيّاً حيّاً لما يعنيه تراجع النفوذ الإيرانيّ على أرض الواقع. إنّ مثل هذا الربط سيجعل من النجاح اللبنانيّ مصلحة أميركيّة مباشرة، وليس مجرّد استحقاق إنسانيّ تتبرّع به واشنطن. على بيروت أن تسبق الزمن وترسّخ وقائع سياديّة على الأرض تضمن أن لا يُغَيّب لبنان عن صياغة قدره كما حصل لمرّات كثيرة في السابق. الرابع عشر من أيّار هو اختبار لسؤال واحد: هل ثمّة دولة لبنانيّة قادرة على وضع شروط الإنقاذ بنفسها؟