في غمار معركة الهوية والذاكرة…حين يُسرق جبران خليل جبران ورفاقه من لبنان
د. بولا أبي حنا/نداء الوطن/15 أيار/2026
في زمنٍ تتعرّض فيه الهوية الوطنية في المنطقة لمحاولات التذويب وإعادة التفسير، برز في نيويورك حدث ثقافي بدا للوهلة الأولى تكريمًا لروّاد “الرابطة القلمية”، لكنه في العمق فتح بابًا واسعًا على إشكالية خطيرة تتعلّق بالهوية اللبنانية والذاكرة التاريخية. فبعد أكثر من قرن على انطلاق تلك الرابطة التي أسّست لنهضة أدبية وفكرية في المهجر، جرى تدشين نصب يحمل اسم “القلم” في الحي الذي عُرف تاريخيًا بـ “سورية الصغرى”، مع لوحة تعريفية تصف عددًا من كبار أدباء المهجر بأنهم “شعراء سوريون”.
قد يرى البعض في الأمر تفصيلا تاريخيًا مرتبطًا بالتسميات الجغرافية والإدارية التي كانت سائدة في أواخر القرن التاسع عشر، حين كان المهاجرون القادمون من “جبل لبنان” و “بلاد الشام” يُسجّلون تحت تسميات عثمانية أو سورية. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في إسقاط توصيفات تاريخية قديمة على واقع معاصر، بما يؤدي عمليًا إلى طمس الهوية الوطنية الفعلية لهؤلاء الروّاد أمام الأجيال الجديدة والرأي العام العالمي.
فحين يزور أميركي أو سائح تلك الحديقة اليوم، سيقرأ أسماء جبران خليل جبران، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، وعفيفة كرم، وغيرهم، ضمن توصيف لا يعكس هويتهم اللبنانية التي عبّروا عنها بوضوح في كتاباتهم ومواقفهم وأعمالهم الأدبية. وهنا تكمن الخطورة: ليس في التوصيف التاريخي بحد ذاته، بل في تحويله إلى حقيقة معاصرة تُقدَّم للرأي العام وكأنها ثابتة ونهائية.
فالهوية لا تُختصر بقيود الهجرة القديمة ولا بالتقسيمات الإدارية التي فرضتها الإمبراطوريات. وإلا لكان بالإمكان اعتبار جبران “تركيًا” فقط لأن وثائق الهجرة الأميركية القديمة دوّنت أنه قدم من “السلطنة العثمانية”. هذا المنطق بحد ذاته يكشف هشاشة المقاربة التي تعتمدها بعض الجهات عند التعامل مع تاريخ المشرق ورموزه الثقافية.
لقد عبّر هؤلاء الأدباء في نصوصهم ورسائلهم وأشعارهم عن انتمائهم العميق إلى لبنان، ليس بوصفه مجرد جغرافيا، بل كهوية ثقافية وروحية وحضارية. فأمين الريحاني كتب “قلب لبنان”، وميخائيل نعيمة رأى في بسكنتا وشخروبها أجمل بقاع الأرض، فيما صدح إيليا أبو ماضي: “وطن النجوم أنا هنا”، أما جبران فاختصر كل شيء بقوله: “لو لم يكن لبنان وطني لاتخذت لبنان وطنًا”. هذه ليست مجرد عبارات أدبية، بل شهادات هوية وانتماء لا يمكن القفز فوقها أو تذويبها تحت أي عنوان تاريخي ملتبس.
من هنا جاء موقف عدد من المثقفين والمؤرخين اللبنانيين، وفي مقدمتهم الدكتور عصام خليفة والشاعر هنري زغيب و “الجمعية اللبنانية للتاريخ”، للتحذير من خطورة التساهل في مثل هذه المسائل، والدعوة إلى تحرك ثقافي ورسمي لتصحيح هذا الخلل، ليس بدافع التعصب أو الانغلاق، بل دفاعًا عن الحقيقة التاريخية وعن حق لبنان في الحفاظ على إرثه الثقافي ورموزه الفكرية.
القضية اليوم تتجاوز لوحة تعريفية في حديقة عامة. إنها ترتبط بسؤال أكبر: كيف يُكتب تاريخ الشعوب؟ ومن يملك حق تعريف هويتها الثقافية؟ وهل يُسمح بأن تتحوّل التسميات المرحلية التي فرضتها ظروف سياسية قديمة إلى أداة لمحو الهويات الوطنية القائمة؟
إنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس فقط الاحتلال أو الانهيار الاقتصادي، بل فقدان ذاكرتها الجماعية وتشويه روايتها التاريخية. فالأمم التي تُسلب منها رموزها، تُسلب منها تدريجيًا قدرتها على الدفاع عن ذاتها وعن دورها الحضاري. لذلك، فإنّ المطلوب اليوم ليس مجرد اعتراض إعلامي عابر، بل إطلاق مسار أكاديمي وثقافي ودبلوماسي جدّي لتوثيق الإرث اللبناني في العالم، وتثبيت هوية أعلامه الفكرية والأدبية في المؤسسات الثقافية الدولية، حتى لا يصبح التاريخ عرضة لإعادة الصياغة وفق أهواء سياسية أو قراءات انتقائية.
فلبنان، رغم كل ما يمرّ به، لم يكن يومًا تفصيلا عابرًا في تاريخ المنطقة، بل مساحة صنعت فكرًا وأدبًا وحضارة تركت أثرها في العالم العربي والاغتراب معًا. ومن هنا، فإنّ الدفاع عن هوية جبران والريحاني ونعيمة وأبي ماضي ليس دفاعًا عن أسماء فقط، بل عن ذاكرة وطن كامل، وعن حق شعب في ألّا يُمحى من التاريخ.
**أستاذة جامعية