web analytics
Home بيانات سيادية/Patriotic Releases العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا: من الأخطاء إلى المبادرة: تحدٍّ كبير...

العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا: من الأخطاء إلى المبادرة: تحدٍّ كبير أمام الحكم

20

من الأخطاء إلى المبادرة: تحدٍّ كبير أمام الحكم
العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/نداء الوطن/06 أيار/2026
هناك الكثير في ما قاله الوزير جو عيسى الخوري على الـ MTV يومي الخميس 23 و 30 نيسان، ضمن برنامج “صار الوقت”. وقد جاء كلامه واضحًا، شفافًا وجريئًا، بحيث لا يجوز أن يمرّ مرور الكرام. فهو ليس تفصيلا عابرًا في سياق سياسي يغلب عليه الغموض، بل محطة مفصلية تستوجب التوقف عندها، واستخلاص دلالاتها، والبناء عليها كنقطة انطلاق لنقاش وطنيّ جدّي.
إن إنقاذ لبنان لا يمكن أن يتحقق عبر “ترقيعات” ظرفية، على غرار ما يُطرح من إعادة تسويق لاتفاق الطائف أو الحديث عن “طائف 2″، بل يمرّ بإعادة تأسيس النظام على قاعدة اتحادية تمكّن كلّ مكوّن من إدارة شؤونه ضمن إطار دولة واحدة. وما صدر عن الوزير ينبغي أن يُفهم كفرصة سياسية حقيقية للمبادرة والتغيير، لا كمجرّد تصريح عابر.
أوّل ما يلفت في هذا الموقف هو حسّ المسؤولية الذي عبّر عنه جو عيسى الخوري. فللمرّة الأولى في تاريخنا الحديث، يقف مسؤول حكوميّ ليقول بوضوح: لقد اِرتُكِبَت أخطاء. هذا الاعتراف ليس أمرًا بسيطًا في الحياة السياسية اللبنانية، بل هو مؤشر على نضج في الفكر السياسي، إذ إن الإقرار بالخطأ يشكّل الخطوة الأولى نحو تصحيح المسار.
وقد تجلّت هذه المصارحة في تسمية الأخطاء بشكل مباشر. ففي حلقة 23 نيسان، أشار الوزير إلى ثلاث نقاط أساسية: إعطاء فرصة لحوار مع “حزب اللّه”، التأخر في قرار طرد عناصر مرتبطة بالحرس الثوري من لبنان، والتركيز على جنوب الليطاني على حساب إهمال الوضع الداخليّ. هذا الوضوح يمثل تحوّلا نوعيًا في الخطاب السياسي، إذ ينقل النقاش من التلميح إلى المصارحة، ومن الغموض إلى تحديد مكامن الخلل، ومن الارتباك إلى مقاربة قائمة على النتائج والسعي إلى التغيير.
ومن الجدير ذكره أن الوزير كان من بين قلّة من الوزراء الذين دفعوا، في بداية العهد، نحو اتخاذ قرار يقضي بتسليم سلاح “حزب اللّه” ضمن مهلة لا تتجاوز ستة أشهر، ما يعكس انسجامًا بين مواقفه المعلنة ونهجه في تحمّل المسؤولية.
لقد سلّط هذا الكلام الضوء على جوهر المشكلة. فالأخطاء المطروحة ليست من النوع الذي يمكن معالجته بإجراءات تقنية بسيطة. نحن لا نتحدّث عن خلل في منتج صناعي يمكن سحبه من السوق، أو عن برنامج معلوماتيّ يحتاج إلى تحديث، بل عن أخطاء أدّت إلى نتائج كارثية: حروب، نزوح داخلي واسع، خسائر بشرية، دمار، وانهيار اقتصادي ومؤسساتي، مع تداعيات طويلة الأمد طالت البنية الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية والسياسية لمختلف المكوّنات.
من هنا، لا يمكن التعامل مع هذه النتائج كحوادث منفصلة، بل يجب فهمها كأعراض لفشل بنيوي عميق في الدولة ونظامها المركزي. وهذا ما يقود إلى أسئلة أساسية: هل تعلّمت الحكومة من هذه الأخطاء؟ وهل هناك إرادة فعلية لتغيير المسار؟ وهل يمكن أصلا لنظام مركزيّ أن يدير مجتمعًا متعدّدًا ومعقدًا كلبنان؟
لقد أثبتت التجربة أن الجواب هو لا. فتركيز السلطة في المركز، في ظلّ تناقضات حادّة بين المكوّنات، يؤدّي إمّا إلى شلل كامل، كما حصل في الأخطاء التي أشار إليها الوزير، أو إلى هيمنة طرف على حساب الآخرين. وفي الحالتين، تكون النتيجة فقدان الاستقرار.
في ضوء ذلك، وكما شدّد الوزير، تبرز الفيدرالية كخيار واقعيّ وعملي. فهي تقوم على إعادة توزيع السلطة بما يتيح لكلّ مكوّن إدارة شؤونه في مجالات الأمن والحوكمة والخدمات والتنمية والتشريع، ضمن إطار دولة واحدة. كما تعزز الكفاءة والشفافية والمحاسبة، وتوفّر أدوات لحماية ملكية الأرض، والحفاظ على التوازن الديموغرافي، وصون الخصوصيات الثقافية، وضمان الدور السياسي لكلّ مكوّن.
وفي هذا السياق، تقع مسؤولية تاريخية على عاتق رئاسة الجمهورية والحكومة والقيادات السياسية. فالمطلوب اليوم هو أخذ العِبر من هذه التجارب، وعدم الوقوع في فخ “ترقيع” النظام، أو إعادة إنتاج وتكرار تجربة الطائف، أو طرح “طائف جديد” كحلّ شكليّ. إذ لم يعد اتفاق الطائف، ولا النظام المركزي القائم، قادرَين على معالجة الأزمة البنيوية، بل أصبحا، في ممارستهما، إطارًا لتأجيل الحلول بدل ابتكارها وتحقيقها.
لقد شكّل كلام الوزير لحظة مهمّة في الحياة السياسية، لكن يبقى السؤال: هل سنتعلّم من تجاربنا السابقة ونفتح نقاشًا وطنيًا جديًا حول خيار إنقاذي كالفدرالية؟

 

Share