التّغيير المطلوب في إيران
نديم قطيش/اساس ميديا/04 أيار/2026
يمتدّ سجلّ المفاوضات بين الغرب والجمهوريّة الإسلاميّة في إيران لأكثر من أربعة عقود، مرّت عبر ثلاث عشرة إدارة أميركيّة وستّة أطر تفاوضيّة أوروبيّة. طوال هذه الحقبة، ظلّ النمط ثابتاً: ينتج التفاوض الناجح اتّفاقاً، يوفّر هدوءاً سطحيّاً، فيمنح إيران مساراً للتوسّع الثوريّ التالي. هذا النمط هو الحصيلة الموضوعيّة للانفصام البنيويّ بين ظنّ الدبلوماسيّة الغربيّة أنّها تتفاوض مع دولة طبيعيّة ذات مصالح محدّدة، وبين حقيقة أنّ النظام الإيرانيّ مشروع إلهيّ غيبيّ عابر للحدود. من غير الجائز القفز فوق ما يقوله النظام الإيرانيّ عن نفسه، لجهة أنّه دعوى ميتافيزيقيّة ودستوريّة، تحت نظريّة ولاية الفقيه، التي تجعل من المرشد نائباً للإمام الغائب، يحكم وفق عقيدة “التفويض الإلهيّ المقدّس”.
ليست السياسة الخارجيّة الإيرانيّة سوى صدى للعقيدة، حيث تتحوّل المفاهيم العقلانيّة للسياسة والحكم، أي حسابات الربح والخسارة، إلى مفاهيم غيبيّة، يصبح “الاستشهاد” والدمار والتهجير و”الابتلاء” بموجبها استثماراً وليس تكلفة بشريّة. وتتحوّل “التقيّة” من سلوك دينيّ اضطراريّ إلى سياسة لإدارة الدولة والعلاقات الخارجيّة عبر الخداع الممنهج الذي يُفقد الديبلوماسيّة معناها الحقيقيّ. وتتحوّل نظريّة تصدير الثورة من التزام فقهيّ إلى إطار عمليّ ناظم لعلاقات إيران الدوليّة، على نحو يجعل من رعاية الميليشيات تكليفاً إلهيّاً ملزماً دستوريّاً.
تضع هذه الهويّة الغيبيّة للنظام حدّاً لأفق أيّ تسوية، لأنّ التنازل مثلاً عن رسالة “تصدير الثورة”، وبالتالي إسقاط رعاية الميليشيات والذهاب بعيداً في خفض مستوى التسلّح وصولاً إلى التخلّي عن الردع النوويّ، ليست مجرّد قرارات سياسيّة، بل هي بمثابة تهاون إزاء المهمّة الإلهيّة للنظام، واعتراف بتحوّله إلى سلطة بشريّة قابلة للتفاهم على حلول بشريّة أرضيّة.
كسر النّمط التّوسّعيّ
وعليه حوَّل النظام كلّ اتّفاق أو تسوية (من اتفاقيّة الجزائر 1981 إلى الاتّفاق النوويّ 2015) إلى محطّة تمهيد تتيح له توسعة المشروع الثوريّ. وهذا النمط هو تماماً ما تسعى إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى كسره.
الستّون يوماً الماضية لم تكن مجرّد جولة عسكريّة، بل كانت زلزالاً ضرب الركائز الثلاث التي قام عليها المشروع الإيرانيّ:
1- تهاوي الوكلاء، الذين وفّر “الاتّفاق النوويّ – 2015” لإيران فرصة تحشيدهم ودعمهم ليكونوا طوق نار، فإذ بهم يتفكّكون أمام الضربات النوعيّة.
2- انكشاف الغموض النوويّ الذي ظلّ بوليصة تأمين نهائيّة، ليتّضح أنّ القدرة على حمايته أو تفعيله باتت تحت رحمة الاختراق الميدانيّ الأميركيّ والإسرائيليّ.
3- اندثار الشرعيّة الإقليميّة مع سقوط الخطاب العسكريّ الراديكاليّ أمام حقائق الهزيمة المشهودة في الميدان الإيرانيّ نفسه.
في هذا السياق، يأتي البيان المنسوب للمرشد الجديد مجتبى خامنئي في الثلاثين من نيسان، ليؤكّد عمق المأزق. يصف البيان الواقع بـ”الهزيمة المخزية لأمريكا” في وقت غرق فيه الأسطول الإيرانيّ وتهاوت قيادات الحرس الثوري وقُتل المرشد وحلّ بإيران ما حلّ بها. يكشف هذا التناقض الصارخ عجزاً بنيويّاً عن التمييز بين الوهم والحقيقة، أكثر من كونه دعاية سياسيّة يعرف أصحابها أنّهم يكذبون.
وعليه، فإنّ النظام الذي فقد القدرة على تقدير موازين القوى بموضوعيّة محكوم بدخول مرحلة “العشوائيّة الاستراتيجيّة”، على ما أظهرت الاعتداءات الإيرانيّة على دول الخليج والتي طالت حتّى عُمان وقطر.
إيران ما بعد الحرب تفتقر إلى مشروع إقليميّ بديل، وغياب المشروع لدى عقل ثوريّ مهزوم لا يفضي إلى الانسحاب، بل إلى “التصعيد الغريزيّ” لاستعادة التماسك الداخليّ المنهار، والهيبة الخارجيّة المهدورة.
بينما يحاول البيان المنسوب إلى المرشد الإيرانيّ التلويح بـ”قواعد جديدة” في مضيق هرمز تحت غطاء المصير المشترك، تبدو العواصم الخليجيّة في ضفّة أخرى تماماً. فالعلاقة الخليجيّة-الأميركيّة تجاوزت المفهوم التقليديّ للأمن لتصبح “عقداً حضاريّاً” متّصلاً بالذكاء الاصطناعيّ، والتكنولوجيا، والأسواق العالميّة.
تغيير الموقع والدّور
وعليه، لا يبحث الخليج اليوم عن تسويات “سلوكيّة” مع نظام مأزوم، بل يتطلّع إلى إحداث تغيير جذريّ في موقع ودور وإمكانات إيران، نتيجةً لهذه الحرب، بالتوازي مع مضيّ دوله في بناء واقع اقتصاديّ يتجاوز حقبة الابتزاز الجيوسياسيّ الذي مارسته إيران. من هنا ثمّة خشية حقيقيّة من أن لا تفضي “إيران الضعيفة” إلى منطقة مستقرّة، بل إلى دولة مهزومة تسكنها أوهام العظمة وتحرّكها نرجسيّة جريحة ستكون أكثر خطراً على أمن واستقرار الإقليم. فليس أيّ ضعف لإيران يساوي الآخر في أثره الاستراتيجيّ البعيد المدى. الإضعاف الحقيقيّ الوحيد والمفيد هو أن يُغلَق سجلّ “تغيير السلوك” كمقاربة تجاه إيران سبق وأن منحتها أربعين عاماً من الفرص للتوسّع الثوريّ. البديل المستقرّ هو التسوية البنيويّة، التي تعيد تشكيل إيران على النحو الذي يفصل أوهام التفويض الإلهيّ عن أدوات الدولة، ويُحَلّ الحرس الثوريّ بوصفه النواة الصلبة للمشروع العابر للحدود.
أيّ اتّفاق لا يلمس هذه البنية ليس إلّا تأجيلاً لانفجار أوسع.