الفدرالية الآن
العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا
نداء الوطن/16 نيسان/2026
يواجه لبنان اليوم أزمةً بنيوية عميقة تضرب قدرة نظامه على الاستمرار بصيغته المركزية. ومع تراكم الانقسامات، وتعاظم الهواجس بين مكوّناته، وتكرار فشل مؤسسات الحكم، لم يعد الخلل ظرفيًا أو قابلًا للمعالجة “بالترقيع”، بل تحوّل إلى مأزق وجودي. وإذ تتقاطع هذه الأزمة مع ما قد تؤول إليه المفاوضات، سواء انتهت إلى فشل أو نجاح، وفي ظلّ توجّهات محور “إيران – حزب الله – أمل” داخل لبنان، يبدو النظام وكأنه شارف على الانهيار.
في هذا المشهد، تطرح الفدرالية نفسها كخيار يتجاوز الحلول الموقتة، ويقدّم إطارًا بديلًا لمعالجة الاختلالات المزمنة. غير أن هذا الطرح لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي الذي يعيد رسم موازين القوى.
شكليًا، تُجرى مفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، مع إصرار على فصلها عن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. لكن هذا الفصل أقرب إلى الوهم. فجوهر التطورات مرتبط بما يجري بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يمكن لأي تفاهم أو تعثر أن يحدّد اتجاه المنطقة برمّتها. وفي حال نجاح تلك المفاوضات، قد يسعى المحور إلى فرض رؤيته لشكل النظام في لبنان. أمّا إذا فشلت، فإن احتمال العودة إلى المواجهة العسكرية يبقى قائمًا، بكل ما يحمله من تداعيات غير محسوبة.
المعضلة الحقيقية تظهر في سيناريو أكثر تعقيدًا: ماذا لو جُمّدت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، فيما يستمر المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل في واشنطن؟ وماذا لو استمر هذا الجمود من دون انهيار وقف إطلاق النار الموقت؟ في هذه الحالة، يجد لبنان نفسه أمام مسار قد يتقدّم بمعزل عن تسوية إقليمية شاملة، ما يفرض عليه التعامل مع نتائج جزئية تفتقر إلى الضمانات السياسية اللازمة لاستدامتها.
في جميع السيناريوات، يبقى سلاح “حزب الله – حركة أمل” ودور إيران في لبنان العقدة الأكبر. فهذا الملف لا يمكن فصله عن التوازنات الداخلية ولا عن التفاهمات الإقليمية الكبرى. لكن السؤال الجوهري يظلّ قائمًا: من يحدّد الإطار النهائي لمعالجة هذا السلاح وهذا الدور؟ ومن يضمن التنفيذ في ظلّ دولة تعاني أصلًا من هشاشة القرار المركزي؟
داخليًا، تكمن الأزمة في غياب رؤية استراتيجية لدى الدولة والقوى السياسية على حدّ سواء. لا خطة سياسية واضحة، ولا مقاربة أمنية متماسكة، ولا قدرة على توحيد اللبنانيين حول مشروع وطني جامع. وقد أدّت التحولات الإقليمية خلال العقود الماضية إلى تعميق الانقسام الداخلي، وإضعاف فكرة الدولة لصالح سرديات متناقضة تعكس الانقسام بدل أن تعالجه.
هكذا، تحوّل نموذج النظام المركزي في لبنان من “إدارة التنوّع” إلى إدارة أزماتٍ دائمة. فبدل أن يكون التنوّع مصدرَ قوّة، أصبح عاملَ شللٍ سياسيّ ومؤسساتيّ، مع عجزٍ مستمرّ عن إنتاج سلطةٍ موحّدة أو عقدٍ اجتماعيّ فعّال.
أميركيًا، لا يبدو لبنان أولوية بحدّ ذاته، بل جزءًا من مشهدٍ أوسع. تركّز الولايات المتحدة على ملفات استراتيجية كبرى، مثل أمن الممرات الحيوية كمضيق هرمز وباب المندب، والاقتصاد العالمي، والبرنامج النووي الإيراني، وتوازنات الطاقة، واحتواء نفوذ الصين وروسيا. وفي هذا الإطار، قد لا يكون تقليص دور وكلاء إيران بندًا حاسمًا بالنسبة للولايات المتحدة.
في المقابل، تتمسّك إيران بشبكة نفوذها الإقليمي باعتبارها عنصرًا أساسيًا في استراتيجيتها. وفي الحالة اللبنانية، يتجاوز هذا النفوذ السياسة التقليدية ليأخذ بُعدًا عقائديًا، ما يزيد من تعقيد أي تسوية محتملة.
أمّا إسرائيل، فتنظر إلى لبنان من زاوية أمنية صِرفة. وجود قوة عسكرية معادية على حدودها الشمالية ليس واقعًا يمكن التعايش معه طويلًا. وبين الشكوك في قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها، وحدود ما يمكن أن تقبله، وتقلّب مستوى الضغوط الأميركية تبعًا لمسار التفاوض أو المواجهة مع إيران، إضافة إلى اعتبارات البقاء السياسي لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، يبقى الخيار العسكري حاضرًا كاحتمال دائم.
وعليه، قد ترفض إسرائيل الرهان على دولة تعتبرها ضعيفة، أو القبول بترتيبات أمنية لا تضمن مصالحها، ما يجعل التصعيد خيارًا مطروحًا في لحظات مفصلية.
أمام هذا الواقع، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تملك الدولة اللبنانية أصلًا القدرة على التحوّل إلى دولة تحتكر السلاح وتفرض سيادتها على كامل أراضيها؟ أم أن الانقسام البنيوي يجعل أي قرار وطني جامع شبه مستحيل؟
في ظل هذا التعقيد تبرز الفدرالية كخيار بنيوي واقعي. تنطلق الدعوة إلى الفدرالية من إدراكٍ عميق بأن الصيغة المركزية القائمة لم تعد قادرة على الصمود في وجه الضغوط الداخلية والخارجية، وأنها قد تشكّل الإطار الأنسب الذي يتيح لكل من المكوّنات الأربعة في لبنان معالجة هواجسها الأساسية المرتبطة بملفات ملكية الأرض، والتوازن الديموغرافي، والثقافة، والدور السياسي. ومن هذا المنظور، تُقدَّم الفدرالية كمسار يهدف إلى تعزيز الاستقرار، وترسيخ السيادة، وتوفير شروط العيش المشترك المستدام. وهي تتيح في الوقت نفسه إعادة صياغة جذرية لعقد اجتماعي جديد، بحيث يتمكّن كل مكوّن من إدارة شؤونه ضمن إطار دولة موحّدة، مع تحديد واضح للصلاحيات في التشريع والقضاء والحوكمة، إلى جانب آليات توازن تمنع احتكار السلطة أو انفجار الصراعات، سواء داخل كل مكوّن أو بين المكوّنات الأربعة. وينظم هذا التصوّر الشأن الأمني أيضًا من خلال إنشاء حرس وطني داخل كل مكوّن، إضافة إلى جيشٍ فدرالي يتولى حماية الحدود.
في الخلاصة، نقف اليوم أمام خيارين: إما الاستمرار في انتظار نتائج مفاوضات ستُفرض علينا لاحقًا ضمن نفوذ المحور، في ظلّ الواقعية السياسية الأميركية والخَيَارات الإسرائيلية المحدودة، أو الانتقال بجدّية إلى فتح نقاشٍ وطني حول الفدرالية بوصفها خيارًا إنقاذيًا وضرورة تفرضها الوقائع المتراكمة والأزمات البنيوية التي لم تعد الصيغة الحالية قادرة على احتوائها.
**العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا/الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ