
نبيه بري: عقود من النهب والخيانة والتدمير…الوجه الآخر لحزب الله
شبل الزغبي/22 نيسان/2026
حين يُسمعك أحدهم أن نبيه بري في خلاف مع حزب الله، فاعلم أنك أمام مسرحية يتقن أبطالها فنّ الإيهام، ولا تنطلي إلا على الساذجين. فالرجل الذي أمضى عقوداً يتقلّب بين أحضان المحتلين واحداً بعد واحد، لا يختلف مع حلفائه، بل يُعيد توزيع الأدوار فحسب. لنعد إلى السجل، لا إلى الكلام. عام ١٩٨٤، حين وقفت الدولة اللبنانية على أعتاب اتفاق ١٧ أيار مع إسرائيل، اتفاق، ربما أنقذ ما تبقّى من السيادة الوطنية، كان بري يقود انتفاضة ٦ شباط مع وليد جنبلاط وذيول اليسار المدمِّر لإسقاط ذلك الاتفاق. لم يكن دفاعاً عن لبنان، بل كان تنفيذاً لأجندات حافظ الأسد اللذي كان يمسك بخيوط هذه الدمى. أسقطوا الاتفاق، وأبقوا لبنان رهينة في أيدي من يدفعون الأجر. من عرفات إلى الأسد إلى طهران، لم تتبدّل قناعات بري يوماً، بل تبدّل المموّل فحسب. اليوم يجلس “متخفياً” في عباءة الولي الفارسي بكل ارتياح، وما حزب الله في مدّه وجزره السياسي إلا وجه آخر لمنظومة واحدة يؤدّي فيها بري دور الواجهة النيابية للمشروع ذاته. وكلّما ضاقت الزاوية على “المقاومة” في لحظة فاصلة، كان بري هو المخرج والسلّم الخلفي. أما الاقتصاد والقضاء فحدّث ولا حرج. ثلاثة عقود من رئاسة مجلس النواب حوّلها إلى إقطاعية خاصة، يُوزّع فيها المناصب والوظائف بمعيار الولاء لا الكفاءة، فنهش أتباعه مفاصل الدولة من الداخل، وحوّلوا مؤسساتها إلى ماكينة نهب وفساد منهجية. ما يتهاوى اليوم من اقتصاد ومصارف ولقمة عيش هو ثمرة عقود من هذه السياسة التي صاغها بري وشركاؤه بيد من حديد. ولا يكفي ذلك، بل يُضاف إليه سلوك غير مسبوق في تعطيل الحياة البرلمانية. يُقفل مجلس النواب لأتفه الذرائع حين لا يخدمه الانعقاد، ويفتحه من ساعات الفجر حين يُمرَّر ما يصبّ في خانة مصالحه. رئيس مجلس النواب نهاراً، وزعيم عصابة يحكم حصصه ومناطق نفوذه ليلاً. عقود من التشبّث بالسلطة لم تُنتج وطناً، بل أنتجت خراباً موثّقاً. الرجل ليس ظاهرة سياسية، بل هو وصمة عار في جبين الدولة اللبنانية، ليس زعيماً أخطأ في الحكم، بل هو مشروع تدمير ممنهج للدولة وللمؤسسات، نجح للأسف في مهمته. إنه رأس منظومة الفساد التي أكلت لبنان من الداخل، بينما يُصوَّر للبعض على أنه رجل دولة. التاريخ لا يكذب، والسجل مفتوح لكل من يريد أن يقرأ.
الرئيس جوزيف عون بين وعده الداخلي وتعهداته الدولية…خطابات رنّانة…وسيادة حبرٌ على ورق
شبل الزغبي/21 نيسان/2026
مرةً جديدة يرفع رئيس الجمهورية سقف خطابه عالياً حين تعهّد بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني وتجريد الميليشيات من أدواتها القاتلة. لكن هذا الوعد لم يُطلَق من فراغ، بل جاء هذه المرة في سياق اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية بين لبنان وإسرائيل. وهذا يعني أن الكلام الرئاسي لم يعد شأناً داخلياً يحتمل المراوغة والتأجيل، بل تحوّل إلى تعهّد دولي موثّق أمام راعٍ لدولة عظمى لا تقبل نصف الكلام ولا تغفر في حسابها الزلّات. الرئيس إذن، يقف اليوم عند مفترق مزدوج الضغط: داخلياً، شعب يعرف تاريخ الوعود المكسورة ويرفض تكرارها. وخارجياً، واشنطن التي ضمنت هذا الاتفاق، لن تقبل أن تتحوّل بنوده حبر على ورق. والفارق هذه المرة جوهري: فما كان يمكن التملّص منه في الماضي بحجة الظروف الداخلية وتعقيدات التوازنات، بات اليوم مُقيّداً بضمانات دولية تجعل أي تراجع إحراجاً سيادياً قبل أن يكون إخفاقاً سياسياً. وهنا يبرز السؤال الذي لا مفرّ من مواجهته: ماذا لو رفض حزب الله تسليم سلاحه؟ “ومن المتوقع أن يرفض” الجواب الواضح أن الرئيس سيجد نفسه أمام أزمة من ثلاثة أوجه في آنٍ واحد. أولها إحراج أمام الداخل اللبناني الذي منحه ثقته. وثانيها إحراج أمام واشنطن الراعية للاتفاق التي ستتساءل بحق: هل كانت ضمانات لبنان جدية أم مجرد تكتيك للخروج من الضائقة العسكرية؟ وثالثها إحراج أمام إسرائيل الطرف الآخر في الاتفاق، التي ستعدّ أي تقاعس لبناني مسوّغاً لإعادة النظر في التزاماتها. والأخطر من كل ذلك أن حزب الله يُدرك هذا البُعد الدولي جيداً، وقد يُوظّفه بذكاء ليُظهر أن الدولة اللبنانية عاجزة عن إلزامه، مُحوّلاً رفضه إلى ورقة ضغط داخلية وخارجية في الوقت عينه. فكلما طال التردد الرسمي، كلما تعمّقت قناعة المجتمع الدولي بأن لبنان الرسمي لا يملك قراره. الرئيس لا يواجه اليوم خصماً داخلياً فحسب. هو يواجه امتحاناً سيادياً أمام العالم. والاتفاق الذي رعته واشنطن ليس وثيقة دبلوماسية تُحفظ في الأدراج، بل عقد التزامات حيّة تترتب عليه تبعات. فإما أن يُثبت الرئيس أن الدولة اللبنانية قادرة على تنفيذ ما تعهّدت به، وإما أن يُقرّ للعالم بما يعرفه الجميع: أن دولة تعجز عن فرض سيادتها على أراضيها لا تستحق أن تُسمّى دولة. الضغط الخارجي هذه المرة ليس “مساعداً” للرئيس، بل هو اختبار وجودي للدولة بأسرها، لقد دقت ساعة الحقيقة.