من أرشيف عام 2010/الكولونيل شربل بركات: الذكرى العاشرة للانسحاب الإسرائيلي من الجنوب

51

من أرشيف عام 2010/الذكرى العاشرة للانسحاب الإسرائيلي من الجنوب
بقلم/الكولونيل شربل بركات
10 أيار/2010

إن انسحاب أي جيش غريب عن أرض الوطن يجب أن يكون سببا للفرح والابتهاج حتى ولو كان هذا الجيش صديق أو حليف لأن انسحابه هو دليل على انتفاء سبب وجوده وبالتالي مزيدا من الاستقرار. ولكن لم يكن الانسحاب الإسرائيلي بالنسبة لأهلنا في جنوب لبنان كذلك لا بل كان بداية لمأساة جديدة أضيفت إلى مآسي الوطن فلماذا هذه الشعور؟ وهل بقي بعد كل هذه المدة؟ ولماذا قرر قسم كبير من أهلنا عندها مغادرة الأرض التي أحبوا؟ وهل هم فعلا لحقوا بالجيش المنسحب؟

لن ندخل في كثير من التحليل ولكننا سوف نلخص الأسباب الحقيقية التي دعت الجنوبيين إلى الانتقال عبر الحدود:

السبب الأول هو أن لبنان كان لا يزال يرزح تحت احتلال فعلي من قبل الجيش السوري وكان القرار السياسي بيد هذا الجيش.

السبب الثاني هو أن قسم كبير من الشعب اللبناني كان يعيش تحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني بكل ثقله من النواحي الثقافية والاقتصادية والأمنية.

السبب الثالث هو أن قوات الأمم المتحدة لم تقم بواجبها في طمأنة المواطنين ولا هي أظهرت عن اهتمام بنتائج الانسحاب ولم تفاوض السكان بغياب الدولة أو تسأل رأيهم.

من هنا وبعد أن توجه الأمين العام لحزب الله إلى الجنوبيين بالتهديد بدخول مخادعهم وحاول تنفيذ ذلك في ليل الأربعاء- الخميس 18-19 أيار 2000 باحتلال أحد مواقع الجنوبي في جسر الحمرا حيث كان الجنوبيون له بالمرصاد وكبدوه خسائر فادحة، وجد هؤلاء أنفسهم أمام أحد خيارين:

اتخاذ قرار المواجهة ما يعني العودة إلى ما قبل 1978.
الرضوخ لحزب الله وتسليم أسلحتهم والقبول بسلطته.

ففضلوا ترك المنطقة والأرض التي أحبوا والانسحاب بدون قتال.

نتيجة ذلك كان تعاظم الإرهاب عالميا وليس في الشرق الأوسط فقط وتراجع الخط السلمي ليحل محله خط العنف. ما أدى إلى هجمات 11 أيلول 2001 وما تبعها من تعديات في كل أوروبا والعالم.

كانت ردة الفعل العالمية المباشرة حملة على الإرهاب وصلت إلى العراق وأفغانستان. ولكن المجتمع الدولي حاول بعدها تصحيح الخطأ الذي ارتكب في لبنان فكان القرار الدولي 1559 الذي عالج ثلاثة نقاط وهي:
الاحتلال السوري ففرض على سوريا الانسحاب من لبنان.
السلاح الإرهابي وعلى رأسه سلاح حزب الله.
حماية النظام الديمقراطي وذلك بضرورة إجراء انتخابات حرة بدون تدخل سوري.

هذا القرار أعطى اللبنانيين الحافز للتحرك فقامت ثورة الأرز ونزل المواطنون إلى الشارع وفرضوا خروج الجيش السوري ولكنهم لم يكملوا المشوار فقام حزب الله بالهروب إلى الأمام وأفتعل حربا ضد إسرائيل في 2006 ولما لم يتحل الحكم يومها ببعد النظر الكافي لإنهاء حالة حزب الله الشاذة قام هذا بمحاصرة الحكومة ومن ثم بادعاء النصر ثم بالهجوم على بيروت والجبل في 7 أيار وفرض معادلة جديدة لإجهاض مفاعيل ثورة الأرز والالتفاف على القرار الدولي 1559.

اليوم ظهر جليا لماذا لم تقبل أيران بتسليم سلاح حزب الله؛ لأن النظام الإيراني يسعى لتوسيع هيمنته على الشرق الأوسط برمته وهو قد أنشأ قواعد له حول باب المندب في أيريتريا واليمن وحرك خطر الحوثيين على حدود السعودية وهو يدعم عدم الاستقرار في العراق وينشئ الخلايا بين الشيعة في دول الخليج ويحاول إلهاء مصر بموضوع مياه النيل وتقاسمها مع دول أفريقية بينما يسعى من جهة أخرى للدخول بالنادي النووي ليفرض سيطرته على ثروات الشرق الأوسط ويستفرد بالحل والربط. ويعد حزب الله مصدره الأساسي بالرجال خاصة الناطقين بالعربية والمعبئين أيديولوجيا والمستعدين للتوجه إلى أي مكان في العالم لتنفيذ خططه وهو يدغدغ مشاعر وعواطف الإسلاميين بمحاربة إسرائيل بواسطة حماس من جهة وحزب الله من جهة أخرى.

إذا الوضع اليوم وبعد عشر سنوات على خروج الإسرائيليين من لبنان أسوأ منه يومها فالخطر الإيراني على إسرائيل تزايد ولبنان لم يستقر بعد بالرغم من القرارات الدولية والتجارب المرة والتضحيات الكبرى وبالرغم من اللاعبين الجدد على ساحته. لا بل إننا في مرحلة مماثلة لعشية حرب 1982 من جهة التوتر وعدم الاستقرار وغياب الرأي اللبناني بشأن ما يحدث على ساحته، فقرار الحرب والسلم عاد بيد سوريا وإيران والسلاح يسرح في كافة أرجاء البلاد بدون حسيب أو رقيب.

من هنا نهيب بالمسؤولين اللبنانيين التروي وعدم الانزلاق إلى ما يخطط له في محور الشر وعدم الانجرار وراء نزوات التخريب فلبنان يجب أن يكون عنصر استقرار في المنطقة لا عنصر استفزاز وقد تحمل شعبه أعباء كثيرة حتى الآن وأن من لا يتعلم من عبر الماضي لا يمكنه أن يصنع المستقبل.

وإلى جماهير ثورة الأرز نتوجه بالتشديد على إيمانهم بلبنان السيد الحر المستقل والذي لا يقبل بأن يكون المعتدي مهما كانت الظروف وهو يؤمن بحق الجميع بالعيش بأمن واستقرار على أن يلتزم كل منهم حدوده ويحترم الآخرين ويسعى إلى إحلال السلام في هذه المنطقة العزيزة فلبنان وجد ليحمي الضعفاء لا المستكبرين.

أما أهلنا الجنوبيين في إسرائيل فإننا نحييهم تحية الأبطال ونطلب منهم الصمود على محبة الوطن وأن لبنان لن يستقر قبل عودتهم إليه رافعي الرؤوس لأنهم تحملوا ثمن محبتهم له وهم لم يهاجموا أحدا ولم يعتدوا على أحد ولكنهم حافظوا على منطقتهم وسكانها وعلى القيم التي تربوا عليها والجيرة الحسنة وحاولوا تحقيق حلم السلام يوم تخلى المسؤولون عن واجباتهم وتخفوا خلف شعارات الجبن والتبعية.

تورنتو/كندا في 19/05/10