الدكتورة رندا ماروني/الزيارة الخاطفة، بين التصنيف الإئتماني والنزوح الكبير

320

الزيارة الخاطفة، بين التصنيف الإئتماني والنزوح الكبير
الدكتورة رندا ماروني/24 حزيران/18

أتت الزيارة الخاطفة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى لبنان لتضع لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما، كلاهما مر، إما الإستمرار بالخطة التي وضعتها وزارة الخارجية لعودة النازحين ومواجهة المخاطر التي قد تترتب على لبنان نتيجة المضي قدما بتنفيذ الإجراءات ومواجهة إرادة المجتمع الدولي والمنظمات الدولية، وبالأخص المخاطر المالية منها والتصنيف الائتماني لعملته النقدية، وإما صرف النظر عن طرح معالجة جدية لموضوع النازحين إلى حين ولادة الحل السياسي في المنطقة، يرافقها إستقرار مهتز ودعم مشروط بإصلاحات وبمحاربة للفساد وبولادة سريعة للحكومة، مما دفع برئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون إلى القول، لا نريد أن نموت واللاجئون ما زالوا في لبنان.

ما قاله الرئيس عون أضاف عليه طالبا المساعدة من ميركل لدعم موقف لبنان الداعي لعودة اللاجئين السوريين التدريجية إلى المناطق الآمنة في سوريا، وشدد في الوقت ذاته إلى الفصل بين هذه العودة والحل السياسي للأزمة السورية، حل قد يتأخر التوصل إليه سنوات طويلة. ما طرحه الرئيس عون لم يلقى سوا تفهما كلاميا من قبل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لتطرح بديلا عن العودة تقديم المساعدات الانسانية لهؤلاء اللاجئين وضمان سلامتهم في أماكن قريبة لديارهم إلى حين إيجاد الحل السياسي لعودتهم الآمنة، والتعهد بتقديم الدعم للبنان من خلال ما إلتزمت به في مؤتمر سيدر.

ما هو معلن ومعروف ومبرمج في مؤتمر سيدر من إلتزمات مالية سوف تقدم الى لبنان بعد تشكيل الحكومة لا يماثله من معرفة ما تم الإتفاق عليه حول حجم التقديمات والمساعدات الإنسانية التي سوف تصرف للنازحين السوريين، فما هو حجم هذه المساعدات الإنسانية المرتقبة؟ لقد ذهب خيال البعض إلى القول بأن ألمانيا سوف تتعهد بمساعدة لبنان بسداد نصف دينه العام مقابل إبقاء السوريين النازحين في أرضه، فيما مجرد التلويح بخفض القيمة الإئتمانية للعملة اللبنانية قد يفي بالغرض.

فإذا كانت الولايات المتحدة كما يقول الكاتب الشهير فريدمان تستطيع أن تدمر أي دولة من خلال قصفها بالقنابل وتسويتها بالأرض، فإن مؤسسات التصنيف الإئتماني العالمية تستطيع أن تدمر أي دولة من خلال خفض تصنيفات سنداتها.فالتصنيف الإئتماني عبارة عن درجة تظهر حكم وكالات التصنيف العالمية على مدى قدرة دولة أو مؤسسة على تسديد ديونها والتصنيف الائتماني الضعيف يعني إحتمال عدم قدرة المدين على الوفاء بإلتزاماته المالية الأقساط منها وفوائد الديون، بينما التصنيف المرتفع من وكالات التصنيف العالمية يعني إستبعاد هذا الاحتمال.

والتصنيف الائتماني المرتفع يسهل لأي دولة الحصول على تمويل أو قروض سواء من الأسواق الداخلية أو الخارجية، ويوجد العديد من وكالات التصنيف الائتماني حول العالم، إلا أن هناك ثلاث شركات كبرى وهي شركات أميركية المنشأ تسيطر على ما يقارب 90 % من سوق إصدارات الديون في العالم وهي ستاندرد آند بورز، وموديز، وفيتش.

وتستعمل وكالات التصنيف رموزا لوصف الجدارة الإئتمانية تبدأ من AAA كأعلى تصنيف إئتماني، نزولا إلى التصنيفات الأقل جدارة ك AA و A و BBB. وهناك نوعان من العوامل تتخذها وكالات التصنيف الائتماني في تصنيفها للدولة وهما عوامل تقديرية وعوامل كمية خاصة بالأرقام، ويدخل في العوامل التقديرية البناء المؤسسي للدولة ومدى توافق الشعب حوله من سلطة قضائية وتشريعية، بينما تتضمن العوامل الكمية كل الارقام الخاصة بالدولة من إحتياط النقد الأجنبي وعجز الموازنة ونسبة الديون الخارجية والداخلية للناتج القومي وتصدر الوكالات تقييمها بناء على قائمة مطولة من المحاور تشمل الإقتصاد والتشريعات والتأثيرات الجيوسياسية والاهتزازات الأمنية.

وبناءا لهذه الترتيبات التدرجية ونظرا للظروف المعروفة التي يمر بها لبنان من تقديرية وكمية، من تهاوي للمؤسسات ومن فساد وسرقات وسمسرات على عينك يا تاجر، فلا عجب من تحذيره بإحتمال تراجع تصنيفه الإئتماني إذا لم يلتزم بتعهداته الإصلاحية التي تبقى في كل مرة كلاما على ورق.

ومع أن النزوح الكبير يشكل ضغطا على الواقع الإقتصادي اللبناني، إلا أن ما أصاب لبنان من إعاقة يكمن سببه الرئيسي في تفشي طبقة سياسية فاسدة أضعفت العوامل التقديرية والكمية له معا ولم تكتفي إنتهاكا للكيان اللبناني وجشعا بمقدراته، وأنصرفت عن معالجة المخاطر الخارجية بالسجالات والحسابات الداخلية وجعلت منا لقمة سائغة لإرادة جسدتها زيارة خاطفة لنجد أنفسنا بين خيارين أحلاهما مر، التصنيف الإئتماني. والنزوح الكبير.
تصنيف إئتماني
ونزوح كبير
زيارة خاطفة
مضمونها خطير
بين نارين
وبئس المصير
وضعونا فيه
وزينوا التعبير
وألقوا اللوم
وزادو تحقير
ونفضوا أيديهم
كطير أسير
وزادو وصفا
وقالوا تدبير
مدبر لنا
وضيع حقير
وأتقنوا الدور
كفيل يطير
يواجه عاصفة
ينازل أعاصير
يصور نفسه
كبطل بشير
يروي حكايا
يحيك أساطير
لنتيجة واحدة
دون تغيير
بين نارين
وبئس المصير
وضعونا فيه
وزينوا التعبير.