نوفل ضو: التسوية والإنتخابات والقرار 1559

20

التسوية والإنتخابات والقرار 1559
نوفل ضو
جريدة الجمهورية/السبت 13 أيار 2017

إنّ مجرد ربط إجراء الإنتخابات النيابية في لبنان بتسوية بين الأحزاب والقوى السياسية المُمسكة بالسلطة حول القانون الذي على اساسه ستجري هذه العملية الديموقراطية، يسقط المفهوم الحقيقي للإنتخابات ويعرّيها من ركن أساسي من أركانها المتمثّل في إعطاء الناخبين اللبنانيين حرية اختيار من يمثلهم في السلطة التشريعية.

فالتسوية هي نقيض الإنتخاب. وفي العودة الى معاجم اللغة يتبين انّ التسوية هي: «الحل والإتفاق الوسط»، في حين أنّ الإنتخاب هو: «الإختيار».
أمّا في السياسة فالتسوية تقوم بين فرقاء سياسيين وأحزاب وتيارات وشخصيات سياسية متنازعة لحل الخلافات القائمة في ما بينها.

والإنتخابات النيابية حق دستوري وسياسي يعطى للناخبين لاختيار من يمثلهم بحرية بعيداً من الضغوط والإملاءات والإيحاءات والترتيبات المسبقة الإعداد بهدف ضمان الوصول الى نتائج معلبة أو معدة سلفاً. لذلك يحذّر علماء السياسة من أنه «في بعض الحالات تتوافر الأشكال الانتخابية ولكن يغيب المضمون الانتخابي بحيث يغيب الخيار الحرّ وغير المزيّف للاختيار بين بديلين أو أكثر».

في الأنظمة الديموقراطية العريقة، الإنتخابات هي التسوية ونتائجها هي التي تُحدّد المسارات السياسية. فعندما تصطدم الخيارات السياسية للأحزاب والقوى الفاعلة في المجتمع بالحائط المسدود ويتعذّر الحسم بين الخيارات، يتم اللجوء الى الإنتخابات ليقول الناخبون كلمتهم ويُحدّدوا خياراتهم.

لكن ما يتم السعي إليه عندنا هو تسوية بين أركان السلطة على الإنتخابات في الشكل (النظام الإنتخابي والدوائر)، وفي المضمون (حجم الكتل النيابية وحصص الأحزاب والقوى السياسية)، وهو ما يُفرغ الإنتخابات من دورها في تحديد الخيارات الشعبية كحكم بين المشاريع والتوجهات والخيارات المتناقضة والمتنافسة، ويعطي الأحزاب والقوى السياسية القدرة على التحكم المسبق بالنتائج وموازين القوى.

صحيح أنّ الدستور يعطي المجلس النيابي صلاحية إقرار قانون للإنتخاب، لكن ذلك لا يعني – علمياً- أنّ لمجلس النواب صلاحية وضع قانون يوصل الى نتائج محددة. ولذلك، فإنّ الكثير من الدول العريقة في ديموقراطيتها تلجأ في حالة إدخال تعديل على قوانينها الإنتخابية الى ربط سريان مفاعيل التعديلات بالدورة اللاحقة لأول دورة إنتخابية تجري بعد التعديل لكي لا يكون النواب في موقع من يشرّع لنفسه.

لذلك، فإنّ الفارق شاسع وعميق بين تسوية تُنتج انتخابات، وانتخابات تُنتج تسوية. فالتسوية تنتج مجلساً على شاكلتها أي على قياس أركان التسوية. في حين أنّ الإنتخابات تنتج مجلساً نيابياً على قياس الناخبين وبالتالي تسوية وفقاً لتطلعات الناس وخياراتهم بين مشاريع الأحزاب والسياسيين.

من هنا، فإنّ لبنان اليوم يحتاج الى انتخابات تنتج تسوية سياسية ووطنية وليس العكس. لأنّ التسوية الإنتخابية كما يتم العمل عليها هي أقرب الى الإستفتاء على محاصصة يعمل لها سياسيّو السلطة الحالية، منها الى إعطاء الناخب اللبناني الحق المطلق والحرية الكاملة في إعادة إنتاج السلطة التي يريدها هو وفقاً للفقرة «د» من مقدمة الدستور التي تنص على أنّ «الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية».

لقد أظهرت عشرات الصيغ الإنتخابية التي تمّ التداول بها على مدى الأشهر القليلة الماضية سواء لناحية النظام الإنتخابي (أكثري أو نسبي أو مختلط)، أو لناحية تقسيم الدوائر الإنتخابية وتوزيع المقاعد النيابية عليها أنّ كلّاً من أصحاب هذه المشاريع يسعى الى ضمان الوصول الى نتائج معينة، وأنّ الإتصالات الجارية تهدف للوصول الى تفاهم في ما بينهم على «تسوية» في شأن هذه النتائج، وهو ما يطرح علامة استفهام كبرى حول الطريقة التي يمكن اعتمادها لاستعادة الحياة السياسية عافيتها وديمقراطيتها.

في العام 2004، واجه اللبنانيون أزمة مصادرة حقّهم في إعادة إنتاج السلطة من خلال فرض الوصاية السورية التمديد لرئيس الجمهورية خلافاً للدستور، تمهيداً للتحكم بالإنتخابات النيابية التي كانت مقرّرة بعد أشهر في ربيع 2005. يومها تدخل المجتمع الدولي وأصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1559 الذي نصَّ على «أهمية إجراء انتخابات حرة ونزيهة وفقاً لقواعد الدستور اللبناني الموضوعة من غير تدخل أو نفوذ أجنبي»، وعلى بسط الدولة اللبنانية سلطتها على كلّ أراضيها وحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.

ومنذ ذلك الحين، وفي ظلّ الإكتفاء بتنفيذ الشق المتعلق بانسحاب الجيش السوري من لبنان الوارد في القرار 1559، أثبَتت كل الإنتخابات الرئاسية والنيابية التي شهدها لبنان أنّ الوصاية السورية التي كانت تتحكّم بالحياة السياسية في لبنان استبدلت بوصاية إيرانية تتحكم بمسار الإنتخابات، فتعطلها حيناً، وتُقرّر نتائجها سلفاً حيناً آخر، وتلغي نتائجها أحياناً بفعل موازين القوى التي يفرضها السلاح غير الشرعي.

فهل بين القوى السياسية والحزبية في لبنان من يجرؤ على مقاربة نزاهة الإنتخابات النيابية المقبلة وصحّة تمثيلها من زاوية سيادية تقوم على تبنّي الحل الذي يطرحه القرار 1559 لاستعادة سيادة الدولة، والدستور لاستعادة الشعب اللبناني سيادته ودوره كمصدر للسلطات في إعادة إنتاج السلطة؟

* عضو الهيئة المركزية لـ«14 آذار – مستمرون»