جوزف الهاشم: جورج فريحة وذكريات بشير

32

جورج فريحة وذكريات بشير
جوزف الهاشم/جريدة الجمهورية/السبت 25 آذار 2017

التاريخ هو الذاكرة الناصعة التي تسجّل وقائع الأزمنة، بما هو غابرٌ منها ولاحِق، فتـتَّقي بها الشعوب المنزلقات وتستقي عِبـراً وعظات.

ولهذا، فإنّ الذين يؤتمنون على كتابة التاريخ يـجب أن يغسلوا الريشة بمـاءٍ مقدَّس يحرَّرهم من مغـبّة التزييف والتحريف والهوى.

الدكتور جورج فريحة، في كتابه الصادر حديثاً بعنوان: «مع بشير ذكريات ومذكرات» مع ما يُـؤْثر عنه من استقامة رأيٍ تجرُّد، فلا تغلب عنده عاطفة الصديق على صدق القلم، فهو أيضاً يكتب عن مرحلة تاريخٍ معيوش لا يزال الذين عاصروه أحياء يرزقون.

وقد لفتني مع هذا، أنه استطاع أن يكتشف ذلك السرّ الذي لا يزال خفـيّاً على الكثيرين من الذين يدّعون البراعة في الصياغة، فإذا صفحاتهم التاريخية ملأى بالحشْوِ المـملّ والإسترسال النافر فوق ما يستدعي الواقع.

قرأت كتابه، وأنا المواكب لما جاء فيه، فإذا هو الإيجاز في سردّية سهلة ومألوفة، وإن كان لي بعضٌ من الملاحظات فلا تشكّل مع المضمون تبايناً ومعارضات.

لمحـةٌ خاطفة عن مآثر العائلة الجميليَّة ورجالها من يوسف الجميل الذي كان أحد الوفد اللبناني الى باريس للمطالبة باستقلال لبنان، وشقيقه الدكتور أمين وإبنه بيار مؤسس الكتائب، وموريس أحد أبرز الذين استبقوا العصر، الى الرئيس أمين والوزير بيار، وصولاً الى الجميلي الأصغر عمراً والأقصر رئاسة والأطول جدلية في سيرة التاريخ.

جورج فريحة، كان القابلة التي شهدت ولادة ذلك الثائر المتمرد في بشير الجميل، واكبَهُ خطوة خطوة، يوم كان بيار الجميل يكبت ظهور ولديه أمين وبشير عن أي مركز حزبي إلاّ أنه سلَّم مع جورج فريحة على أن يتولى بشير المركز الثاني في منطقة الأشرفية.

في الكتائب لم يحظَ بشير برتبة رئيس منطقة، وفي الدولة استطاع أن يكون رئيساً للجمهورية، وفي منطقة الأشرفية كانت الإنطلاقة، ومن حيث انطلق استشهد.

قصّة الإرتقاء التصاعدي سرَدَها جورج فريحة بكل مراحلها التراتبية في بناء القوات اللبنانية وهيكليتها، وقد خاض بها بشير محطات القتال على الجبهات بكل ما افترضت الميادين من إمكانات كانت متواضعة إلاّ من الإيمان، وخاضها في مواجهة الفلسطينيين والسوريين وكل الفصائل التي تجمّـعت على الـ “10452” كيلومتراً مربعاً، كتلك التي شبهها يوماً نابوليون بجيوش العشرين أمّـة.

من المقاومة العسكرية والمقاومة الإعلامية والمقاومة الفكرية وعلى رأسها شارل مالك، الى المقاومة الإجتماعية والهيئات الشعبية والأندية الرياضية ولجان أصدقاء الكتائب، استطاع بشير أن يفرض نفسه زعيماً لبنانياً مهيب الصوت والسطوة، وإن اضطر أن يتجرع بعض السمّ في مواجهةٍ مع رفاق الساحات: الأحرار وحراس الأرز لتوحيد البندقية، مثلما كانت المجزرة الكبرى في إهدن والتي احتفظ بذكر تفاصيلها.

هالَـةُ الزعامة شرَّعت أمام بشير أبواب البيت الأبيض وحرمة بلاد الحرمين الشريفين، ومع الوجود الإسرائيلي على أرض لبنان، تمكَّن من تبوّؤ سدّة الرئاسة الأولى، تحقيقاً لها كان يقول: «سنبني بلداً سعيداً وجميلاً لأبنائنا الأبرياء…»

المحطة التي كانت بها الخاتمة المأساوية، هي التي عرفت باجتماع «نهارياً» حين التقى بشير القادة الإسرائيليين، مناحيم بيغن، إسحاق شامير وآرييل شارون، ليطلبوا منه توقيع معاهدة سلام مع دولة إسرائيل.

في هذا الإجتماع كان بشير رئيساً للبنان، لا رئيساً للقوات اللبنانية، فكانت جملته الشهيرة حسب المحضّر المسجّل بيد جورج فريحة، «أنـتُخبت رئيساً من غير أن أكون مديناً لأحد وسأسعى لأفـي بالوعود التي قطعتها لشعبـي…»

والحقيقة.. أن بشير الجميل منذ انتخابه رئيساً في 23 آب 1982 الى حين وفاته في 14 أيلول استطاع من خلال شخصيته الساطعة، أن يحقق في ثلاثة أسابيع ما يعجز عنه أصحاب ولاية السنين الست.

غاب بشير ليصحّ فيه قول فولتير: «ما من شجرة تحمل ثمراً من أجل نفعها الخاص»، لعلّه إذاً، يكون مثالاً لمن يخلفونه حتى لا تلتهم أفواههم الثمر ويقتلعوا الشجر من أجل مصلحتهم الخاصة.

سديدة ريشتك جورج فريحة والى المزيد من هذا الجديد المفيد.