الكولونيل شربل بركات/(02 من 04)مجزرة بلدة عين إبل 05 أيار سنة 1920 والتي كان من نتائجها سقوط حكم فيصل واعلان دولة لبنان الكبير

777

مجزرة بلدة عين إبل 05 أيار سنة 1920 والتي كان من نتائجها سقوط حكم فيصل واعلان دولة لبنان الكبير
الكولونيل شربل بركات/الحلقة الثانية/29 نيسان/2020

كان الأمير فيصل قد عرض على “جمال باشا” في كانون الأول من سنة 1917 في دمشق انشقاقه عن الحلفاء وانضمامه إلى “اخوانه” المسلمين في السلطنة العثمانية شرط أن يعطى ادارة الولايات في سوريا والموصل. والمعروف بأن “جمال باشا” على عكس “أتاتورك” من المسلمين المتعصبين وقد كان شارك بعمليات الابادة التي جرت بديار بكر وغيرها.

ولم يمر العرض بسبب الخلاف على القرار بين الباشاوات الثلاث “طلعة باشا” الصدر الأعظم ووزير الداخلية، و”جمال باشا” وزير البحرية، و”أنفر باشا” (أو “أنور باشا” كما يسميه العرب) وزير الحربية، وكانوا هم من يدير السلطنة فعليا.

فعاد “فيصل” إلى أحضان بريطانيا وحاول “لورنس” تجميل خطوته هذه بأن اعتبرها مناورة من قبل “فيصل” لتشتيت خطط العثمانيين. ولكن في ربيع 1918 بدأت “عملية مايكل” الألمانية (21 آذار 1918) على الجبهة الغربية وكان مخطط لها أن تقضي بسرعة على دفاعات الحلفاء هناك بسبب الفرق الالمانية العديدة التي سحبت من الجبهة الروسية ودفع بها إلى الجبهة الفرنسية، ما كان سيؤدي إلى خسارة الحلفاء للحرب قبل وصول القوات الأميركية إلى اوروبا والتي كان مقررا في ايار من العام نفسه. يقول بعض المؤرخين بأن الأمير “فيصل” وعندما عرف بهذه التطورات اتصل مجددا ب”جمال باشا” عارضا خدماته التي رفضها الأخير هذه المرة جملة وتفصيلا كونه كان واثقا من النصر.

عندما احتلت القوات البريطانية بقيادة الجنرال “اللنبي” دمشق في 30 ايلول 1918 سارع الأمير “فيصل” للدخول اليها في الثالث من تشرين أول 1918. وبدأ على الفور بوضع يده على الحكم فعين “علي رضا باشا الركابي” حاكم عسكري على المدينة وكان أول عمل قام به “الركابي” اعتقال الأمير “محمد سعيد الجزائري” حفيد المناضل الأمير “عبد القادر الجزائري” والذي كان أعلن عن تشكيل حكومة عربية باسم “الشريف حسين بن علي قائد الثورة العربية” فور خروج الجيش العثماني ورفع العلم العربي.

ومن ثم باشر رجال “الركابي” برفع العلم العربي وتشكيل ادارة محلية في كافة المدن السورية. وكان حلم الأمير “فيصل” ومن حوله اعلان “مملكة عربية” تمتد من سوريا إلى اليمن باستثناء الحجاز التي يعود الحكم فيها إلى والده الشريف حسين ولم يدخل ضمنها العراق.

ولكن فرنسا وبريطانيا كان لهما مشاريع مختلفة فهما لم تنتهيا بعد من موضوع السلطنة ومستقبلها. وكانتا قد اتفقتا بما عرف فيما بعد “باتفاق سايكس- بيكو” على توزيع النفوذ بينهما في البلاد التي ستنسحب منها السلطنة.

فتشرف فرنسا على لبنان وسوريا حتى كليكيا بينما تشرف بريطانيا على فلسطين وشرق الأردن والعراق. ولا يعني هذا ابدا أن “فيصل” لن يستطيع أن يحكم البلاد ولكنه سيحكمها تحت اشراف فرنسا وبريطانيا.

وذلك تجنبا لاعادة تكرار التجربة العثمانية في الادارة الفاشلة والتي قامت على الفساد والرشوة والاستبداد، ما يؤدي إلى تأخر البلاد بدل تقدمها.

كانت النظرة الأوروبية للمصالح، والتي نفهمها أكثر اليوم، تقوم على تقدم البلاد وتطور السكان فيها لزيادة قدرتهم الانتاجية وبالتالي الشرائية، والتي تؤدي إلى المزيد من استهلاك الصناعات الأوروبية.

ما ينتج عنه عدم الحاجة لفرض الأمور بالقوة. ومن جهة ثانية كانت المجازر التي قامت بها السلطنة مؤخرا، والتنظيف العرقي الذي مورس في جنوب تركيا ضد الاقليات السريانية والآشورية والأرمنية واليونانية، اضافة إلى المجاعة التي فرضها “جمال باشا” على جبل لبنان والتي أدت إلى مقتل أكثر من 200 ألف من سكان المتصرفية، تدعو دول الحلفاء إلى العمل على التخفيف من التمييز بين الشعوب. وذلك باعطاء المجموعات الحضارية حقوقها بالتمثيل في الادارة والحكم.

وهذا يؤدي بالطبع إلى زيادة الاستقرار في عالم بدأ يصبح أكثر انفتاحا بواسطة المواصلات الحديثة يومها. ولكن العقلية الرجعية التي سادت مع العثمانيين، وخاصة في بلادنا، كانت تعتقد بأن ادارة البلاد هي امتلاك القوة والسيطرة على الغير والتفرد بالثروة.

من هنا لم يفهم، أو لم يرد أن يفهم، من كان في دائرة القرار عند الأمير “فيصل”، أهمية التعاون مع القوى الكبرى، وتسرّعت “النخبة” المحيطة بالأمير في استغلال نصر الحلفاء على العثمانيين ورفع نيرهم عن البلاد.

وقد يكون هناك مندسون لخلق البلبلة والقلاقل في المناطق التي تركتها القوات العثمانية. وبدل أن تتعاون هذه النخبة المحيطة بالأمير “فيصل” مع قوات “الحلفاء”، التي لم تكن قد انتهت بعد من حربها مع دول “المركز”، تصرفت وكأنها هي من ربح الحرب، وقد حانت ساعة التمتع بالنصر.

زد على ذلك أن من قابلهم من الفرنسيين والبريطانيين كانوا ضباطا عسكريي التفكير. فكان استعجال التنفيذ، بدون تشاور لا مع البريطانيين ولا مع الفرنسيين، بدا وكأنه محاولة لفرض الأمر الواقع. فحدث الصدام وفشلت التجربة التي عادت ونجحت مثلا في شرق الأردن مع الملك “عبدالله”.

ونجحت أيضا (ربما نسبيا) في لبنان الذي، وبعد حادثة عين إبل المؤلمة ونتائجها، تنظمت فيه السلطة والدستور وشيئا فشيئا أخذت الأمور تسير بشكل طبيعي. وبدأت البلاد تستقر والمؤسسات تبنى والسلطة تنتقل شيئا فشيئا إلى الوطنيين.

وقد أنشأت هذه الدول الكبرى عصبة الأمم وأطلقتها في مؤتمر السلام في باريس ووضع لها أهدافا، منها منع الحروب وتدريب الشعوب في الدول الناشئة على الحكم الذاتي. ومن هنا كان تفويض فرنسا وأنكلترا من قبل عصبة الأمم هذه بالانتداب على سوريا ولبنان وفلسطين والعراق وشرق الأردن وتعليم المواطنين على ادارة البلاد فيها.

أكثر ما أفشل حكم الأمير “فيصل” في الشام هو الضباط العرب من بقايا الجيش العثماني وبقايا المنظمات السياسية التي كانت قد انشئت في أواخر ايام العثمانيين وقد التحق هؤلاء بقوات الأمير تحت مسمى الثورة العربية وقادوا عملية تنصيبه “ملكا على بلاد العرب” بدون التنسيق مع البريطانيين أو الفرنسيين.

وهم من شجّع، وعلى الطريقة العثمانية، فرض توقيع المطالب أثناء جولة لجنة “كينغ – كرين” التي كان أرسلها الأمريكيون بناء على مشروع الرئيس “ولسون” لاستفتاء الشعوب في تقرير مصيرها. وقد كان طرحه أثناء مؤتمر باريس.

فإذا كان هؤلاء الضباط قد نسّقوا مع الأتراك عملية افشال التقارب بين العرب والحلفاء، منتظرين أن يستعيد “أتاتورك” وبقايا الجيش التركي سيطرتهم على الأرض فتكون سوريا جاهزة للانقلاب على الحلفاء، فهي خيانة كبرى لكل الشعوب التي كانت تتمنى انتهاء السيطرة العثمانية.

وإذا كانت المدارس الحربية العثمانية والتدريب وغسل الأدمغة قد فعلت فعلها في العقول فولدت نوعا من الحقد على الحلفاء، فيمكن تفهمه. وقد خدم هؤلاء الضباط في جبهات القتال مع الجيش الألماني والنمساوي، ولهم من الخبرة في تقدير قوة العدو وتأثير ولاء الأهالي على الجيش المقاتل.

لذا وإذا كانوا يكنون بالفعل حقدا شخصيا على الحلفاء الذين حاربوهم في كل الجبهات، فلا بد أن يكون تعاملهم معهم سلبيا لا بل معاديا. من هنا كان فشل “فيصل” في سوريا. فقد كان البريطانيون انسحبوا من دمشق بطلب من فرنسا فور التوقيع على اتفاقية وقف النار ونصحوا الأمير “فيصل” بالتفاوض مع الفرنسيين.

وأنزل الفرنسيون قوات جديدة على الساحل توجهت لاكمال السيطرة على شمال سوريا حتى كيليكيا من بقايا القوات العثمانية. ولم يكن بنيتهم محاربة “فيصل” أو تحجيمه. لا بل، وبعد أن تم الاتفاق معه على تنسيق الجهود مع الفرنسيين، اعتقدوا بأن الأمور سائرة إلى التحسن. ولكن رفض المتشددين، وعلى راسهم “يوسف العظمة”، لمهادنة الفرنسيين، إدى إلى التراجع عن ما تم الاتفاق عليه.

وما كان من رئيس الوزراء “الركابي” يومها إلا تقديم استقالته في 3 ايار 1920 أي قبل يومين من الهجوم على عين إبل. وكانت أسباب تقديمه الاستقالة “بأننا لا نقدر على مواجهة الفرنسيين ويجب القبول بشروطهم”. ولكن وزير الحرب “يوسف العظمة” فرض رأيه وبدأ التحضير للمواجهة.

*اضغط هنا لقراءة الحلقة الأولي من الدراسة التي في أعلى
*أضغط هنا لقراءة الحلقة الثانية من الدراسة التي في أعلى
*أضغط هنا لقراءة الحلقة الثالثة من الدراسة التي في أعلى
*أضغط هنا لقراءة الحلقة الرابعة من الدراسة التي في أعلى

يتبع –

هوامش
*رضا باشا الركابي:أحد الضباط العثمانيين سرح من الجيش العثماني لمعارضته دخول السلطنة الحرب عينه جمال باشا رئيسا لبلدية دمشق 1915 وعينه فيصل حاكما عسكريا فور دخوله دمشق في 3 تشرين أول 1918 ثم رئيسا للوزراء فيها في9 آذار 1920 وفي 3 أيار 1920 قدم استقالته لاعتراضه على مواجهة الفرنسيين لعدم التكافؤ ورفضه لتسليح الأهالي. واصبح فيما بعد رئيس حكومة شرق الأردن التي تشكلت في 10آذار1922 .)

*بقايا الظباط العثمانيين: كان هناك الكثير من الضباط والجنود الذين خدموا بالجيش التركي ومنهم من تبوأ مناصب مهمة وتدرب مع الألمان نذكر من المنظورين فقط يوسف العظمة الذي تسلم وزارة الحربية وهو من قرر مواجهة الفرنسيين في ميسلون ونوري السعيد وجعفر العسكري وهم من الضباط الأتراك فما كان تأثيرهم وأمثالهم في فشل التجربة العربية وفي ردود الفعل العنيفة التي أدت إلى ذلك؟)

ملاحظة/ اضغط هنا لقراءة الحلقة الأولي/مجزرة بلدة عين إبل 05 أيار سنة 1920 والتي كان من نتائجها سقوط حكم فيصل واعلان دولة لبنان الكبير/الكولونيل شربل بركات/28 نيسان/2020

يوسف العظمة وزير الحربية في المملكة العربية
  وهو تركماني سوري ولد في دمشق ومن كبار الضباط العثمانيين سابقا كان قائد فرقة المشاة 25 وفيما بعد مساعد وزير الدفاع في السلطنة انفر باشا وبقي يمارس خدمته في هذا الجيش حتى تشرين أول 1918 عند توقيع اتفاق وقف النار حيث عاد إلى دمشق وتقرب من الأمير فيصل)
علي رضا الركابي علي رضا الركابي باشا بالبدلة العثماني

خريطة مملكة فيصل العربية المقترحة