ابو أرز- اتيان صقر: الوطن الأسطورة … لبنان القداسة والتاريخ والبطولة والرسالة/الجزء الثاني- الشعب

166

ابو أرز- اتيان صقر: الوطن الأسطورة … لبنان القداسة والتاريخ والبطولة والرسالة/الجزء الثاني- الشعب

ابو أرز- اتيان صقر/23 شباط/2022

اضغط هنا لقراءة الجزء الأول
اضغط هنا لقراءة الجزء الثاني
اضغط هنا لقراءة الجزء الثالث

المقدمة: الحديث عن لبنان يبدأ ولا ينتهي، حكايته عمرها من عمر التاريخ، وسردها بكل فصولها يتطلب مجلدات عديدة، لذلك اعتمدنا الإيجاز في مقاربة هذه الحكاية التي تشبه الأساطير في فرادتها وروعتها، وسنسلط الضوء على بعض محطاتها المشرقة التي تكشف النقاب عن عطاءات حضارية مذهلة قدّمها هذا الوطن الصغير على المسرح العالمي الكبير، تاركاً بصماته الواضحة على صفحات التاريخ والتراث الإنساني العالمي.

ثانياً: الشعب

٢١- إذا كان لبنان أول أرض حملت إسماً بحسب أرنولد توينبي، فهو أيضاً أول أرض سكنها شعب بحسب المؤرخ نفسه، والدلائل على ذلك نماذج الصوان والهياكل العظمية من نوع ال Homo–Sapians أي الإنسان العاقل التي عثر عليها في برج كناريت ـ عدلون الأب زيموفن في القرن التاسع عشر ميلادي.

٢٢- وعندما جاء الأب فرنكلن ايوينغ مع فريق عمله وتابع التنقيب، عثر على هيكل عائد لولد سمّاه “أغبرت”، وقد حدّد عمر الطبقة التي كان مدفوناً فيها بِ ٤٤ ألف و٦٠٠ سنة ق.م.، أي أقدم هيكل إنسان عاقل وجد في التاريخ البشري. أمّا الأب مارتان اليسوعي فذهب في بحثه إلى القول بأن قصة آدم وحوّاء وجنّة عدن جرت أحداثها في بلدة إهدن في شمال لبنان وليس في عدن اليمنية، وإن سفينة نوح رست على سلسلة الجبال الشرقية اللبنانية وليس على جبال أرارات الأرمنية.

٢٣- بينما المؤرّخة مَيْ المُرّ فتؤكد أن الهياكل العظمية التي عثر عليها في الزهراني وانطلياس تعود إلى حوالي ٧٠٠ ألف سنة ق.م.، ما يعني أن أول إنسان عاقل “أوموسابيانس” بدأ يعي نفسه ويستعمل عقله ويفكّر هو الإنسان اللبناني، وذلك بحسب الدراسات العلمية التي أجريت على الجماجم العائدة لتلك الهياكل العظمية.

٢٤- من هنا استلهم سعيد عقل قصيدته الشهيرة “قصيدة لبنان” التي غنتها فيروز، وفيها يقول: هنا على شاطىءٍ أو فوق عند رُبىً / تَفتّح الفكرَ قُلتَ الفكرُ نَيسانُ.

٢٥- إن هذه الإكتشافات العلمية تَدْحض إدعاءات المؤرخين الذين ادّعوا إنّ الشعب اللبناني جاء من الخارج، تارةً من الجزيرة العربية وتارةً من بلاد ما بين النهرين، أو من أماكن أخرى وكأن أرض لبنان كانت فارغة من السكان وجاءَت إليها شعوب من الخارج لتملأ هذا الفراغ.

٢٦- ويؤكّد المؤرّخون أن إسم لبنان لم يتغيّر ولم يتبدّل منذ تكوينه بالرغم من تعاقب الغزوات على أرضه، فالأشوريون عرفوه بإسم “لبنانو”، والعبرانيون بإسم “لبنانون”، واليونانيون والرومانيون بإسم “ليبانوس”، والعرب بإسم لُبنان بضمّ اللام.

٢٧- هذا الكلام يؤكّد العقيدة القائلة بلبنانيّة لبنان، وبرفض نعت هويته بأي نعوت خارجيّة، ويَدْحض إدعاء القائلين بعروبة لبنان.

٢٨- وفي هذا السّياق نذكّر العروبيين وكل من يحاول تزوير الهوية اللبنانية بأن الإحتلال العثماني الذي دام ٤٠٠ سنة وكان الأطول والأقسى في تاريخنا، عجز عن طمس هوية لبنان أو تحريفها أو تغييرها، فرحل هو وبقيت هي.

٢٩- والخطير في الأمر أنّ تزوير هوية لبنان من لبنانية إلى عربية أصبح اليوم مُشرّعاً في دستور الطائف، ما يُحتّم على الشرفاء في هذا البلد أن يسعوا جاهدين لتعديل الدستور وتصحيح هذا الخطأ التاريخي بأسرع ما يمكن ومهما كلّف الأمر… وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ لبنان هو البلد الوحيد في هذه المنطقة الذي لا يوجد على أرضه صحراء أو بَدو رُحّل.

٣٠- وبما أن الإنسان هو إبن الأرض، وتِبعاً لجدليّة الإنسان والأرض والتفاعل بينهما، وبما أن البيئة الجغرافية التي يعيش عليها هذا الإنسان وعاش عليها آباؤه وأجداده من قبله لها التأثير الأكبر على طبيعته وطبائعه، لذلك يأتي الإنسان اللبناني مثلاً مختلفاً عن الإنسان الإفريقي أو الإسكندينافي أو الصحراوي في شكله ولون بشرته وعاداته وتقاليده وخصائصه.

٣١- ولأن التاريخ إبن الجغرافيا (جواد بولس)، فإن الشعب الذي يعيش في بيئة جغرافية معيّنة يكوّن مع الوقت ومرور الزمن قوميته الخاصة وتاريخه الخاص مع كل ما يحتويه هذا التّاريخ من تراث وتقاليد وخصائص تميّزه عن غيره من الشعوب، وهذا يعني ان الشعب اللبناني قد كوّن عبر تاريخه الطويل قوميّة خاصة به هي القومية اللبنانية.

٣٢- غير أن هذا لا يعني أن هناك أمّة أو قومية صافية العرق على وجه الأرض، إذ ان الحروب والفتوحات والنزوحات البشرية لم تُبقِ على أعراقٍ صافية، بل أضافت إلى الشّعوب الأصلية مجموعات أخرى غريبة عنها امتزجت بها وانصهرت فأصبحت مع الوقت جزءاً لا يتجزّأ من قوميتها، وراحت تشكل معها تاريخاً مشتركاً.

٣٣- والمثل السّاطع على ذلك هو القوميّة الأميركية التي نشأت في الولايات المتحدة حديثاً بفعل المزيج الذي حصل بين شعوب متنوعة الأصول والأعراق، تلاقحت في ما بينها وانصهرت، فكوّنت خلال ٣٠٠ سنة أمّةً عظيمةً تُمثل النموذج الحديث لنشؤ الأمم.

٣٤- وهذا النموذج يُثبت أيضاً أن التلاقح بين الشّعوب أو المجموعات الغريبة هو مصدر غِنى حضاري للأمم عكس ما يعتقد البعض، وان الفترة الزمنية المطلوبة للإنصهار الكامل تتراوح ما بين ستة إلى سبعة أجيال، أي حوالي ٢٠٠ سنة.

٣٥- ولكي لا نذهب بعيداً نشير إلى أنّ الأمير فخر الدين المعني الكبير الذي أسّس دولة لبنان الحديث ومدّ سلطانها من حلب إلى ما بعد عكّا، هو سَليل قبيلة بني معن العربيّة التي لجأت إلى جبال لبنان في حوالي القرن العاشر ميلادي هرباً من الإضطهاد الذي مارسه الفاطميّون على الطائفة الدرزية، فانصهرت في تلك الجبال مع الشعب اللبناني وأصبحت مع الزمن رُكناً أساسياً من أركان الأمّة اللبنانية. وعلى هذا الأساس يحلو للبعض القول بأن لبنان هو نِتاج تحالف ماروني ـ درزي، وإنّ وحدة لبنان من وحدة الجبل، بينما الحقيقة والتاريخ يقولان بأن الأمّة اللبنانية ضاربة في عمق التاريخ قبل ظهور المسيحية والإسلام.

٣٦- وتَجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الأمير الكبير كان حريصاً جدّاً على هوية لبنان اللبنانية، حيث أنّه رفض عرضاً من السلطنة العثمانية يمنحه لقب أمير عربستان، فرفض وأصرّ على لقب أمير لبنان، لا بل كان يوقّع على مراسلاته بإسم أمير فينيقيا.

٣٧- أدرك فخر الدّين (١٥٩١-١٦٣٥) أهميّة وحدة الجبل الممتد من جزّين إلى الأرز مقدّمة لتوحيد لبنان، فنجح في ضمّ جيش المردة إلى جيشه، الأمر الذي مكّنه من الإنتصار الساحق على جيش والي الشام ودَحَرهُ في واقعة عنجر الشهيرة، ما أتاح له توسيع حدود لبنان، والإستقلال عن السلطنة العثمانية، وإعلان لبنان الكبير.

٣٨- هذا يؤكّد ما سبق وقلناه عن أهميّة الجبل في الدفاع عن لبنان، أن قوة لبنان من قوة الجبل، ولو أدرك أهل الجبل هذه المعادلة الذهبية لما تصرّفوا على نحوٍ مخزي ومُدمّر وغير مسؤول في الأعوام ١٨٤٠ و ١٨٦٠ و ١٩٨٣.

٣٩- وعلى ذكر المردة والجبل، لا بُدّ من تصحيح الخطأ الشائع الذي يَفترض أن الموارنة جاؤوا من سوريا، وكأن الجبل كان هو أيضاً فارغاً وجاء من يملأه.

٤٠- بينما الحقيقة هي ان أهل الجبل ظلوا حتى القرن الخامس ميلادي يعتنقون الديانة الفينيقية ويكرّمون الآلهة إيل وبعل وأدونيس وعشتروت … إلخ، وكانوا يحتفلون في بلاد جبيل مثلاً بقيامة أدونيس من الموت بعد ثلاثة أيام (لاحظ ثلاثة أيام) على مصرعه على يد خنزير برّي بفضل تضرّعات عشتروت إلى الآلهة كما تقول الأسطورة.

٤١- وكان نهر أدونيس محور تلك الإحتفالات، وكان الأهالي يحملون المشاعل ويصعدون إلى مغارة أفقا في اليوم الثالث لقيامة الإله أدونيس من الموت وتقديم الشكر إلى الآلهة; بينما أهل المدن والبلدات الساحلية اعتنقوا الديانة المسيحية منذ أول نشوئها.

٤٢- في القرن الخامس جاء رهبان مار مارون من جبال قورش هرباً من إضطهاد اليعاقبة والنسطوريين وسكنوا في جبّة بشرّي وقرية كفرحي في بلاد البترون، وفي ناحية العاقورة ـ المنيطرة، وراحوا يبشّرون الأهالي بالديانة المسيحية.

٤٣- وأشهر هؤلاء الرّهبان كان الراهب ابراهيم القورشي الذي التفّ حوله أهل الجرد في بلاد جبيل وجوارها نظراً لحكمته وكثرة تقواه; وما أن انتهى القرن الخامس حتّى عمّت الديانة المسيحية معظم سكان الجبل، ولُقّبوا بالموارنة تيمّناً بشفيعهم القديس مارون الذي عاش ومات متنسّكاً في جبال قورس، واستبدلوا إسم نهر أدونيس بإسم نهر إبراهيم تيمّناً بالراهب إبراهيم القورشي.

٤٤- في منتصف القرن السابع انتُخب مار يوحنا مارون بطريركاً على لبنان، فبادر إلى تنظيم صفوف الموارنة على كافة الصعد الوطنية والكنسية والإجتماعية والعسكرية، فتحوّل الجبل إلى حصنٍ منيع في وجه الغزاة والفاتحين، وأهمّها الفتح العربي الذي احتل الساحل اللبناني وعجز عن احتلال الجبل بينما كانت جيوشه تدق أبواب أوروبا، ويُقال ان العرب عقدوا معاهدة صلح مع المردة بعد ان دفعوا لهم جزيةً هي كناية عن خيول عربية وعدد من أكياس الذهب.

٤٥- إشتهر البطاركة الموارنة يومذاك بالتقوى والقداسة والتقشّف والزهد والتفاني في حب الوطن، فقيل فيهم “عُصيّهم من خشب وقلوبهم من ذهب”. وفي زمن الحرب كان البطريرك يُطلق النفير ويستدعي المُقدَّمين من كافة مناطق الجبل مع فرسانهم، وكان عددهم يصل إلى حوالي ٢٠ ألف مقاتل، وأحياناً كان يحلو لبعض البطاركة أن يسيروا على رأس الجيش حاملين عصيّهم المصنوعة من خشب السنديان. وهكذا حافظوا على حرّية لبنان واستقلاله فاستحقوا عن جدارة مقولة “مجد لبنان أعطي له”.

٤٦- قلنا آنفاً ان أهل الساحل اللبناني هم أول من اعتنق الديانة المسيحية في بدء نشوئها، وهذا يعود إلى أسباب رئيسية ثلاثة:

الأوّل، الزيارات التي قام بها السيّد المسيح إلى لبنان دون غيره من البلدان، حيث صنع عدداً من المعجزات، أوّلها وأهمها معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل في جنوب لبنان، وأهميتها تكمن في أنّه صنعها قبل أن يحين وقت التبشير الإلهي لأن والدته طلبت منه ذلك وأصرّت، “لم تأتي ساعتي بعد” قالها لأمه، ثم عاد وأذعن لإرادتها، وبعد أن تمّت المعجزة “آمن به تلامذته” يقول الإنجيل; وهذا يعني أنه جاء إلى لبنان وإسمه يسوع، وعلى أرضنا صار إسمه المسيح (سعيد عقل).

الثّاني، زيارات الرسل الأوائل إلى لبنان وهم في طريقهم إلى بلاد اليونان عبر مرافىء صور وصيدا وجبيل، وحملات التبشير التي قاموا بها بين اللبنانيين، سيّما وانهم بغالبيتهم كانوا من أبناء الجليل.

الثالث، التشابه الكبير بين الديانتين الفينيقية والمسيحية، حتى اعتبر بعض اللاهوتيين ان الديانة الفينيقية كانت تمهيداً للديانة المسيحية، أي Pre–Christianisme وأهم أوجه الشبه هي التالية:

إله الفينيقيين إيل هو الوحيد بين آلهة الشعوب الوثنية القديمة الذي نادى بالمحبة ودعا الناس إلى السلام يوم كانت الحروب والغزوات لغة التخاطب بين البشر. واستناداً للمخطوطات التي عُثر عليها في أوغاريت، يقول الإله إيل لشعبه: “إزرعوا المحبة في كبد الأرض، وانشروا السلام بين الناس”، عِلماً ان هذا الكلام قيل آلاف السنين قبل مجيء المسيح. ولهذا السبب كانت حروب اللبنانيين دائماً دفاعية وداخل حدود البلاد، ولم ينخرطوا يوماً كغيرهم في غزو أو سطو على أوطان الآخرين.

إيمان الفينيقيين بالحياة بعد الموت كما في أسطورة أدونيس وقيامته من الموت بعد ثلاثة أيام كما ذكرنا سابقاً، وهذا ما يتطابق مع جوهر العقيدة المسيحية.

كل الشعوب القديمة كانت تكرّم آلهتها عن طريق تقدمة الذبائح الحيوانية كالعجول والتيوس وغيرها، ما عدا الشعب الفينيقي الذي كان يعتمد تقدمة الخبز والخمر، وهذا بالضبط ما فعله المسيح في العشاء السرّي عندما قدّس الخبز والخمر وأوصى تلاميذه باعتماد هذا التقليد الفينيقي في تقديم الذبيحة الإلهية والذي ما زال مستمرّاً إلى اليوم في القداديس والكنائس المسيحية.

قبل أن يُسْلم الروح وهو على خشبة الصليب رفع عينيه إلى السماء ونادى أباه قائلاً: “ايلي ايلي لما شبقتني”، أي إلهي إلهي لماذا تركتني مستعيراً إله الفينيقيين لينادي به أباه دون غيره من الآلهة بما فيهم يهوه إله اليهود.

أوَ ليس إسم المسيح أساساً هو عمانو ـ إيل أي الله معنا؟؟