الفصل الثالث من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”/الصراعات التاريخية، الاقليمية والدولية حول لبنان وانتهائها بالهيمنة السورية

131

الفصل الثالث من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”/الصراعات التاريخية، الاقليمية والدولية حول لبنان وانتهائها  بالهيمنة السورية.

اضغط هنا لقراءة الفصل الأول من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”

اضغط هنا لقراءة الفصل الثاني من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”

اضغط هنا لقراءة الفصل الثالث من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”

اضغط هنا لقراءة الفصل الرابع والأخير من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”

الصراعات التاريخية، الاقليمية والدولية حول لبنان وانتهائها  بالهيمنة السورية.
لقد انتهت الحرب اللبنانية باقرار اتفاق الطائف الذي بورك اقليميا ودوليا، او تحديدا بعد قرابة السنة من اقراره وبعد فرضه على من عارضه بالقوة العسكرية السورية، ولربما استمرت الحرب الى يومنا هذا لو لم يطرأ تطور اقليمي ودولي حاسم مكن سوريا من ان تحقق اخيرا طموحها في ان تصبح هي في لبنان القوة المسيطرة المعترف بها دولياً وهذا هو ما وضع حدا للحرب.

القسم الأول : العلاقات اللبنانية السورية في سياق تطورها التاريخي.
لقد أُقِرَّ اتفاق الطائف بعد مبادرة اميركية ورعاية سعودية وترقب سوري وبعد ان اخرجت منظمة التحرير الفلسطينية من المعادلة اللبنانية كطرف له وزن في المشاركة في هذا الاقرار بعد صراع مع الاطراف الاخرى، ارتسم على امتداد خمسة عشرة سنة ؟

وبالرغم من تعدد الاطراف المشاركة الاقليمية والدولية فان للجيوبوليتك الاولوية في تحديد نتائج الانعكاسات الداخلية لهذا الاقرار وكان انعكاس اولوية الجيوبوليتيك واضح بشكل جلي، على توازن القوى الاميركية السعودية السورية التي باركت اتفاق الطائف برفض نتائج هذا الاتفاق سورياً وبالانتقال من طائف(1)  الى طائف (2)،

 طائف (1) الذي أتى بمرشح سعودي – أميركي فُرِض على السوريين وهو الرئيس رينيه معوّض.

باستشهاده،  طائف (2) أتى بمرشّح سوري فُرض على المحور السعودي – الاميركي، وهو الرئيس الياس الهراوي، ثم أعيد التوازن برئيس وزارة سعودي-أميركي.

ولقد توِّج السلام المنشود بمعاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق في ربيع 1991 وخلافا لوثيقة الوفاق الوطني التي تم الاجماع تقريبا على اقرارها والتي بوركت داخليا واقليميا ودوليا، تضاربت المواقف من هذه المعاهدة، ان لجهة المعنيين المباشرين او لجهة المواقع الاقليمية والدولية

اولا : سجلت ثلاث مواقف بارزة للاطراف المعنية مباشرة :

1-  الحكومتان اللبنانية والسورية الموقعتان اعتبرتا على لسان الرئيس السوري انهما وضعتا “اسس عهد جديد في العلاقات الودّية والتعاون الاخوي”، وعلى لسان الرئيس اللبناني، انه عمل عظيم كان يجب توقيعه قبل ذلك. ونجد في هذا الجانب ايضا فريقا لبنانيا مهما ابدى، على الاقل ظاهريا، ارتياحه.

2- اللبنانيون المعارضون لكل تدخل سوري في الشؤون اللبنانية، الذين سبق ووقعوا اتفاق الطائف فوجب عليهم تقبل ما استتبعه هذا الاتفاق. تميز هذا الفريق بالواقعية السياسية والقبول، وقد يكون حصل على تطمينات بالحفاظ على الكيان اللبناني.

3 – اللبنانيون المعارضون للمعاهدة الذين اعتبروا المعاهدة وسيلة لضم لبنان الى سوريا كان التعبير عن هذا الموقف خارج لبنان لاكثر من سبب، وفي كل الاحوال الى اي حد كان مثل هذا الامر ممكنا في الداخل ؟

ثانيا: سجلت عدة مواقف اقليمية ودولية تتابين بين المعارضة الصريحة والموافقة

1-معارضة اسرائيلية معلنة “المعاهدة تقلق اسرائيل لانها عملية خطيرة لاسرائيل” بحسب وزير دفاعها

2-اعتدال فرنسي حذر، الحكومة الفرنسية الغائبة عن تحضير المعاهدة قالت ان المهم هو  التطبيق.  بينما الرأي العام الفرنسي اعتبر المعاهدة تثبيتاً قانونياً للوصاية السورية على لبنان بنتيجة السياسة الاميركية الداعمة للدورين الاسرائيلي والسوري فيه.

3-غموض اميركي، لكن الاميركيين ما لبثوا ان اكدوا ان هيمنة سوريا على لبنان غير واردة بالنسبة لهم، وان المعاهدة ليست سوى عقدٍ نصَّ عليه اتفاق الطائف القائل باستعادة لبنان لسيادته.

4-موافقة عربية من قبل عدد من الدول العربية منفردة (المملكة العربية السعودية ومصر) كما من قبل جامعة الدول العربية ككل. يبدو ان حرب الخليج الثانية جعلت الدول العربية بعيدة عن الهم اللبناني تاركة اياه لسوريا[1] ومهما تبانيت المواقف فالنتيجة واحدة، لقد تبدل كل شيء في لبنان، واتخذت المؤسسة مساراً جديداً لقد تُرك لبنان اخيرا لسوريا وكانت هذه المعاهدة الدليل الساطع علىذلك ، وسوريا التي لم تقم سفارة لها يوما في لبنان والتي  عملت دائما على استحضار التاريخ في كل مناسبة لتؤكد اننا شعب واحد في دولتين متناسية ان الانتماء القومي العربي ليس محصورا في سوريا ولبنان فقط انما بجميع الدول العربية ومتناسية انها كانت الطرف المبادر بفسخ الوحدة (المصرية- السورية). وما لهذا التناسي من مغذى احتوائي للكيان اللبناني، كما توِّج هذا الاستحضار من خلال عنوان المعاهدة “معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق” ولسنا هنا في صدد معالجة هذا الاستحضار الذي سوف نتطرق اليه لاحقا . لقد وصلت سوريا  اخيرا الى متبغاها التاريخي في وضع يدها على لبنان كاملا ومنفردة، فتم مأسسة العلاقات وتضمنت إمكانية الغاء القوانين والانظمة التي لا تتوافق مع هذه المعاهدة، واعيد برمجة العمل والاداء المؤسساتي بما يتطابق مع المصلحة السورية وتثبيت الهيمنة وهذا ما نشهده انطلاقا من القوانين الانتخابية المعدة الى الاداء الرئاسي والحكومي والبرلماني وحتى القضائي وصولا الى المجتمع المدني من تجمعات وجمعيات وهيئات طلابية ونقابات ثم تفتيتها من دون ان ننسى محاولات الضغط على الحريات الاعلامية هذا الاعلام الحر الذي يعتبر الضامنة الاولى والاخيرة للجميع، كل ذلك يتم اختصاره بحكم الفرد وحكم الاجهزة (وهذا ما سنعود اليه لاحقا).

فما هي الظروف التي ألمّت بلبنان وادت الى الانتهاء بهذه الهيمنة السورية؟

أولاً: المحطات التاريخية الأساسية
اذا تكلمنا عن الظروف لا بدلنا من مدخل تاريخي يتضمن المحطات الاساسية التي اثرت في سياسة كل من البلدين وفي مسار علاقاتهما الثنائية، نشير الى اهمها، الاولى من 1918 حتى 1936 وهي تتميز بالتشنّج والتصلب في المواقف وبممارسة شتى انواع الضغوطات على لبنان وقد شهدت هذه الحقبة ثورات مسلحة ضد الانتداب اهمها الثورة السورية الكبرى التي استمرت من عام 1925 حتى عام 1927 والتي امتدت الى سهل البقاع وهددت المدن الساحلية اللبنانية [2]كما شهدت ولادة الدساتير وتثبيت الكيانات القائمة. أما المحطة الثانية فهي تتضمن التحول الكبير في موقف القيادات الاسلامية اللبنانية  وبالتالي في موقف سوريا من لبنان وهي تمتد من عام 1936 حتى الاستقلال، وقد شهدت ولادة الميثاق الوطني كما شهدت بعض الليونة في الموقف السوري ونوعا من الاعتراف من قبل دمشق بالكيان اللبناني.  أما المحطة الثالثة فهي محطة الاستقلال في لبنان وسوريا وقد أطلّ خلالها لبنان على العالم الخارجي بجناحيه المسلم والمسيحي، وثبّت دوره في ولادة جامعة الدول العربية التي اعطته ضمانات لحدوده وقد استطاعت القيادات الاسلامية اللبنانية وعلى رأسها رياض الصلح ان تفرض على الخارج ولاسيما على العالم العربي شخصية اسلامية لبنانية تتمتع باستقلالية في قرارها بالنسبة الى دمشق، وقد خلق كل ذلك نوعا من التنافس بين دولتي سوريا ولبنان على الساحتين العربية والدولية، في فترة كان فيها الكيان السوري ونظامه الجمهوري مهددين من قبل الامير عبد الله، الذي اطلق من عمان مشروع سوريا الكبرى ومن قبل نوري السعيد، الذي اطلق من بغداد مشروع الهلال الخصيب. عرف لبنان في تلك الحقبة استقرارا داخليا نسبيا وسوّى خلافه النقدي مع فرنسا بينما كانت سوريا تتخبط في صعوباتها الداخلية وتتعاقب فيها الانقلابات العسكرية، نتج عن كل ذلك شيئا من التوتر في العلاقات بين بيروت ودمشق أدّى الى قرار اتخذته حكومة خالد العظم في اذار 1950 من جانب واحد بقطع العلاقات الاقتصادية مع لبنان وباقفال الحدود بني البلدين اقفالا شبه كامل[3]، التغيرات في المنطقة وفي موازين القوى بين الدول الكبرى في اطار الحرب الباردة في الخمسينات وما نتج عنها من احداث، ولاسيما حلف بغداد وحرب السويس، الوحدة بين مصر وسوريا بين عامي 58-61، وصول حزب البعث الى السلطة في سوريا والعراق في 1963، حرب 1967 بين العرب واسرائيل وتداعياتها المعروفة على الصعيدين الاقليمي والدولي، الحرب في الاردن الهاشمية والمنظمات الفلسطينية في 1970-1971، مجيء الرئيس حافظ الاسد الى الحكم في 1970، تمركز المنظمات الفلسطينية في لبنان وفتح الجبهة مع اسرائيل في الجنوب في اواخر الستينات، الحرب العربية – الاسرائيلية في 1973 وما نتج عنها من اعادة خلط للاوراق على صعيد النزاع العربي – الاسرائيلي  وعلى صعيد العلاقات العربية-العربية، خصوصاً بين سوريا ومصر، الازمة السياسية بين لبنان وسوريا في 1973 التي ادت الى اغلاق سوريا حدودها مع لبنان، اندلاع الحرب في لبنان في منتصف السبعينات وتحولها خلال 15 سنة الى حروب متعددة الجنسيات والاهداف، ومشاركة سوريا في مراحلها كافة، ومنذ خروج المنظمات الفلسطينية في بيروت اثر الاجتياح الاسرائيلي في 1982، ومن ثم من طرابلس إثر الصدام العسكري السوري- الفلسطيني في 1983، باتت سوريا الطرف الخارجي الاكثر تأثيرا على الساحة اللبنانية، سياسيا وعسكريا.

وأخيراً انتهت الحرب في لبنان بوسيلة الحسم العسكري وبمشاركة الجيش السوري في العمليات العسكرية التي اطاحت بالعماد عون في 1990. حيث أنّ مؤتمر السلام وتسوية الطائف لم يتوافق عليها كل الاطراف المتحاربة ، ومنذ ذلك التاريخ، اتخذت العلاقات اللبنانية – السورية منحىً جديداً لم تعرفه من قبل : “علاقات مميزة” في المجالات كافة السياسية وغير السياسية “وحدة مسار” في سياسة لبنان الخارجية، الا انها علاقات غير متوازنة وغير متكافئة تخدم المصالح السورية على حساب المصلحة اللبنانية.[4]

لقد كان للبنان واللبنانيين حساب خاص مع القرن الذي انطوى، فحسب ما حفل به، بالنسبة اليهم، ان ربعه الاخير احتوى على قدر من الاخطار . لقد كانت حرب لبنان من اقسى الحروب الداخلية واطولها في القرن العشرين إذ لم يذكر التاريخ المعاصر ان حرباً ضاهتها بشراستها  وعنفها فهي استقرت طوال سنوات في بلد صغير الرقعة، معقد التركيب البشري، محاط بدول متصارعة فيما بينها، فتحول الى ساحات حروب استعملت فيها وسائل الدمار في الحروب المتطورة والتقليدية.

بالرغم من ان الربع الاخير من هذا القرن كان قد احتوى على قدر كبير من الاخطار الا ان الميثاق الوطني كان نقطة تحوّل من نوعية الصراع الذي انتقل من صراع حدود الى صراع وجود مضمونه التنافس لانتزاع  السلطة،  ما لبث ان توسعت دائرته لتتداخل فيه عوامل اقليمية ودولية.

فقبل الميثاق، كان صراع الحدود يدور في فلك اربعة لاعبين اساسيين :

داخلياً: المسيحيين الذين كانوا يعملون على تثبيت حدود لبنان الكبير ولم يكونوا  كتلة متراصة ذات توجه سياسي موحّد، فلقد كان هناك بعض المسيحيين، يدعون للوحدة السورية كالحزب القومي السوري.  أما المسلمين الذين كانوا يعملون على الحاق لبنان بالدولة او الدول المجاورة، كذلك لم يكونوا  كتلة متراصة اذ كانت هناك فروقات كبيرة في المواقف بين مواقف السنة والشيعة والدروز.

اقليميا : الحركة الوطنية في سوريا

دوليا : الدولة المنتدبة على سوريا ولبنان الا وهي فرنسا

أمّا بعد الميثاق، فأصبح صراع الوجود المتضمن التنافس لانتزاع السلطة، يدور في خضم الصراعات الداخليّة والاقليمية والدوليّة المتعددة.

ثانياً: العلاقات بين المسلمين والمسيحيين وتطوّر العلاقات اللبنانية السورية
لقد رأى بعض المسلمين في موقف المسيحيين عداء للعروبة وللاسلام، كما رأى بعض المسيحيين في موقف المسلمين عداء للكيان اللبناني ورغبة في تذويب الاقليات في دولة كبرى وفي الهيمنة علهيا. وفي هاتين النظرتين نوع من تشويه للحقيقة، فلقد استطاعت السلطنة العثمانية ان تقاوم نسبياً وجه الاستعمار الاوروبي، لكن الضعف كان قد دب في جسمها واصبحت تعرف بالرجل المريض، ففقدت ولاياتها الافريقية وانفصلت عنها الشعوب البلقانية مكونة دولا قومية وكانت الفكرة القومية الزاحفة من اوروبا قد توغلت داخل الولايات العثمانية الاسيوية واجتذبت اليها العرب، على الرغم من ان هؤلاء كانوا باغلبيتهم من السنة وكانوا يعتبرون الدولة العثمانية دولتهم.

ومن منطلق قومي ثار العرب على الترك بقيادة الشريف حسين آملين توحيد الاقطار العربية الآسيوية في دولة فتية تحل محل دولة بني عثمان المنهارة. لكن مخططات الحلفاء المنتصرين حالت دون ذلك، فقسمت المنطقة الى دويلات وفُصل الداخل، حيث تعيش الاكثرية السنية، عن الساحل حيث انشئت دويلات خارجة عن النفوذ السني، اي دولة العلويين (او حكومة اللاذقية) في الشمال، ودولة لبنان الكبير في الوسط ودولة فلسطين في الجنوب التي كان وعد بلفور قد اعتبرها وطناً قوميا للشعب اليهودي. هذا بالاضافة الى دولة جبل الدروز ولكن لم تكتب الحياة لاي من هذه الكيانات سوى للكيان اللبناني هكذا وجد سُنَّة المدن الساحلية في لبنان انفسهم قد فقدوا السلطة السياسية التي كانت بين ايديهم في العهد العثماني وعزلوا عن مداهم الحيوي في الداخل وهذا ما جعل زعماء السُنّة في سورية الطبيعية بكاملها يرفضون الكيان اللبناني – كما رفضوا الدولة العلوية والدولة الدرزية والدولة الفلسطينية ويعملون من اجل الوحدة دفاعا عن قناعاتهم وعن مصالحهم

كان هذا بالنسبة الى المسلمين . اما المسيحيون فموقفهم هو بحاجة ايضا الى توضيح : لقد عانت المجموعات المسيحية داخل السلطنة العثمانية في العقود الستة التي سبقت الحرب العالمية الاولى ما لم تعانه من الدول الاسلامية منذ الفتح العربي الاسلامي.كلما خسر الباب العالي جولة في صراعه مع اوروبا، كان مسلمو السلطنة يميلون الى صب غضبهم على الاقليات المسيحية، متهمين اياها بالتعاطف مع اعدائهم وبالعمل لنصرتهم. فبالاضافة الى الاحداث الدامية التي جرت عام 1860 في دمشق وفي جبل لبنان والتي خلّفت وراءها عشرات الآلاف من الضحايا والمشردين، عرفت مناطق البلقان وجزر المتوسط مذابح مروِّعة وكان آخر السلسلة التقتيل والتشريد اللذان تعرض لهما الارمن في آسيا الصغرى ابتداء من العام 1896 وحتى نهاية الحرب العالمية الاولى يضاف الى ذلك ان الاتراك فرضوا خلال تلك الحرب حصارا غذائيا على جبل لبنان الذي خسر ثلث سكانه من جراء المجاعة والمرض عندما انهارت السلطنة العثمانية عام 1918 كانت ذكرى كل هذه الاحداث ماتزال عالقة في الذاكرة الجماعية للطوائف المسيحية في كافة انحاء السلطنة، وفي لبنان بنوع خاص، كما كانت بعض المشاهد المأسوية ما تزال ماثلة للعيان[5]. كل هذا دفع المسيحيين لصياغة مبررات الانفصال، فكانت الصياغة على الشكل التالي:

  • ولمّا كان للامارة اللبنانية امتيازات وخصائص نذكر ابرزها على سبيل المثال، استمرارية الحكم الوطني في البلاد. فقد توالت على الامارة في لبنان أُسر عربية عريقة من ابنائه اقام فيه بعضها منذ القرن الثاني عشر والبعض الاخر قبل هذا التاريخ منها الامراء التنوخيون والمعنيون والشهابيون الذين انتهت بهم الامارة سنة 1842. أمّا في الولايات العثمانية الاخرى دمشق وحلب وصيدا وعكا وبغداد والموصل مثلا فقد تميزت عهود الباشوات الغرباء عن البلاد بالتبدل المستمر. ولم يذكر التاريخ خروجا عن استمرارية الحكم الوطني هذا إلاّ مرّة واحدة في عهد عمر باشا الذي عُيِّن حاكما في بيت الدين على اثر الاحداث الطائفية سنة 1841. وقد مُني حكمه بالفشل نتيجة تكتل الدوز والنصارى ضده فاضطر الباب العالي الى اعادة الحكم الوطني الى البلاد واحالة الباشا العثماني بعد اشهر قليلة من تعيينه.[6]

  • ولما كان نظام المتصرفية عقب احداث 1860 الذي اقامته الدول الخمس الكبرى آنذاك بالاتفاق مع السلطان ، قد اعطى المسيحيين في الجبل مركزاً ممتازا لاسيما ان المتصرف كان الزاميا مسيحيا من رعايا السلطان طبقا لما ورد في المادة الاولى من بروتوكول 1861-1864 [7]

  • ولما كانت اتفاقية سايكس بيكو قد وضعت الساحل السوري اللبناني مع الجبل وسهل البقاع تحت الحكم الفرنسي المباشر، ضمن المنطقة التي عرفت بالمنطقة الزرقاء.[8]

  • ولما كان لمسيحي لبنان علاقات طيبة مع فرنسا، رأى هؤلاء انه من الطبيعي ان يستفيدوا من الظروف وان يسعوا الى إيجاد كيان سياسي قابل للحياة يحافظ على المكاسب التي اعطاهم اياها نظام المتصرفية. لذا طالبوا بضم البقاع والمدن الساحلية. أي السهل والمرافئ الى الجبل وهذا ما اعتبره المسيحيون اعادة لاجزاء الى الكيان الناشئ سُلخت عنه سابقا مع نظام المتصرفية.

وفي الواقع ان الحياة المشتركة التي قامت بين المسلمين والمسيحيين والتي امتدت اربعة عشر قرناً ونيّف ، لم يسجّل التاريخ فيها طوال تلك الاحقاب الطويلة سوى احداث طائفية قليلة كان ابرزها ما جرى سنة 1841 على اثر زوال الاحتلال المصري للبلاد وما خلّفه فيها من خراب وانقسامات، وتلك التي جرت سنة 1860 وكانت سببا مباشرا لنظام التقسيم الذي اقامه سنة 1845 شكيب افندي، وزير الخارجية العثماني. وما عدا هاتين الازمتين العابرتين اللتين لم تستمرا سوى اشهر معدودة، لا يذكر التاريخ طوال الف واربعماية عام ما يشوب العلاقات الاسلامية المسيحية في هذه البلاد مما يسيء اليها كما جرى في البلدان الاخرى.[9]

وفي الحقيقة انه لا يمكننا الكلام عن تطور العلاقات اللبنانية السورية الا من خلال مواقف القيادات الاسلامية في المناطق التي أُلحقت بالمتصرفية فلقد ناضل مسيحيو هذه المناطق من اجل قيام لبنان الكبير نذكر على سبيل المثال المطران كيرلّس مغبغب، مطران زحلة للروم الكاثوليك والبطريرك فيما بعد الذي شارك في الوفد اللبناني الثاني الى مؤتمر الصلح وفي مقابل هذا الموقف المسيحي تطورت العلاقات اللبنانية-السورية من خلال مواقف القيادات الاسلامية في تلك المناطق.فعلى قدر ما كانت هذه القيادات تتصدى للكيان الجديد على قدر ما كان مؤيدو هذا الكيان يرتمون في احضان فرنسا مستمدين منها الدعم وعلى قدر ما كان المسؤولون في دمشق يتصلبون في تعاطيهم مع اللبنانيين والعكس هو صحيح اي انه عندما اخذت تلك القيادات تتقبل فكرة لبنان الكبير، أُرغمت حكومة دمشق على التمثُّل بها وشُجّع المسيحيون على الابتعاد شيئا فشيئا عن فرنسا وعلى التقرب اكثر فأكثر من الدول العربية. [10]

هنا تجدر الاشارة الى موقف كاظم الصلح الذي مُنِع هو ورفاقه من اعطاء رأيهم والذي رفض مع عادل عسيران وشفيق لطفي التوقيع على المذكرة المرفوعة الى المفوض السامي وكانت كخلاصة لمقررات مؤتمر الساحل الثاني حيثُ أكّد فيها دعاة الوحدة السورية على السيادة والحرية والوحدة الشاملة.[11]

فجاء موقف كاظم الصلح ورفاقه في مقال عُرض في الصحف في اليوم التالي عنوانه “مشكلة الاتصال والانفصال في لبنان” أكّد فيه ان خياره وخيار رفاقه يبقى الوحدة، لكن الاصرار على فصل الاقضية الاربعة والمنطقة الساحلية عن الجبل سيؤدي حتما الى ارتماء لبنان الصغير في احضان فرنسا ثم يضيف الصلح : ” نحن لا نريد ان نبني وطناً نصف سكانه اعداء له. وبكلمة اخرى لا نريد ان يرغم ارغاما فريق كبير من سكان الساحل على الانضمام الى سوريا وطن الوحدة. فمن الخرق ان تُجدد التجرية التي حصلت في لبنان الكبير فجعلت نصف سكانه اعداء له. بل نريد اذا كان لا بد من انضمام الى الوطن السوري ان يتم ذلك بالاتفاق والتراضي والاقناع والايمان بان هذا كان لخير الجميع لا لخير فريق واحد.[12]

ويضيف الصلح : ” لست ارى من الكوارث الكبرى ان يظل لبنان على شكله الحالي الى الاجل الذي يريد (على فرض انه متحرر من السيطرة الاجنبية)، شريطة ان يعتنق منذ اليوم الفكرة والقومية العربيتين. فان انفصاله عن سوريا الكبرى العربية هو عندي كانفصال سورية العربية عن العراق العربي. اي انني لا اجد من الانفصال بأساً مادامت تلك القومية تترعرع وتصان في كل قطر الى ان تثبت لهذه الاقطار مصلحتها في الاتحاد فتتحد.” [13]

يعبّر بيان كاظم الصلح عن تحوّل جذري في نظرة العديد من القادة المسلمين الى الكيان اللبناني، وقد كان له وقع كبير في نفوس الناس حتى ان عددا من اصدقاء الصلح اعادوا نشر هذا البيان في نيسان 1937 في كراس صغير من 16 صفحة بعد ان وضعوا له مقدمة جاء فيها :

“فلم نجد شيئا افضل مما قلت ايها الوطني ولا مسلكا اصوب مما سلكت ان بيانك الذي نشرته ذات يوم في صحافة بيروت لم يعد بيانك، بل اصبح بيان الشباب، اصبح دستورا لهم ويريدون بعد هذا ان يصبح دستور الشعب. [14]

هذه التحولات في مواقف اللاعبين على الساحة اللبنانية وخصوصا تحول مواقف الكتلة الوطنية السورية بعد ان وقّعت سوريا معاهدتها مع فرنسا وامتنعت عن مد الدعم لبعض القيادات الاسلامية اللبنانية من دعاة الوحدة في بيروت وطرابلس فأعتبر موقفها من خلال هذا التوقيع قبولا ضمنيا بحدود لبنان كما رسمها الجنرال غورو عام 1920 وتراجعوا بالتالي عن مطالبتهم بضم الاقضية الاربعة والمدن الساحلية الى سورية.

هذه التحولات الكبرى في المواقف شكّلت الاسس التي قام عليها الميثاق الوطني والتي تتخلص بابتعاد المسيحيين عن فرنسا وتقربهم من العالم العربي وبتخلي مسلمي لبنان وبالتالي السوريين عن المطالبة بضم الاقضية الاربعة والمدن الساحلية الملحقة بالمتصرفية الى سوريا.

وقد حدد بشارة الخوري الميثاق الوطني كما يلي : ” وما الميثاق الوطني سوى اتفاق العنصرين اللذين يتألف منهما الوطن اللبناني على انصهار نزعاتهما في عقيدة واحدة: استقلال لبنان التام الناجز دون الالتجاء الى حماية من الغرب ولا الى وحدة او اتحاد مع الشرق”.[15]

لقد فقدت الكتلة الوطنية في سورية الكثير من شعبيتها نتيجة  لتلكؤ البرلمان الفرنسي عن المصادقة على معاهدة 1936 يضاف الى ذلك انها لم تستطع ان تمنع الحاق لواء الاسكندرونة بتركيا عـام 1939[16] اما الزعماء المسلمون في لبنان وعلى راسهم رياض الصلح، فقد عملوا بوفاء تام لتطبيق مبادئ الميثاق الوطني على الرغم من الانتقادات والضغوطات التي كانوا يتعرضون لها بين الحين والاخر. لقد دافعوا عن الكيان اللبناني وتصدوا لمشاريع الدمج التي كانت متداولة خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، منها مشروع سورية الكبرى الذي اطلقه الامير عبد الله من عمان ومشروع الهلال الخصيب الذي اطلقه نوري السعيد من بغداد، ومشروع الوحدة الكونفدرالية بين لبنان وفلسطين الذي عملت له بعض الاوساط الاميركية.[17]

القسم الثاني: الصراع على السلطة في خضم الصراعات الداخليّة والاقليمية والدوليّة
لقد كانت مرحلة الانتداب مرحلة بناء المؤسسات، ومرحلة التقارب بين الطوائف، ومرحلة بروز الشخصية اللبنانية بوجهيها المسيحي والمسلم. تُشكِّل سنة 1936 مفصلا اساسيا في هذه المرحلة لانها شهدت تحولا نوعيا في موقف الزعامات الاسلامية من لبنان، ومنها انطلق الميثاق الوطني الذي تجسد عام 1943 باتفاق اوسع ضم عددا من القيادات المسيحية والاسلامية وعلى رأسها بشارة الخوري ورياض الصلح. لقد تناولنا ما قبل الميثاق وما بعده  لتقصي بذور الخلاف قبل وبعد الميثاق هذه البذور التي جعلت من لبنان ارضا خصبة للصراعات ومهدت لانفجار الحرب الاهلية اللبنانية، هذه الحرب التي ما لبثت ان توسعت وخرجت عن نطاق السيطرة ولم تعد حرباً اهلية بل باتت لعبة تداخلت فيها العوامل الاقليمية والدولية. لقد انطلق الميثاق وتجدد معه الصراع على السلطة بين اللاعبين، فبرز الصراع:

الصراع اللبناني – اللبناني

الصراع اللبناني الاميركي _ اللبناني المصري

الصراع اللبناني _ اللبناني الفلسطيني السوري

الصراع اللبناني السوري _ اللبناني الفلسطيني

الصراع اللبناني اليميني _ السوري

الصراع اللبناني اليميني الاسرائيلي _ السوري (حرب زحلة )

الصراع الاسرائيلي _ الفلسطيني السوري (الاجتياح)

الصراع الاسرائيلي _ السوري  والتنافس داخل كل منطقة وحتى المواجهة الأخيرة،

وما رافق هذه الصراعات من صراع اميركي سوفياتي.

دقّت ساعة الحرب البادرة بين الشرق والغرب، وحل عقد الاحلاف وعصر الانحياز وعدم الانحياز، حلف بغداد وحزام الدفاع الانكليزي الاخير، التغلغل السوفياتي وتموين السد العالي وتموين الجيوش بالعتاد والزخائر وحتى العقائد، حرب السويس، وغياب الامبراطورية البريطانية، مبدأ ابزنهاور وبناء مداميك النفوذ الاميركي على اطلال الارث البريطاني والفرنسي، لعبةٌ عصفت بالشرق الاوسط، ليدخل لبنان الوطن الصغير زمن السياسات الكبيرة.

أولاً: الصراع اللبناني – اللبناني
ان الصراع اللبناني- اللبناني تجلى من خلال عدم رضى بعض اللبنانيين عن مبادئ الميثاق الوطني.  لقد اتفق الرئيس بشارةالخوري مع رياض الصلح علىصيغة تراعي الحساسيات الطائفية في البلاد، على ان تكون رئاسة الجمهورية للموارنة ورئاسة مجلس النواب للمسلمين الشيعة ورئاسة مجلس الوزراء للمسلمين السنة، وطالت التعيينات الموزّعة طائفيا معظم الوظائف الحكومية الرئيسية في البلاد. عُرف اتفاق الخوري الصلح بالميثاق الوطني وكان اتفاقا لم يدون على ورق، وهكذا تأسس لبنان كما نعرفه اليوم بصيغة تسوية طائفية شفهية مؤقتة الا ان هذه الصيغة كانت عُرضة للانتقاد خصوصا ان صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني كانت واسعة جدا ولم تستطع ان ترضي طموح العديد من اللبنانيين مما جعل البعض يصب غضبه على الامتيازات المارونية ويسعى الى وضع حد لهذه الامتيازات وكان من ابرز الغاضبين الزعيم الدرزي كمال جنبلاط : ” فلبنان اليوم بالنسبة للماروني المسيحي هو لبنانه، اي حيث له دولة في المشرق، اما المسلم الملتزم بعروبته، المتنـزّلة اليه من تراث حكم الخلافة الاسلامية العربية، ليس بلبنانه وبوطنه المعنوي، بل يذهب به الشوق الباطن، ويدور به الالتفاف العقلي، الى لبنان امارات اللخميين والتنوخيين والمعنيين والشهابيين وحيال توجه الانعزالي بتكريمه للامير بشير الثاني، المتنصّر سراً واول من حاول تأسيس الدولة المسيحية الطائفية وخطط لارتباطها مع الغرب، فإن المواطن العروبي لا يشعر بأي انجذاب لهذا الشعار بل يعتبره تخيّلا دخيلا ًعلى قوميته الاصلية وما من احد قاس العذاب من هذا الانفصام في الكينونة اللبنانية كما قاسيناه.”[18] لقد كان الزعيم الدرزي كمال جنبلاط يشعر بالغضب والعذاب، لان المسيحيين حصلوا على امتياز حكم البلاد بواسطة رئيس الجمهورية ويتابع قائلا: ” وبالحقيقة كان سبب قيام لبنان الكبير، اي لبنان بحدوده الحالية – للتمييز بينه وبين سنجق او متصرفية جبل لبنان السابق العهد – انشاء دولة ذات طابع مسيحي على هذا الساحل، الذي كان يشكل عبر التاريخ، جزءا من سوريا الطبيعية.[19] وكان قيام هذه الدولة يستهدف بشكل خاص طائفة الموارنة الرئيسية التي تربطها بفرنسا علاقات من الود والتعاون تقليدية، تعود الى عدة قرون في التاريخ. وطبعا كان لحصول الموارنة، في عهد الانتداب على امتياز حكم البلاد بواسطة رئاسة الجمهورية والوظائف الادارية والعسكرية والقضائية الرئيسية، وكذلك فرض نسبة الاكثرية في المجلس النيابي، خلافا للعدد الديموغرافي ولنسبة المسلمين للنصارى في البلاد، كان لذلك اثر في جعل المسلمين يشعرون وكأنهم غلبوا على امرهم، واذعنوا لمشيئة غيرهم، وضاعت عليهم بعض حقوق الحكم الرئيسية خاصة وان المسلمين (من دروز وسُنّة) هم الذين تولوا حكم البلاد في عهد الامارات العربية التي قامت على هذه الشواطئ لاكثر من الف سنة من التاريخ اي منذ عهد الفتح العربي او بالتخصيص منذ عهد الخليفة ابي جعفر المنصور”[20] بالمختصر انه يريد تغيير المعادلات الطائفية والنظام السياسي فهو يتمرد بوصفه درزيا على ما يسميه ” بالامتيازات المارونية” ويثور على خمول السُنّة والشيعة. يطمح الى رئاسة الجمهورية المكرّسة عرفا للموارنة الا انه قد يرضى برئاسة الحكومة المخصصة للسُنّة اذا ما فاتته الرئاسة الاولى. لكن النظام اللبناني لا يسمح له بأن يطالب بالنسبة الى انتمائه الطائفي بأكثر من منصب وزاري يحتقره ويعتبره لا يليق به فهو يشعر انه يفوق اي ماروني كان وحتى جميع السنّة والشيعة مجتمعين فالواقع القائم يصدم طموحاته. انه سجين “التركيبة اللبنانية” التي ما انفك يعارضها حتى بالسلاح اذا دعت الحاجة : انه المعارض الدائم. لقد اصطدم بستة رؤساء للجمهورية منذ 1943 ساهم عام 1952 في اسقاط بشارة الخوري اول رئيس لدولة الاستقلال وقاد عام 1958 عصيانا مسلحا ضد كميل شمعون وخاض حربا طاحنة بوجه سليمان فرنجية منذ 1975 لم يتعاون الا مع العهد الشهابي ما بين 1958 و 1964 وقد فاجأ ذات يوم صحفيا سأله اذا كان قرر ان يمشي مع فؤاد شهاب فأجابه ضاحكا : ” ان فؤاد شهاب هو الذي يمشي معي”. [21]

لم يستطع الزعيم الدرزي، مُحطم الرؤساء والحكومات، الطموح الى تأليف حكومة او الى ان ينتخب رئيسا للجمهورية ولومرَة واحدة. فهل هذا اجحاف نظام ام طموح لا محدود يطغى على نفس رجل ؟ . والواقع ان الاطار الدرزي كان ضيقا عليه وكان يدعو الى العلمنة لوضع حد للامتيازات المارونية، واكد رفضه تكريس دستورية الرئاسات الثلاث الموزعة عرفا منذ 1943 على الطوائف، هذا الرفض كان دائما محدودا ومحصورا ضمن لعبة السياسات الكبرى، هذه السياسات التي كانت كوثبة وبنفس الوقت ككابح لطموحاته الكبيرة، كوثبة من خلال استغلال بعض الظروف للانقضاض  على السلطة القائمة محاولا فرض شروطه، وككابح يضع له سقفا لغاياته لا يستطيع تجاوزه. وهذا ما حصل عام 1952 وعلى اثر الثورة البيضاء التي اطاحت بالرئيس بشارة الخوري ووصول الرئيس كميل شمعون الى الحكم، حيث سُجّلت لكمال جنبلاط محاولة فرض حكومة على الرئيس شمعون مؤلفة من الجبهة الاشتراكية على ان تبدأ هذه الحكومة بتنفيذ برنامج الجهة الاصلاحي وطبعا هذا الفرض اصطدم بالتزامات الرئيس شمعون الداخلية والخارجية والذي حصل انه منذ العام 1947، وعلى اثر استقالة كمال جنبلاط وكميل شمعون من الحكومة اعتراضاً على نتائج الانتخابات النيابية، واصفين اياها بالمزورة، تمّ التقارب بين الرئيس شمعون والمعارضة لينتقد شمعون عام 1948 حكومة رياض الصلح ولينتقد الدول العربية التي اتهمها بالتخاذل تجاه الموضوع الفلسطيني ولينضم الى صفوفها (صفوف المعارضة) بعد تعديل الدستور في 22 ايار 1948 الذي يهدف الى تجديد رئاسة بشارة الخوري، وليشكل مع كمال جنبلاط وهنري فرعون والفرد نقاش وعبد الحميد كرامي نواة معارضة قويه للرئيس بشارة الخوري وليخوض انتخابات 1951 النيابية حيث فازت المعارضة بمقاعد اضافية ثم توسعت هذه المعارضة لتشمل ريمون إده وكتائب بيار الجميل، لقد كانت تشكيلة وطنية وغير طائفية اجمعت على الاطاحة بالرئيس بشارة الخوري ولكن هذا الاجماع كان ينطلق من خلفيات متناقضة داخلية وتدور في فلك سيناريو سياسي يتعدى اجماعها واهدافها، سيناريو يتضمن مسلسل تغيري في كل الانظمة العربية واعادة تشكيلها بنواة موالية للغرب.

لقد دق ناقوس الخطر من ايران، الحزام الامني المتقدم للغرب على حدود الاتحاد السوفياتي، ارسلت حركة مُصدّق ضد الشاه اول اشارة الى اميركا وبريطانيا عن خطر امتداد يد جوزف ستالين الى خليج النفط وشط العرب، لذلك اسرعت حكومة لندن لتسويق مشروع معاهدة للدفاع المشترك عن الشرق الاوسط من حدود باكستان الى تخوم مصر.

وفي بداية العام 1952 واواخر العام 1951 تكررت الزيارات والضغوط البريطانية والاميركية لدخول الرئيس بشارة الخوري بتحالفات عسكرية تنطوي ضمن المشاريع العسكرية البريطانية – الاميركية.

ولقد دفع الرئيس بشارة الخوري ثمن رفضه لهذه المشاريع، وذكر لاحقا ان جريمته الاولى هي “وضع الميثاق” وكان جزاءه الاعتقال وجريمته الثانية كانت برفضه للتحالفات العسكرية وكان القصاص ابعاده عن الحكم، لقد ارادت بريطانيا تغيير الانظمة الوطنية وارادت ان تحل محلها انظمة اقرب الى الغرب والى مشاريعه ففي 15 تموز 1952 عاد كميل شمعون من لندن واستعاد نبرته العالية ضد الحكم والحكومة، وبعد اسبوع كانت ثورة الضباط الاحرار في مصر حيث خرجت الدبابات من الثكنات وسلكوا الشوارع الى قصر عابدين ومبنى الاذاعة (حيث اعلنوا الثورة) واجبرت الثورة الملك فاروق على التنازل المبكر قبل الابعاد الى ايطاليا0 الملك فاروق والملك عبد الله والرئيس شكري القوتلي ومجموعة اخرى من الاسماء التي احتلت المنابر وقبضت على المصائر منذ الثورة العربية الكبرى انتقلت الى صفحات التاريخ.

تشجّع اركان المعارضة في لبنان فدعوا الى مهرجان في 17 آب 1952 في بلدة كميل شمعون في دير القمر، ثم نظموا في ايلول حملة اضرابات كان عنوانها “الاضراب مستمر حتى سقوط الطاغية” وقد سرت اشاعات تتضمن بأن المعارضة تريد الاتيان برئيس جمهورية غير ماروني فكان الردّ من المعارضة برمي مناشير تقول : ” نحن نتعهد بالحفاظ على رئاسة الجمهورية للموارنة” فزاد عليها كمال جنبلاط بخط يده “لهذه المرة” ذلك في مرحلة اعداد المنشور ولكن بعد تدخل اميل البستاني وكميل شمعون عاد فحذفها. [22]

وفي الثامن عشر من ايلول عام 1952 في المقر الرئاسي في عاليه كتب الرئيس بشارة الخوري استقالته.  إن أزمة 1952 وهي بطبيعتها سياسية، ناتجة من سياسة الفساد وتراجع التأييد الشعبي وانحسار قاعدة السلطة لحكم الرئيس الخوري، هذه الازمة لا يمكن ردّها الى عملية الخلافات الاجتماعية.[23]

لقد كان هدف المعارضة بشكل عام هدفا سياسيا مقرون ببرنامج تغيير في الحكم، وليس في نظام الحكم كما حاول كمال جنبلاط ان يمرّره او على الاقل ان يعكس طموحه في تغيير النظام عبر اضافته لـ عبارة “لهذه المرة”.

وفي الواقع لم يستطع ان يمرر حتى البرنامج الاصلاحي الذي حاول ان يفرضه على الرئيس كميل شمعون فكان هذا سبب لقطيعة بينهما دامت وقتا طويلا اذ بالرغم من دعم الجهة الاشتراكية للرئيس شمعون في انتخابه رئيسا للجمهورية فإن الذي رجّح هذا الانتخاب كان دعم البيارتة والطرابلسية له ولم يلتزم الرئيس شمعون ببرنامج الجبهة الاشتراكية.

لقد كانت دعوة جنبلاط الدائمة الى العلمنة في وطن الطوائف اشبه بالحكم المدُمّر الخائب. لقد استطاع ان يجمع حوله اليسار اللبناني فاصبح زعيمه وكان في مواجهة دائمة مع الحكم منذ مطلع الاستقلال. هذا العناد والثبات في محاربة الصيغة جعل الر ئيس شمعون فيما بعد ينقد ايضاً هذه الصيغة ويدعو الى استبدالها بالفيدرالية لكي تحكم كل فئة نفسها، على كلٍ هذه المنافسة التي بدأت مع الصيغة شكلت بذرة من بذور اندلاع الحرب الاهلية.

ثانياً: الصراع  (اللبناني المصري – اللبناني الاميركي)
أجبرت باريس عام 1943 على منح لبنان اسقتلاله نتيجة نزعة اللبنانيين الاستقلالية تدعمها حكومة ونستون تشرشل. واختارت النخبة الاستقلالية اللبنانية معادلة اللاشرق واللاغرب نقطة لقاء في الوسط بين المسيحيين المشدودين الى الحاضنة التاريخية فرنسا، والمسلمين المنجذبين الى حافظة العروبة سوريا، هذه النزعة الاستقلالية التي انبثق عنها الميثاق الوطني لم تلغ واقع بيروت المُشرَّعة للاخطار باستمرار، والتي تهددت مع هدير الناصرية واستفاقة حلم القومية العربية والوحدة المصرية السورية، ففي مواجهة بحر عربي هادر اسمه جمال عبد الناصر، وقف الحكم في لبنان في خندق الغرب وحلفائه من العرب تحت سقف مبدأ أيزنـهاور، وانطلق المسيحيون الذين راحوا يدارون مخاوفهم القديمة بالمزيد من الاتجاه غربا مقابل اغلبية المسلمين الذين اختاروا مداواة مطالبهم بالانحياز شرقا فأهتزت دولة اللاشرق واللاغرب وانقسمت بيروت الى شرقية اتُّهمت بالانعزالية، وغربية تبايع عبد الناصر، فتصدَّعت الوحدة اللبنانية، شرقية وغربية في بيروت، شرقية تبايع غربا اميركيا، وغربية تنحاز لشرق سوفياتي يتماهى خلف عبد الناصر. لقد كانت حرب باردة بين شرق وغرب وكانت حرب دامية بين شرقية وغربية.

وبمحاولة لاحتواء الشيوعية اطلق الرئيس الاميركي هاري ترومان برنامج المساعدات الاقتصادية للبلدان النامية، وكان هذا البرنامج النقطة الرابعة في خطة محاصرة الاتحاد السوفياتي.كما استنفرت بريطانيا وارسلت في تشرين 1951 بالاتفاق مع واشنطن وباريس وانقره مقترحات الى لبنان والعراق واليمن والمملكة العربية السعودية والاردن واسرائيل، لاشراك هذه الدول في تدابير الدفاع عن الشرق الاوسط امام المد السوفياتي والشيوعي وفي هذا الجو المحموم صعد كميل شمعون الى المركز الاول في لبنان.وفي تشرين الاول 1952 طلب شمعون من القائم بالاعمال الاميركية الاستفادة من مساعدات النقطة الرابعة وفي المقابل اكد له بان لبنان سيكون الى جانب الغرب اذا تطور الامر الى حرب مع السوفيات.

 وفي تلك الاثناء كانت ثورة الضباط الاحرار تتلمس الاشهر الاولى في الحكم بعد اطاحة الملك فاروق وكان اللواء محمد نجيب يتصدّر صورة مجلس قيادة الثورة. وفي 2 نيسان 1945كانت واشنطن قد رعت معاهدة صداقة وتعاون بين تركيا وباكستان شكلت الحجر الاساسي لما عرف لاحقا بحلف بغداد بعدما انضم العراق اليه. وحسم عبد الناصر الصراع في مصر في 14 تشرين الثاني 1954 ونحّى محمد نجيب وقبض على السلطة وبعد أيام حقق اول انجاز في مسيرة انجازاته، اذ وقعت مصر وانكلترا في 19 تشرين الثاني 1954 معاهدة اجلاء القوات البريطانية عن قناة السويس. اعتقد الغرب ان المعاهدة تجعل عبد الناصر اكثر استعداد لقبول فكرة اقامة منظمة دفاعية للمنطقة في وجه الاتحاد السوفياتي تشمل تركيا والعراق وباكستان وايران بعد عودة الشاه محمد رضى بهلوي الى العرش فيها بانقلاب سهلته المخابرات المركزية الاميركية، أنزل مصدّق من مرتبة الحاكم الثوري الى محكوم متهم بخيانة الامبراطور. لكن عبد الناصر اعتبر ان خطر الصهيونية اكبر من خطر الشيوعية وانه يفضل تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك المعقودة سنة 1950 بدلا من سياسة الاحلاف. سنة 1955 وقّعت تركيا والعراق على ما عرف بميثاق حلف بغداد، وجاء اول رد فعل عربي على قيام حلف بغداد من مصر التي اعلنت معارضتها لأي تحالف خارج اطار جامعة الدول العربية. بينما كان الرئيس شمعون يميل ضمنا الى المعسكر الغربي، الا انه رفض دعوة وجهتها تركيا للبنان لدخول حلف بغداد وكذلك رفضت بيروت الانخراط في حلف الدفاع العربي الذي رعته مصر وانضمت اليه المملكة العربية السعودية وسوريا كبديل لحلف بغداد.

وانقسم العالم العربي فيما سارت التظاهرات الصاخبة في بيروت داعية الرئيس شمعون الى اعلان واضح برفض حلف بغداد وتأييد الائتلاف المصري السوري السعودي، لمواجهة تركيا والعراق. وبدأت الرياح تعصف حول لبنان، فمن سوريا التي كانت تتخبط بانقلاباتها العسكرية كانت تسلل الى الجمهورية اللبنانية بعض المتاعب فأديب الشيشكلي الذي عرفه الرئيس شمعون والتقى معه على معاداة الشيوعية، انتصر عليه خصومه في شباط 1955، فلجأ الى لبنان واثارمشكلة للحكومة اللبنانية قبل ان يُهرّب الى اوروبا فأميركا اللاتينية. وكان عبد الناصر يرى في الرئيس شمعون امتدادا للهاشميين في الاردن والعراق وقد عبر عن رغبته للرئيس سامي الصلح باختصار ولاية الرئيس كميل شمعون واعادة بشارة الخوري الى الحكم او انتخاب اللواء فؤاد شهاب.[24] الا ان اقوى رسالة ارسلها عبد الناصر كانت الاستقبال الحار للوزير حميد فرنجية المنافس القديم لكميل شمعون حيث اعدّ الزعيم المصري لفرنجية برنامجا مميزا خاص بالرؤساء. كما استقطبت القاهرة ايضا كمال جنبلاط الذي تلاقى وعبد الناصر على محاربة حلف بغداد وكل الاحلاف ولقد ذكر جنبلاط لاحقا ان عبد الناصر كان يميز بين مفهومين للعروبة: مفهوم العروبة المتحررة ذات الاهداف الجلية والمقاصد الخالصة وهي عروبة فاعلة ناهضة من تاريخ العرب ومن ترابهم، ومفهوم العروبة الملتوية السالكة طريق الرجعية والطائفية السياسية (التعصب الطائفي او المذهبي والمتوجهة بوحي النفوذ الاجنبي واحلافه ومشاريعه، “وانه لا خير في هذه العروبة الاخيرة، انما هي خدعة للشعوب وملهاة  لآمالها وتحريف لتوقها” ويتابع جنبلاط :

اما مسقط العروبة فيك وهو الوجه الاخر لقبلتك فهو القومية العربية تبنيتها مخلصا واعطيتها نشوة حياتك ووضتعها في وجهتها ومسارها، ووضعت مصر في نطاقها ومحورها”.[25]. وبعد هذا الاستقطاب المصري لقوى لبنانية اخذت الدعوة الى القومية العربية تثير حساسية المؤمنين بالخصوصية اللبنانية ضمن المحيط العربي خصوصا وان كتاب عبد الناصر ” فلسفة الثورة” تناول الحديث عن المدى الحيوي لمصر، أفريقياً وعربياً واسلامياً وتضمن نوايا توسعيّة.

اندلعت الحرب عام 1956 عندما أمم جمال عبد الناصر قناة السويس، وثارت ثائرة بريطانيا وفرنسا وما لبثتا ان اعلنتا الحرب عليه تشاركهما اسرائيل، حاول الرئيس شمعون في هذه الفترة ان يلعب دورا توفيقيا فدعا الى اجتماع طارئ للدول العربية في بيروت عقب انسحاب القوات الاسرائيلية والفرنسية والانكليزية من الاراضي المصرية. ولكن ما فُسِّر بمهارة شمعون بالتعامل مع الازمة قوبل بمعارضة المسلمين الذي لم يرق لهم رفضه قطع العلاقات مع لندن وباريس. فقبيل انتهاء المؤتمر فوجئ الرئيس شمعون برئيس الحكومة عبدالله اليافي ووزير الدولة صائب سلام يلحان بقطع العلاقات مع لندن وباريس والا قدّما استقالتهما، وبعد تدخل الملك سعود بن عبد العزيز والرئيس السوري شكري القوتلي بدا ان الموضوع قد طوي، الا ان الزعيمين البيروتيين استقالا في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1956 وسلكا طريق القاهرة وفتحت طريق الازمات امام ما تبقى من ولاية الرئيس شمعون اما عبد الناصر فقد خرج من هذه الازمة منتصرا ووجدت بعض الدول العربية في شعبيته المتزايدة تهديدا لانظمة لا تشاركه المسلك الوحدوي الذي بدأ يدعو اليه ويلتزم به اكثر فأكثر. كان السفير المصري في بيروت عبد الحميد غالب يستقطب المعارضين للرئيس شمعون وبدا ان حرب السويس اندلعت نتائجها في لبنان. وقد راح المعارضون للرئيس شمعون يتهمونه بالانسلاخ عن العالم العربي واخذت الخلافات السياسية ترتدي لباسا طائفيا.

فلم يقتصر الخلاف بين اللبنانيين على السياسة الخارجية، فلقد تحول الخلاف الى اتهامات متبادلة بنقض الميثاق الوطني، فالمعارضون اتهموا الرئيس شمعون بنقض الميثاق والانحياز غربا والموالون للرئيس اتهموا المعارضة ايضا بنقض الميثاق وذلك برفع شعارات الوحدة مع عبد الناصر هذا بالاضافة الى اختلاف وجهات النظر الاقتصادية بين اليمين الليبرالي واليسار الاشتراكي. في هذا الجو المتوتر ألّف سامي الصلح حكومة وتولى شارل مالك وزارة الخارجية فلم يعد من شك لدى المعارضة ان التوجه في السياسة الخارجية للبنان، هو توجه غربي. قدم الرئيس الاميركي وايت ايزنـهاور سلسلة اجراءات تسمح لاميركا بالتدخل عسكريا الى جانب اي دولة تطلب منها ذلك لمواجهة النفوذ السوفياتي، وبينما وقفت المعارضة في لبنان ضد مبداء ابزنهاور، صدر بلاغ لبناني اميركي مشترك في السادس عشر من اذار 1957 اعلن لبنان من خلاله قبول مشروع ايزنهاور، فقد اعتبر الرئيس شمعون الذي اخذت طروحات الرئيس المصري تثير قلقه، ان هذا الميثاق اعطى ضمانات لاستقلال لبنان لا يمكن ان توفرها الامم المتحدة. [26]

وفي ذلك الوقت كان الرئيس عبد الناصر يعمل باتجاه معاكس لتقويض حلف بغداد. فاستمال مؤقتا الملك سعود على خلفية الحساسية التاريخية بين السعوديين والهاشميين في العراق، واستقطب الملك حسين لعزل عمان عن بغداد وكذلك الرئيس شكري القوتلي لاحتواء سوريا التي كانت تهددها تركيا ويطمع فيها العراق وانتهى اجتماع الاقطاب الاربعة في القاهرة في التاسع عشر من كانون الثاني 1957، بإقناع الملك حسين بنقص معاهدة الصداقة مع بريطانيا مقابل مساعدات مالية سخية للاردن.

وفي المقابل سعى الرئيس شمعون لحماية الاتفاق اللبناني الاميركي من خلال خلق محور عربي قوي، فزار بغداد طارحا تخفيف العداء مع الرياض والذي كانت تعذية العواطف السلبية للامير عبد الاله خال الملك فيصل وحسابات رئيس الوزراء النافذ نوري السعيد. ثم انتقل شمعون الى السعودية حاملا مسعاه التوفيقي وصدر بيان رسمي عن محادثاته مع الملك سعود دعا فيه الى مكافحة الشيوعية بكل وسيلة حيوية، وشعر الرئيس اللبناني انه نجح خصوصا ان الرئيس ايزنـهاور استطاع استعادة كسب تأييد الملك سعود خلال لقاء بينهما في واشنطن.  عند عودة شمعون الى بيروت، واجه مأزقاً، فقد تعرضت حكومة الرئيس سامي الصلح في نسيان 1957 لحملة احتجاج قاسية في مجلس النواب عند طرح التصديق على البيان اللبناني – الاميركي، ومبدأ ايزنـهاور. واتخذ المعارضون ذريعة مناهضة السياسة الخارجية لشمعون للتصعيد على عتبة الانتخابات النيابية، فاستقال من المجلس النيابي احتجاجا حميد فرنجية، احمد الاسعد، صبري حمادة، عبد الله البافي ورشيد كرامي، وعبد الله الحاج. ولكن الرئيس شمعون رفض المساومة على تسوية مع المعارضين للتخلي عن  مبدأ ايزنهاور وتعديل تقسيم الدوائر الانتخابية ووقعت المواجهة الاولى في 30 ايار 1957 في الطريق الجديدة في يوم الاضراب والتظاهر التي دعت اليه المعارضة. ولكن المجلس الذي كان مواليا للرئيس شمعون أقرّ قانون الانتخاب التي تقدمت به الحكومة فكان نتيجة هذا ان سقط معظم اقطاب المعارضة. وقد بدت انتخابات حزيران 1957 مواجهة شرسة بين كميل شمعون ومعارضيه، وقيل ان الدوائر الاميركية لعبت عبر موظفين في السفارة في بيروت دورا اساسيا في توفير الدعم المالي والسياسي للمرشحين الموالين في مقابل عمل دؤوب قام به السفير المصري في خدمة المعارضين ولكن مع سقوط المعارضة تعالت الاصوات التي اتهمت الحكومة بالغش والتزوير كما اتهمت الرئيس شمعون بالسعي الى تعديل الدستور للتمكن من الترشح لولاية رئاسية جديدة اثر انتهاء ولايته سنة 1958 وهكذا انتقلت المعارضة البرلمانية التي لم تستطع الوصول الى البرلمان الى معارضة شعبية واسعة تنامت ضد الرئيس شمعون وحصلت مظاهرات مناوئة للحكومة اتسمت في احيان كثيرة بالعنف وظهرت بدايات انزلاق الوطن نحو الكارثة، حيث نال المعارضون دعم دمشق، وتولى مدير المخابرات السورية المتحمس لعبد الناصر العقيد عبد الحميد السراج ومساعده برهان ادهم تنسيق الخطط لتقويض نفوذ الرئيس شمعون.

بدأ التدخل السوري بسلسلة من العبوات الناسفة، ثم بدأ تسلل المسلحين عبر الحدود  وفي نهاية صيف 1957 مصر والاردن إفترقا من جديد بعد المؤامرة الفاشلة للاطاحة بالعرش، والملك سعود ابتعد عن القاهرة وسلك طريق بغداد. ومع بروز الشيوعيين في دمشق وتوقيع اتفاقات التعاون مع السوفيات بدا ان سوريا تتحول الى منصة سياسية وعسكرية للاتحاد السوفياتي. فأقترب الخطر من لبنان وفي هذا الجو المنذر بالانفجار طلب وزير الخارجية الاميركية جون فوستر دالاس من رئيس هيئة الاركان المشتركة اعداد خطة مبدئية لتدخل عسكري اميركي بريطاني مشترك في حال وقوع انقلاب فعلي في لبنان والاردن.

ومع استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية، انقسمت البلاد بين مؤيد للتجديد للرئيس شمعون ومعارض، ولكن اركان المعارضة تلقوا ضربة قاسية بمرض الماروني حميد فرنجية، ولكنهم نجحوا في المقابل في كسب تأييد البطريرك الماروني بولس بطرس المعوشي، واستفادوا من حياد قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، وفي المقابل وقف مع الرئيس شمعون القوميون السوريون المضطهدون في سوريا والمختلفون عقائديا مع عبد الناصر المنادي بالقومية العربية فيما هم ينادون بالقومية السورية واستطاع الرئيس ايضا ان يحظى بتأييد حزب الكتائب. كما اعتمد الرئيس شمعون على رصيد الرئيس سامي الصلح في الجانب الاسلامي قبل ان يتضاءل هذا الرصيد مع المد الناصري وصمد الصلح الى جانب رئيس الجمهورية حتى اللحظة الاخيرة بالرغم من تفجير منزله في بيروت وتعرضه لعدة محاولات اغتيال خلال احداث 1958 (اغتيل ابن اخيه وحيد الصلح في 13 تشرين الاول 1958 قبل تأليف الحكومة الرباعية بيوم واحد)، وقد علّق الصلح قائلاً: “لقد اذاعت محطة دمشق انه ظهر السبت 14 حزيران هاجم المسلحون منزلي وهدموه واحرقوه ونـهبوا جميع محتوياته واذيع الخبر قبل ساعات من وقوع الهجوم. فجاء بمثابة توجيه صريح لعناصر الشغب في بيروت لاقتراف الجريمة”.[27]

“لقد بلغني ان القاهرة لم تكن تريد التورط في لبنان وارادت حلا سريعا ولكن ما العمل وعبد الحميد السراج يخطط للتخريب وابعاد هوة الخلاف بين القاهرة وبيروت، وبعض المستفيدين داخل لبنان ينفذون، فيثيرون العراقيل في وجه الوئام والوفاق ويحرجون مواقف الاطراف المعنية التي يهمها عودة الامن والطمأنينة والاستقرار الى شعوبهم وبلادهم”.[28]وفي رسالة وجهها الى المغتربين في العشرين من ايلول 1958 قال: ” لو فرضنا تخليت عن الحكم لتحولت الثورة الى طائفية عار على الذين استغلوا شعور فئة بريئة ضد فئة بريئة اخرى للوصول الى مآربهم، فكانت الاحداث وكان الدمار”.[29]

وقد علقت جريدة العمل في الثالث عشر من ايلول قائلة ” سامي الصلح انقذ لبنان من حرب اهلية طائفية ومذبحة رهيبة. هذه هي الحقيقة ولكن خصومه السياسيين بدلا من ان يعتبروه خصما شريفا، اعتبروه عدواً ولجأوا الى استخدام احط الوسائل، واحقر الاساليب الاجرامية للانتقام منه بصفته لبنانياً اخلص للبنانية…”[30]

تسارعت وتيرة الاحداث اقليميا فاتهمت سوريا الحكومة اللبنانية بالتآمر عليها من خلال حلف بغداد وحشدت تركيا قوات على حدود سوريا وارسلت مصر قوة عسكرية لمساعدة دمشق وفيما كان الرئيسان جمال عبد الناصر وشكري القوتلي يتفاوضان في القاهرة حول مشاكل سوريا وصل الضباط المتناحرون وطلبوا الوحدة الفورية هربا من تفجر خلافاتهم. فكانت النتيجة اتحاد مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة التي اعلن عن قيامها في 22 شباط 1958. فتتباينت ردود الفعل اللبنانية ازاء الوحدة فقد اتخذت المعارضة موقفا مؤيدا لها بينما راى فيها الرئيس شمعون ومؤيدوه خطرا قد يجرف لبنان معه في الاطار الوحدوي.   ورداً على تمدد عبد الناصر الى سوريا تمّ التوقيع في 14 شباط 1958 على الاتحاد العربي بين العراق والاردن،  وإتُّـهم الرئيس شمعون بدعمه سراً. وقامت مهادنة في العلاقات بين السعودية والعراق وما لبثت ان تحسنت عندما بدا للسعودية ان مصر استولت على سوريا. وسط الفرز الواضح بين لبنان والمنطقة كان على مجلس النواب اللبناني ان يحسم مسألة تعديل الدستور لتجديد ولاية كميل شمعون في دورته العادية بين آذار وايار، ولكن شمعون تكتم ولم يفصح عن نواياه، لا في رفض التجديد، ولا في قبوله الا ان المعارضين اتخذوا من توسيع الحكومة في اذار 1958 ذريعة للقول ان توسيع القاعدة النيابية للحكومة هدفه التجديد. لقد وصلت العلاقات بين الحكومة والمعارضة الى طريق مسدود وكانت صحف المعارضة المنبر الذي استخدمه شمعون لمهاجمته وكان من ابرز الصحافيين المعارضيين نسيب المتني وهو مسيحي ماروني كان يرئس تحرير صحيفة التلغراف. انفجر غضب المعارضة في ليل 8 ايار عندما اطلق مجهول النار على المتني، واتهمت المعارضة أجهزة شمعون بتدبير الاغتيال ولما تسربت للمعارضين اخبار الدعم الذي تلقاه شمعون من السفراء الغربيين لتجديد ولايته دعوا الى الاضراب لثلاثة ايام واطلقوا اعمال الاحتجاج لمنع تعديل الدستور قبل آخر ايار. اجتمع المعارضون في بيت صائب سلام في المصيطبة، وطلبوا من الشقيقين بيار وريمون اده نقل مطلب الاستقالة الى الرئيس شمعون فرفض، وامتنع عن كشف نواياه بشأن التجديد، فانطلقت الشرارة الاولى، وخرج الوضع في طرابلس اولا عن السيطرة وقاد رشيد كرامي ومجموعات بعثية وناصرية خطة العصيان ضد كميل شمعون تحت عنوان مثلث:  لا للتجديد، لا لحلف بغداد، لا لمشروع ايزنـهاور. وتدفق السلاح والمسلحون عبر الحدود مع سوريا امتداداً حتى عكار والهرمل.

 توسع القتال الى الشوف، فطلبت قوات كمال جنبلاط من حامية بيت الدين الاستسلام فرفضت وقاومت.

أما في بيروت فكانت القيادة لصائب سلام وزعيم النجادة عدنان الحكيم بالاضافة الى حركة المقاومة الشعبية بقيادة رشيد شهاب الدين وبعد سلسلة من عمليات التخريب، عقد شارل مالك مؤتمرا صحفيا في الخارجية حمَّل فيه مسؤولية ما يجري الى القاهرة  ودمشق وناشد العالم الحر للتدخل في معركة الوجود اما الرئيس شمعون فجمع سفراء اميركا وفرنسا وبريطانيا متمنياً درس امكانية انزال قوات غربية مسلحة في لبنان، وفي هذه الاثناء انقسمت البلاد بين مؤيد ومعارض، فكانت الكتائب اللبنانية التي اسسها بيار الجميل في الثلاثينات تقف الى جانب الحكومة، وعقد الشيخ بيار الجميل مؤتمرا صحفيا حمل رسالة واضحة :” لا تحرجونا فنضطر للتعامل مع الشيطان”، لقد اتهم الجمهورية العربية المتحدة، واشار الى ان تاريخ العلاقات اللبنانية السورية، منذ 1943 ليس سوى نضال لبناني مستمر ضد التوسع السوري بدءا من 1947 عندما عارضت سوريا مرور انابيب النفط في اراضيها لتصب على الشاطئ اللبناني، وفي 1948 عندما ارادت منع لبنان من توقيع اتفاقية النقد مع فرنسا، وسنة 1949 عندما قامت بتشجيع وتمويل ثورة مسلحة هدفها ضم لبنان الى سوريا، حيث حفرت الخنادق على عمق عشرة كيلومترات داخل لبنان، وسنة 1950 عندما اعلنت من طرف واحد الغاء الوحدة الجمركية، وفي 1951-1954 حيث قامت بتدريب العصابات وتنيظم شبكة واسعة للتجسس في لبنان، وفي 1955-1956 عندما حاولت بالتحالف مع مصر فرض قيادة عسكرية مشتركة على لبنان وفي 1956 حيث باشر المكتب الثاني حركة ارهاب واسعة النطاق ضد لبنان.

واضاف الجميل : “خلال تلك الحقبات، لم يكن مشروع أيزنـهاور، ولم يكن التجديد موضوع بحث، ولم يكن شارل مالك فالهدف كان استقلال لبنان…. فمرشحو المعارضة وضعوا حملتهم الانتخابية سنة 1957، تحت راية عبد الناصر. وخلص الى القول: ” ان موقفنا سنحدده: على ضوء موقف اخصامنا وهم وحدهم المسؤولون عما سيكون”.[31]

تقدم لبنان بشكوى الى مجلس الامن الدولي اتهم فيها الجمهورية العربية المتحدة بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد وإثارة اعمال العنف، فأرسلت المنظمة الدولية فريقا من المراقبين للتثبت من حقائق الوضع واعلنت في تقريرها الى مجلس الامن انها لم تجد اي دليل على تدخل ذو شأن يذكر من قبل الجمهورية العربية المتحدة ولم يرض تقرير البعثة الرئيس شمعون حيث أن القوى ذاتها التي كانت تدفع بالرئيس الى تمديد سلطته كانت تدفع ايضاً بخصومه الى تمديد سلطتهم[32] ومع دخول الازمة شهرها الثاني واستمرار المعركة كثر الحديث عن امكانية حصول تدخل اميركي في لبنان.

بعد ذلك بثلاثة اسابيع اطاح انقلاب في العراق بالملك فيصل ونور السعيد وكان وقع هذا الحدث كالصاعقة على الشرق الاوسط والعالم فارسلت بريطانيا مظليين الى العاصمة الاردنية عمان، بينما اجتمع شمعون مع سفراء اميركا وفرنسا وبريطانيا وطلب منهم ابلاغ حكومتهم بضرورة التدخل العسكري، اما في واشنطن فقد عقد البيت الابيض اجتماعين طارئين ليعلن الرئيس وايت أيزنـهاور بعدهما قراره بارسال المارنيز الى لبنان. وفي الواقع، لم تكن اميركا لتنتظر طلب لبنان، وكان نزولها في المياه اللبنانية كامر واقع فرضته احداث العراق. وفي السادس عشر من تموز اي بعد انزال القوات الاميركية بيوم واحد وصل روبرت مورفي وكيل وزير الخارجية الاميركية الى بيروت موفدا من قبل أيزنـهاور لايجاد صيغة للتسوية في لبنان .

وانحصرت المعركة الكبرى، معركة الكيان والاستقلال والحرية التي رفعتها الرئاسة والحكومة اللبنانية في معركة صغرى هي معركة الرئاسة التي دنا موعدها. كان عبد الحميد السراج يؤيد الرئيس السابق بشارة الخوري، وكان هذا راي الاكثرية الساحقة من المعارضين. اما مصر والولايات المتحدة فكانتا تؤيدان اللواء فؤاد شهاب، فلقد اعتبر الاميركيون ان قائد الجيش اللبناني فؤاد شهاب لعب دوراً اساسياً في ارساء جو من الانضباط في لبنان اثناء انتشار قواتهم، ونجح ايضا الرئيس شهاب من المحافظة على موقعه الوسطي بين فرقاء النـزاع اللبناني، وايضا في المحافظة على علاقاته الودية مع واشنطن، وسمعته الطيبة في القاهرة، وفي 31 تموز انتخب مجلس النواب اللبناني اللواء فؤاد شهاب رئيسا للبلاد خلفا لكميل شمعون. وكان الحدث الابرز في عهد الرئيس شهاب لقاء جمعه في خيمة على الحدود اللبنانية السورية مع الرئيس عبد الناصر تعهد خلاله شهاب بعدم السماح بانطلاق اي نشاط معاد للجمهورية العربية المتحدة من لبنان، بينما شدد عبد الناصر على دعمه المطلق للوحدة الوطنية. لقد كان لأزمة 1958 ايضاً،  بالرغم من اختلاف حدتها ومداها الزمني عن أزمة 1952، بعدها الخارجي الواضح. فلم تكن أزمة 1958 نتيجة تأزم داخلي كبير متعلق بمحاولة الرئيس شمعون “تقوية سلطاته فحسب، ولكنها قد دوّلت ايضاً، إن سياسة لبنان المحليّة، كانت من نتاج الاضطراب الذي لفّ العالم العربي بعد حرب السويس، وقد تحوّل لبنان واحداً من أغراض الحرب الباردة[33].

فإذا نظرنا الى أزمة 1958، من زاوية إقليمية واسعة يبدو واضحاً أنها ليست حالة إنهيار منعزلة،  فهناك بلدان عربية اخرى شهدت أزمات نتيجة ظهور الناصرية في السياسة العربية على المستوى القومي.[34]

وتجدر الملاحظة أنه على اثر انتخابات 1960 ، عاد زعماء المعارضة الى مجلس النواب ولكن لم تسجل محاضر مجلس النواب والجريدة الرسمية اقتراحا او قانونا يلغي الاتفاق الاميركي – اللبناني الذي اتخذت منه الثورة شعارا لها. ثم لم يطرأ تبديل في السياسة الداخلية ولم يلغ الميثاق الوطني المعروف ولم يعدل الدستور ولم يبدل لبنان سياسته الخارجية على صعيد المعسكرين الشرقي والغربي.

كما ان مجموعة قيمة القروض والمساعدات المالية والعسكرية والفنية والزراعية لاسيما كميات القمح التي قدمتها الولايات المتحدة الاميركية لمصر عن طريق النقطة الرابعة وسواها، بلغت لغاية 30 حزيران 1966 حيث تدهورت العلاقة فعلا بينهما، اكثر من 1000 مليون دولار، في حين لم تتجاوز المساعدات للبنان بالطريقة نفسها بضعة ملايين، الا اذا استثنينا منحة العشرة ملايين دولار التي حصل عليها لبنان من جراء توقيع الاتفاق الاميركي – اللبناني (مشروع أيزنـهاور)[35]

 ثالثاً: الصراع اللبناني – اللبناني الفلسطيني السوري
مني العرب بأسوأ هزيمة في تاريخهم الحديث، في حزيران 1967، اهتزت اسطورة عبد الناصر وولدت اسطوره جديدة، اسطورة الفدائيين الفلسطينيين. اتخذت المنظمة من الاردن مقرا لها الا انها بدأت تزاول نشاطاتها في لبنان ايضا الذي كان في اوج ازدهاره، وبدأ بذلك لبنان يدفع ثمن العمليات المنطلقة من اراضيه ففي 28 كانون الاول 1968 شنت قوات خاصة اسرائيلية غارات جوية على مطار بيروت واعلنت اسرائيل ان العملية جاءت كرد على هجوم فلسطيني على طائرة اسرائيلية في مطار اثينا، واتهمت الفلسطينيين بالانطلاق من لبنان الا ان مجلس الامن وردا على شكوى لبنانية ادان اسرائيل مباشرة بالاجماع وصدر القرار 262 في 21 كانون الاول 68. واخذت الامور منحىً تصعيدياً بين الفلسطينيين والجيش. في خريف عام 1969 بدأت الاشتباكات في مخيم نهر البارد في شمالي البلاد وسرعان ما توسعت رقعتها لتصل الى الجنوب والبقاع وتدخلت سوريا، فقامت منظمة الصاعقة الفلسطينية التابعة لسوريا بمهاجمة مواقع للجيش اللبناني على الحدود السورية اللبنانية. وفي 25 تشرين الاول طلب لبنان من الرئيس المصري جمال عبد الناصر التوسط لحل الازمة وتوجه وفد لبناني برئاسة قائد الجيش العماد اميل بستاني الى القاهرة للقاء رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وتم التوقيع على اتفاقية القاهرة وهذا ما شرّع الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان وممارسة العمل الفدائي فكان ذلك لتلافي البلاد الحرب الاهلية وعلّها تكون مانعا لهذه الحرب. فالفريق الداعم للسياسة الناصرية هو نفسه الفريق الذي تبنى الدفاع والتأييد للعمل الفدائي الفلسطيني المنطلق من الاراضي اللبنانية، فكانت هذه الاتفاقية محاولة لتنظيم علاقة مستحيلة بين الدولة وما سميّ بالثورة. بقيت اتفاقية القاهرة سرية، ولم يطّلع عليها في البداية الا القيادات المسؤولة وقدمت هذه الاتفاقية اول اعتراف رسمي وخطي من قبل دولة عربية بسلطة منظمة التحرير الفلسطينية على المخيمات الفلسطينية، وبحق الفلسطينيين في التسلح والقيام باعمال عسكرية. صحيح ان اتفاقية القاهرة أجّلت انفجاراً داخلياً غير انها اشعلت الجبهة العسكرية مع اسرائيل. فقد رأت الحكومة الاسرائيلية في هذه الاتفاقية خرقا لاتفاق الهدنة وتحولا في استراتيجية لبنان من دولة مساندة الى دولة مواجهة.

وساهمت المزايدات الايديولوجية والسياسية على المستويين الداخلي والعربي اضافة الى الممارسات الفلسطينية في تعزيز النظرة الاسرائيلية، حيث طورت اسرائيل على التوالي ثلاث نظريات امنية في مواجهة المنظمات الفلسطينية في لبنان : نظرية الحزام الامني ثم نظرية الاحتلال واخيرا نظرية الاجتياح.[36]

ولقد تحدث جنبلاط عن مخاطر ما بعد حرب حزيران، في المقام الاول، خطر تصفية حركة التحرر العربي ومكاسبها التقدمية، وفي المقام الثاني، خطر فرض حل ظالم للعرب على صعيد القضية الفلسطينية والاراضي العربية المحتلة، واخيراً خطر بلقنة لبنان وتغليب القوى الرجعية والانعزالية والفاشية (على حد تعبيره) فيه على قوى التقدم والعلمنة والعروبة[37] ومن هذه الزاوية كانت مرحلة 1968-1970 حاسمة ومحدده لخيارات كمال جنبلاط وتحالفاته السياسية والعسكرية سواء في ذلك تحالفه مع المقاومة الفلسطينية، بعد وفاة جمال عبد الناصر في 28/9/1974، او تحالفه مع اليسار اللبناني والعربي، بعد سقوط الشهابية نهائيا (بوجهيها الاصلاحي والمخابراتي) وفي مواجهة الحلف الثلاثي الماروني المكون من السادة كميل شمعون وبيار الجميل وريمون اده، وقد جرت الانتخابات التشريعية اللبنانية عام 1968 في ظروف ما بعد حرب حزيران، وكذلك في ظروف انحلال جبهة الاحزاب والشخصيات الذي رافقه وتلاه صعود نجم المقاومة الفلسطينية، وظهور تيارات يسارية متطرفة انكبت على نقد كمال جنبلاط وما سمته باليسار التقليدي او التاريخي. وفي سياق هذه الفترة من السجالات الدائرة عموما بين “يسار جديد” و”يسار قديم” بين عروبة ثورية وعروبة محافظة، بين مؤيدين لبنانيين للقضية الفلسطينية ومعادين لها، دارت ايضا معركة جادة بين الاحزاب السياسية التقدمية والشخصيات او الزعامات التقليدية. فمن اصل مرشحي الحزب التقدمي الاشتراكي الاثني عشر، فاز سبعة في انتخابات 1968، مما يسجل هبوطا ملحوظاً في عدد نواب جبهة النضال الوطني ( 12 نائبا عام 1960) وهذه السقطة الاشتراكية ترافقت مع تجدد دور كميل شمعون السياسي، الذي اعيد انتخابه نائبا عن دائرة الشوف في مواجهة كمال جنبلاط. ومن المفيد ان نلاحظ ان الرئيس شمعون كان قد فقد مقعده النيابي عام 1960 في الشوف، وترشح عام 1964 عن دائرة المتن الشمالي حيث انتخب نائبا. ولكنه عاد عام 1968 الى الشوف، على رأس لائحة من 8 مرشحين وفازت لائحته بمقعدين، مقابل ستة مقاعد للائحة جنبلاط الاشتراكية، لهذه الاسباب مجتمعة، سارع القائد الاشتراكي الى وصف انتخابات 1968 بأنها “الانتخابات الكارثة”، [38] معتبرا ان زعماء “الحلف الانعزالي” على حد تعبيره، وفريقا من رجال الدين المسيحيين استغلوا هزيمة العرب عام 1967، وعززوا “الحركة اليمينية الطائفية”، محوِّلين المعركة الانتخابية الى معركة انقسام طائفي. الا ان جنبلاط كان في العام نفسه قد عمق رؤيته التأملية والنقدية لظاهرة ” العمل الثوري الفلسطيني” وامكانات تطويره وتحويله الى عمل ثوري عربي اشمل.

في المقام الاول، توقف جنبلاط عن مضمون هذه الظاهرة الشعبية باعتبارها تمثل احد اعظم المكاسب التي حققها النضال العربي في القرن العشرين، سواء من جهة التعريف بحقيقة القضية الفلسطينية العربية او من جهة رفع مستوى الذهنية العربية القتالية وفقا لمعايير قيمية جديدة ولمناقبية كفاحية قوامها : الشجاعة والاقدام والتضحية والتنظيم والمثابرة  والجلد – تلك المناقب التي كان بروزها ضروريا لتطور نموذج الانسان العربي الثوري، اي الانسان المقاوم الصامد، الفدائي. اعرب جنبلاط عن رؤيته الجديدة قائلا : ” ان ظاهرة العمل الفدائي ستسهم في تبديل الذهنية العربية اللاعقلانية والتواكلية والقبلية والفوضوية والحكواتية (من الحكي) التي طالما شكونا منها والتي كانت السبب المباشر للنكسة”.[39] فالصراع ، بعد حرب الخامس من حزيران وبعد انعكاس نتائجها المباشرة على لبنان[40]، صار اكثر وضوحاً ومباشرة بين تيارين في السياسة اللبنانية،  أحدهما تمّ وصفه بتيار التعريب وثانيهما بتيار التغريب.  وفي مواجهة هذين التيارين طرح العميد ريمون إدّه فكرة التدويل وهي في واقعها صيغة أخرى للتغريب، حسب الوصف المتداول، ولكن برعاية الامم المتحدة، تقوم على استدعاء بوليس دولي (القبعات الزرقاء) يوضع على الحدود الجنوبية اللبنانية مع اسرائيل.  ومما يلاحظ في هذا المجال ان الصراع الدائر بين تيار التعريب وتيار التغريب كما تمّ وصفهما كان ينطلق من خلفية سياسية هدفها الإمساك بالسلطة، وإيديولوجية تقوم بتعبأة الجماهير تحت شعار التعريب أو شعار التغريب، وسوف يترجم في السبعينات الى صراع مسلّح.  وعليه فإن هذا التعارض التاريخي سيعاود تقسيم لبنان ويقضي الى إنتاج حرب لبنانية، توزّع اللبنانيين أنفسهم بين مؤيدين ومعادين للعمل الثوري الفلسطيني. وهذا مثلاً كان المعنى المباشر للحركات الناشبة يوم 23 نيسان 1969 في بيروت. وعلى أثر احداث 23 نيسان الداميه، استقال رئيس الحكومة رشيد كرامي. وهكذا شهد لبنان ازمة وزارية لم تنته الا بعد عقد اتفاقية القاهرة وفي المناسبة، جدد كمال جنبلاط نقده الشديد لما كان يسميه انحراف الرئيس شارل حلو، وفي المنظور الجنبلاطي يتلخص انحراف رئاسة الجمهورية بما يلي :

1- عدم ايمان رئاسة الدولة بامكانية نهوض العرب من كبوتهم وعدم الاستعداد لمشاركتهم في معركة التحرر والتحرير.

2- التقرب الرسمي من الولايات المتحدة الاميركية وبعض الدول الغربية الاخرى الى حد ان السياسة اللبنانية صارت بعيدة عن الحياد  وقريبة جدا من “الانحياز المفضوح”

3- تهيّب الدولة من اي اعداد وطني للدفاع عن لبنان واعتمادها التفاهم الضمني على حماية لبنان من جانب الاجنبي.

4- عدم مناصرة السلطة اللبنانية للعمل الفدائي وتعطيلها لجميع مشاريع الانماء الدفاعي.[41]

أمّا الوجه المقاوم لهذا الانحراف ، فقد اشار اليه جنبلاط مشددا على مغزى التحوّل الثوري التاريخي الذي تمثله الظاهرة الفدائية،”ان الحركة الفدائية تتضمن بوادر وبذور التحرر من التقليد البالي والذهنية السحرية الميتولوجية (الاسطورية الخرافية)، والانتقال بالمواطنين الى عقلانية الحضارة الغربية، في شقيها الى العصر الحديث[42] وبالرغم من هذه المواقف لكمال جنبلاط علينا ان نفرّق بين ثوابت كمال جنبلاط ومتغيراته المستخلصة من مواقفة المتضاربة. لقد اختلف اللبنانيون على هوية بلدهم وخطه السياسي وكان اختلاف مبطن بمشاريع استقواء مضمونه الصراع على السلطة.  فكان الاستقواء اليساري أولاً بمصر ثم بالفلسطينيين ضد المارونية السياسية التي تتلمس الدعم الغربي.

شهد عام 1970 أربعة أحداث كانت حاسمة في تحديد اتجاه المشرق العربي لعقدين من الزمن.

  • أمَرَ العاهل الاردني الملك حسين قواته بسحق الفدائيين الفلسطينيين التي كانت قد قويت شوكتهم في الاردن وباتوا ينافسونه في البلاد فكانت الاحداث التي عرفت بأيلول الاسود.

  • رعى الرئيس عبد الناصر مصالحة أردنية – فلسطينية في القاهرة بحضور عربي موسّع وما لبث توفي بعد ساعات قليلة.

  • في سوريا أطاح انقلاب عُرف بالحركة التصحيحية قاده وزير الدفاع حافظ الاسد برجل النظام القوي صلاح جديد والرئيس نور الدين الأتاسي.

  • في لبنان انتخب سليمان فرنجية المعروف بعلاقته الوثيقة بالاسد رئيساً للبلاد، ووصل الى الحكم بفارق صوت واحد عن مرشح النهج الشهابي الياس سركيس، وهذا الانتخاب انعكس سلباً على قوة ونفوذ الجيش، فقام الرئيس فرنجية بتفكيك اجهزة مخابرات الجيش (المكتب الثاني) ومحاكمة بعض ضباط هذا الجهاز، وفي المقابل كان الفلسطنيون قد اصبحوا قوة يحسب لها حساب في لبنان وقد انتقل اليه رسمياً مقرّ منظمة التحرير الفلسطينية عام 1972 .

وفي نفس السنة احتدم الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين فكان اول غزو اسرائيلي موسع لجنوب لبنان للاقتصاص من الفدائيين عام 72، وتبع ذلك في 1973 عملية شنتها قوات اسرائيلية خاصة بقيادة إيهود باراك في مناطق مختلفة من بيروت استمرت عدة ساعات قتلت خلالها ثلاثة من كبار قيادي منظمة التحرير الفلسطينية، كمال ناصر وكمال عدوان وابو يوسف النجّار.  فكان ان دبّت الفوضى في لبنان واختلطت الاوراق وكثرت الاتهامات بالاختراقات الامنية ، وكانت هذه المرحلة من أصعب المراحل،  لانها صعّدت الخلافات اللبنانية – اللبنانية والفلسطينية اللبنانية، وانفجر الوضع في أيار مرة اخرى بين الجيش اللبناني والفلسطينيين، وكان هذا الانفجار المحاولة الاخيرة من قبل الدولة للإمساك بزمام الامور في البلاد، فاستخدم الجيش اللبناني كل اسلحته بما فيها سلاح الطيران، وهرعت وفود عربية الى لبنان لمحاولة وقف النزف واعلنت العديد من الدول العربية مقاطعتها الاقتصادية والسياحية احتجاجاً على محاولة ضرب المقاومة الفلسطينية.

وهنا يطرح التساؤل: ما هي طبيعة السياسات التدخلية العربية في ظل وجود المقاومة الفلسطينية على الاراضي اللبنانية وكيف تطوّرت هذه التدخّلات، فبعد الاستقلال بلغ التدخل الخارجي في لبنان ذروته في أزمة العام 1958، لكن علاقات لبنان بالدول العربية في عقد الستينات بقيت منتظمة وكان مردّ ذلك الى حدّ كبير علاقات لبنان الوثيقة بالقاهرة[43].  أما في السبعينات فقد تغيّرت طبيعة التدخل العربي وبات للانظمة العربية ثلاثة مجالات للتدخل في لبنان: المجال الداخلي اللبناني، كما كانت الحال قبل دخول المنظمات الفلسطينية لبنان، والمجال العربي- العربي الذي عكس الخصومات العربية، وسياسة المحاور العربية حيال النـزاع العربي – الاسرائيلي.

في لبنان ، كما في بلدان عربية اخرى، كان المنحى العربي القومي للقضية الفلسطينية يعني حتمية التدخل من قبل ستة انظمة عربية على الاقل: سوريا والعراق والاردن وليبيا ومصر والمملكة العربية السعودية. من بينها جمعياً كانت سوريا صاحبة النفوذ الاكبر في لبنان وكانت الاكثر تأثيراً بشكل مباشر،  فبحدودها المشتركة مع لبنان وبامتلاكها معبره البري الوحيد الى الداخل العربي، كان لدى سوريا في مرحلة ما بعد 1967 ثلاثة اسباب على الاقل لتوسيع تدخلها السياسي والعسكري في لبنان: أن تضمن قدرتها على السيطرة على المنظمات الفلسطينية، ان تتمكن من الحدّ من تدخّل الانظمة العربية في السياستين اللبنانية والفلسطينية لاسيما المعادية منها للنظام السوري، وان تكون لها كلمتها في البعد الفلسطيني – الاسرائيلي من النـزاع.

مع ان دمشق لم تكفّ يوماً عن محاولة التأثير في السياسة اللبنانية فإن نفوذها في هذا المجال كان محدوداً قبل اواسط السبعينات، إذا إنه كان قد بلغ ذروته في أواخر الخمسينات، ثم عاد الى التراجع في عقد الستينات، حتى جاءت المنظمات الفلسطينية بعد العام 1967 تشكل النقطة المفصلية للتدخل السوري في لبنان منذ أواخر الستينات دخلت الاكثرية العظمى من الفدائيين الفلسطنيين لبنان من الاراضي السورية بصورة غير شرعية، ومنذ العامين 1968 – 1969 نشطت منظمة الصاعقة في منطقة الجنوب اللبناني بدعم من السلطات السورية.

أما النقلة النوعية في سياسة التدخل السورية في لبنان فجاءت بعد المواجهة العسكرية بين الفلسطنيين والجيش اللبناني في العام 1973.  ردّ الفعل السوري على تلك الاحداث كان إغلاق الحدود مع لبنان على مدى شهرين للضغط على الحكم اللبناني والحيلولة دون قيامه بعمل عسكري ضد الفلسطينيين.  ومع ان سوريا كانت تضمر مطالب مفصلة حيال علاقاتها مع لبنان. فإن سياسة التدخل في العام 1973 كانت مرتبطة بالفلسطينيين وليس بالسياسة الداخلية اللبنانية، في تلك الفترة لم يكن المسعى السوري يرمي الى إنهاء أزمة داخلية في لبنان ولا الى إصلاح نظامه السياسي، كما لم تكن سوريا تسعى لتعريب لبنان والحدّ من النفوذ الاسرائيلي. في فترة ما قبل الحرب شكّلت المنظمات الفلسطينية بطاقة الدخول بالنسبة الى التدخل السوري التدريجي في لبنان،  وفي حين تدخلت سوريا سياسياً في العام 1973 دفاعاً عن الفلسطينيين، فقد تدخلت عسكرياً في العام 1976 دفاعاً عن المصالح السورية ضد الفلسطينيين.  وبعد سقوط “الوثيقة الدستورية” التي رعتها سوريا أوائل العام 1976 ، والتصعيد العسكري من قبل القوات الفلسطينية واليسارية، أرادت سوريا ان تمنع حصول انتصار عسكري فلسطيني في لبنان من شأنه الاضرار بالنظام السوري.  وضع كهذا كان سيترتب عليه نتائج عدة:  اولاً، سيكون بمثابة دعوى للتدخل العسكري الاسرائيلي الذي سيجرّ بدوره سوريا الى حرب مع اسرائيل لا خيار لها فيها.  ثانياً سيشكل تهديداً امنياً لنظام الحكم في سوريا الذي لا ينقصه الاعداء في الداخل والخارج. ثالثاً الحسم العسكري الفلسطيني في لبنان لم يكن ممكناً دون مساعدة عربية والنظامان العربيان الاكثر استعداداً للعمل على هزم سوريا في لبنان هما مصر والنظام البعثي العراقي.  من هنا كان لبنان،  الواقع في قبضة السيطرة الفلسطينية المدعومة من مصر والعراق ومن أنظمة عربية اخرى،  الصيغة الفضلى لزعزعة استقرار النظام السوري.

من نتائج الوجود الفلسطيني في لبنان ايضاً تأثيره السلبي في موقع لبنان من السياسة الاقليمية، فقبل اواخر الستينات لم تكن السياسة الداخلية اللبنانية تحظى باهتمام سياسي ذي شأن لدى الدول الكبرى، لكن اهتمام هذه القوى بلبنان بات اكبر بكثير عندما اصبح البلد القاعدة الرئيسية للمنظمات الفلسطينية خصوصاً بعد الحرب الفلسطينية – الاردنية، ولولا تحوّل لبنان الى قاعدة رئيسية للمنظمات الفلسطينية لما وجدت القوتان العظيمتان سبباً لاستخدام لبنان ارضاً بديلة للنـزاع العربي – الاسرائيلي بعد حرب العام 1973.   وكما قال تيودور هنف، إن لبنان كان ساحة الحرب البديلة لفلسطين[44]

وفي ذروة الخلاف الفلسطيني اليميني اللبناني، وقف العرب الى جانب الفلسطينيين.  فما كان من الرئيس فرنجية إلا أن أعلم الرئيس شمعون والشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب اللبنانية، بأنه لم يعد بإمكانهم الاعتماد على الجيش لضرب المقاومة الفلسطينية، كما أعلم الفلسطينيين، بأنه لا يستطيع الدفاع عنهم، ولا يملك القدرة لمجابهة إسرائيل، وهكذا أعطي المبرر للفلسطينيين بأن يحملوا السلاح وان يدافعوا عن أنفسهم انطلاقاً من لبنان.

وفي محاولة للتوصل الى اتفاق، اجتمعت منظمة التحرير الفلسطينية مع الجيش اللبناني في فندق ملكارت، ولم يتم التوصل الى اتفاق وصدرت ورقة عمل سميّت بتفاهم ملكارت ولم تعلن كإتفاق، فانقسم البلد بين مؤيد ومعارض للفلسطينيين.

“لقد كان هناك مشروعان، الاول يدعمه الجيش اللبناني، أما المشروع الثاني فيدعمه الجيش الفلسطيني”[45]، حمل اليسار مشروع مقاومة المارونية السياسية مجدداً  وكانت للرئيس شمعون قراءة للاحداث ، دوّنها في مقدمة كتابه “أزمة في لبنان” ، فبالنسبة إليه إن ما جرى لا يختلف في أسبابه وطبيعته وأهدافه عن حرب 1958، الفلسطنيون، يقول، حلّوا مكان عبد الناصر والشيوعية الدولية التي واجهت مبدأ أيزنـهاور سابقاً، تعمل بالايديولوجيا والسلاح على تأجيج الصراع بين اليمين واليسار.  أما الاسباب الداخلية ففي طليعتها فشل صيغة 1943 وصدام حضارتين وثقافتين مختلفتين[46]0 فكان صراعاً على من سيكون له السلطة واليد الطولى في السياسة اللبنانية وقد تلاقى هذا المشروع الجديد مع الاهداف الفلسطينية التي حاولت الانطلاق من قواعد اعتبرتها حليفة لها فكان لا بد ان تتبنى وتتحالف مع قوى لبنانية وفي 1974 تكرّرت الاشتباكات بين الفلسطينيون والكتائب، وكانت المعركة القادمة نتيجة حتمية لانعكاس الوضع الاقليمي على لبنان فبعد توقيع اتفاقية سيناء الاولى لفصل القوات المصرية الاسرائيلية في 18 كانون الثاني 1974 وبعد توقيع اتفاقية فك الاشتباك بين سوريا واسرائيل في أيار 1974 كان كيسنجر واسرائيل قد شكلا وضعاً عربياً مناسباً لهما وكان الاسد مصمماً على التحدي وبهذا التحدي اتخذت سوريا الاسد اولى خطواتها نحو التحول الى قوة إقليمية، وكانت اول حركة دفاعية قام بها الاسد هي زيارة نادرة للبنان في مطلع العام 1975 للاجتماع بالرئيس سليمان فرنجية وقد أحيطت هذه الزيارة لشتورا في البقاع بضجة إعلامية، وكانت تشير الى جعل العلاقة اوثق بين سوريا ولبنان في تلك الاوقات العصيبة.  وبعد ثلاثة شهور من اجتماع الاسد بفرنجية،  وفي نفس اليوم من شهر آذار سنة 1975 الذي بدأ فيه كيسنجر عملية فصل القوات الثانية في سيناء،  دعا الاسد منظمة التحرير الفلسطينية التي يترأسها ياسر عرفات للاشتراك مع سوريا في إقامة “قيادة موحدة” ، وفي حزيران عندما اشتدت مغازلة كيسنجر للسادات، ردّ الاسد باقتراح تشكيل قيادة موحدّة اخرى،  مع حسين ملك الاردن هذه المرة، وفي 10/6/1975 قام بزيارة الى الاردن وهي الاولى من نوعها يقوم بها حاكم سوري منذ عام 1957، وأعلن تجدد روح التضامن المشرقي لبلاد الشام مؤكداً ان سوريا والاردن كيان واحد،  وبلد واحد…  وأبناء شعب واحد له آمال واحدة ومصير واحد”[47] ، وبما ان حسين كان ساخطاً لان كيسنجر تركه خارج خطط السلام ومعرضا اكثر حتى من الاسد للقوة الاسرائيلية، فقد ردّ صدى هذه العواطف في زيارة لدمشق في شهر آب.  وتبع ذلك شهر عسل طويل بين سوريا والاردن. ولم يتعلق الاسد بأية أوهام حول القيمة العسكرية لهذه الروابط والعلاقات مع لبنان والفلسطنيين والاردن:  فقد كانت اتفاقات سياسية تعكس اهتمامه بحماية نفسه بممارسة نوع من السيطرة على البيئة المحيطة به مباشرة.لم تكن هناك ثقة كبيرة فيما بين الاسد وعرفات وحسين،  فلقد التقى الزعماء الثلاثة لاشتراكهم في الامل الواهي بكبح جماح اسرائيل فيما لو توثقت بينهم علاقة تضامنية ترصّ صفوفهم.

وجاء التحدي المباشر في لبنان، فكيف كانت صورة الاطراف في لبنان قبيل اندلاع الحرب ؟.

الصورة الفلسطينية: لجأ الى لبنان أكثر من مائة وخمسين الفاً فلسطينياً بعد حرب عام 1948،  وتضخم عددهم حتى أصبح حوالي اربعمائة الف عند منتصف السبعينات وكان السبب الاساسي لذلك هو التكاثر الطبيعي.  وقد تم امتصاص عدد كبير منهم في الحياة اللبنانية،  غير ان معظم ابناء هذا الشعب الذي لا دولة له كانوا يعيشون في ضواحي المدن الرئيسية في مخيمات اصبح كل منها حياً قذراً فقيراً مزدحماً من جهة، وقلعة من جهة اخرى.  وفي أعقاب الصدام العنيف بين منظمة التحرير والملك حسين في عامي 1970 و 1971 لجأ كثير من الفدائيين الى لبنان، فحولوا منطقة العرقوب التي أهملتها الحكومة الى حد كبير،  في جنوب شرقي البلاد، الى معقل لهم ، وجد الفلسطنيون في صفوف المسلمين حلفاء، ومما كان سيصبح له مغزى في المستقبل أنهم أقاموا ايضاً تحالفات مع حركات أصولية متشدّدة نشأت في ذلك الحين،  وساعدوا في تسليحها في مناخ لبنان المتساهل وبسبب هذا الدعم المحلي،  وبسبب قوتهم الذاتية أخذ الفلسطنيون يلقون بثقلهم هنا وهناك مقاومين كل محاولة للسيطرة عليهم من قبل الدولة اللبنانية، وطيلة عقد من الزمن اعتباراً من منتصف الستينات راح الوجود الفلسطيني المتوسع يساعد باطراد على استقطاب الآراء في لبنان . فالمسلمون الذين كانوا يشاطرونهم المشاعر القومية كانوا ملتزمين بالقضية الفلسطينية،  غير ان المسيحيين على وجه العموم لم يكونوا كذلك، بل كانوا يريدون إبقاء لبنان بمنأى عن الصراع العربي الاسرائيلي.

 فلقد كان سبب ومبرر وجود لبنان اساساً من وجهة النظر المسيحية – هو تقديم ملجأ للمسيحيين، متميز ومنفصل عن الاراضي الداخلية العربية والاسلامية. وكانوا يخشون الفلسطنيين الذين اصبحوا يرون فيهم عوامل خطرة للتغيير تهدد رجحان كفة الاغلبية المسيحية وتدوس السيادة اللبنانية وتشجع الساخطين والناقمين على شنّ حرب طبقية، وفوق كل شيء  تجر لبنان “المحايد”  الى نـزاع مع اسرائيل.

وفي جزء آخر من الصورة اللبنانية قبيل حرب 1975 ، كان المسيحين وفي طليعتهم حزب الكتائب الذي يتزّعمه بيار الجميل، وهو أقدم المجموعات الاهلية المارونية وافضلها تنظيماً وتسليحاً، وقد أخذ الرأي العام المسيحي يرى في هذا الحزب أقوى المدافعين عنه.  وقد إصطفّت ضدّه “الحركة الوطنية” التي كانت عبارة عن مجموعة متنافرة الالوان كالموزاييك من الاحزاب الرادّيكالية المتشددة والجيوش الخاصة تجمعت معاً عام 1973 تحت لواء كمال جنبلاط،

ومن المؤكد ان الفلسطنيين لم يكونوا مصدر التوتر الوحيد في لبنان، فمنذ ولادة الجمهورية اختلف المسلمون والمسيحيون حول انتماء لبنان، فلقد كان لبنان على باب 1975، في خاتمة الامر تركيباً معقداً من العشائر والطوائف التي تعيش في توازن قلق،  وهذه حالة كان معترفاً بها من خلال التقاسم المعقّد للمناصب العامة والامتيازات على اساس الهوية الطائفية، وكان المسلمون عموماً يشعرون بالغضب من الامتيازات المسيحية   ويضغطون من اجل التغيير واصبحت الطوائف، ولا سيما الدروز والشيعة،  ناقمة على نظام تأسس في جوهره على تحالف واتفاق بين الموارنة والسُنّة، وكان أقوى تطور هو حشد وتحريك مئات الالوف من الشيعة (ضحايا الاهمال الحكومي، والقصف الاسرائيلي والتسلط الفلسطيني) على يد رجل الدين الايراني – اللبناني الامام موسى الصدر ، الذي أسس حركة المحرومين عام 1974 وجناحها العسكري امل

ففي لبنان الذي تصل فيه الحرية للجميع، راحت تنمو وتزدهر مجموعات ضغط صاخبة الاصوات من خارج البرلمان، وتستورد الى البلد، مختلف التيارات والمشاجرات السياسية السائدة في العالم العربي الفسيح وأخذ الشيوعيون والاشتراكيون والبعثيون والناصريون والقوميون السوريون، والاجنحة والفئات والتكتّلات المتفرعة منهم او المنشقة عنهم،  يشنون الحملات ضد بعضهم البعض وضد الجهاز السياسي.  ذلك ان هذا التجزأ في المجتمع قد جعل من لبنان عرضة للاختراق والتلاعب والمناورات على يد وكلاء وعملاء من البلدان المحيطة به ومما هو ابعد منها. لقد اشتد الصراع على النفوذ بين اسرائيل وجيرانها وبين سوريا وخصومها العرب،  العراق ومصر،  وبين بريطانيا وفرنسا،  وبين فرنسا والولايات المتحدة وبين الاتحاد السوفياتي والغرب،  مما ادى الى اضطراب وتعكير المشهد السياسالمحلي. علىان النظام السياسي كان يمكن ان يعيش متحملاً هذه الضغوط المستوردة والمحلية لولا الاضطراب الاضافي الذي جاءت به المشكلة الفلسطينية.

وكان واضحاً من حرب 1967 عندما احتلت اسرائيل ما تبقّى من فلسطين، ان لبنان لن ينعم بالاستقرار في غياب تسوية سياسية لأولئك الذين حرموا من ممتلكاتهم.  ذلك ان الاحباطات التي خيبت آمال الفلسطنيين كان لا بد ان تؤدي حتماً الى قلب التوازن اللبناني القلق غير المستقر.  ولم يكن صدفة ان تنفجر التوترات فتصبح حرباً اهلية في عام 1975 فاندلعت اضطرابات خطيرة في الربيع، تماماً في نفس الوقت الذي بدأ فيه كيسنجر رحلاته المكوكية من اجل اتفاقية سيناء الثانية،  ثم اتسع الحريق وخرج عن السيطرة في الخريف، بالضبط في الوقت الذي عقدت فيه مصر واسرائيل اتفاقيتهما وهكذا سارت الحرب في خط موازٍ لسياسة كيسنجر في الشرق الاوسط ويمكن اعتبارها واحداً من اخطر النـزاعات التي فجرّها سعيه للتقدم نحو تمزيق وحدة العرب خطوة- خطوة .  ذلك انه عندما اتضح ان هدف كيسنجر لم يكن ايجاد تسوية شاملة بل مجرد اخراج مصر من الميدان، انطلق في تياران قويان من الخوف. فقد شعر المسيحيون بأنهم لن يتخلصوا ابداً من الفلسطنيين، بينما راح الفلسطنيون بدورهم يرتجفون خوفاً على مستقبلهم بعد ان تخلت عنهم اكبر دولة عربية وكان هذا الشعور بانعدام الامن هو الذي دفع الجانبين الى الحرب.  وخلال زيارة عابرة اثناء احدى جولاته المكوكية المبكرة واجه كيسنجر توسلات السياسيين اللبنانيين بأن ينقذ وطنهم عن طريق عمل شيء ما للفلسطنيين[48] ولكن شيئاً ما لم يحدث بل بالعكس لقد انفجرت الحرب.

ففي شباط 1975 جرت مظاهرة من الصيادين ضد شركة بروتيين وقتل معروف سعد، وبعد شهر ونصف دشّن الشيخ بيار الجميل كنيسة حيث أطلق مجهولين النار ومات اربعة من مرافقيه.  وفي هذه الاثناء كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، القيادة العامة تحتفل بذكرى عملية فدائية ضد اسرائيل وبعد ساعات قليلة مرّت حافلة كانت تنقل بعض من شارك في الاحتفال في منطقة عين الرمانة، ثم اطلاق النار على الحافلة من قبل مجهولين وقتل ستة عشرة فلسطينياً كانوا على متن الحافلة وهكذا اندلعت الحرب في 13 نيسان 1975. وبعد حوالي الشهر من الحادثة توجه رئيس الوزراء رشيد الصلح الى مجلس النواب لإلقاء خطاب استقالته التي صاغته الحركة الوطنية واتـهم الكتائب بالمسؤولية عن انفجار الوضع في البلاد. طُرح رشيد كرامي كخلف للصلح إلا أن الرئيس فرنجية فاجأ البلاد بتعيين حكومة عسكرية برئاسة العميد المتقاعد نور الدين الرفاعي، أيّد اليمين المتمثّل بحزب الكتائب وكميل شمعون هذا التكليف بينما أثار اليسار ومؤيدوه عاصفة من الاحتجاجات، فاستقالت حكومة الرفاعي بعد ثلاثة أيام وكُلّف كرامي بتشكيل حكومة. كما أدّت الاعتراضات المتبادلة على تسمية الوزراء الى إعاقة تشكيل الحكومة،  واستمر الاقتتال واحتج بالاعتصام في أحد مساجد العاصمة السيد موسى الصدر.

تمكن كرامي بعد شهر من المفاوضات من تأليف حكومته وكان رئيس منظمة التحرير الفلسطينية قد التقى الرئيس فرنجية ووجّه رسالة الى اللبنانيين أعلن فيها ان المنظمة الفلسطينية لا تؤيد طرفاً لبنانياً ضد آخر. وفي الاول من تموز،  عقد اجتماع بين رشيد كرامي وياسر عرفات برعاية الموفد السوري الى لبنان،  عبد الحليم خدام، كانت سوريا تقوم بدور الوسيط بين الاطراف على الساحة اللبنانية، ولكن الهدوء النسبي الذي أعلن عنه كرامي والذي وصفه بالمعجزة اللبنانية والسلم الجديد، لم يدم طويلاً ونشب القتال مجدداً في بيروت وطرابلس، فتم تشكيل هيئة حوار وطني تشكّلت من كبار السياسيين في البلاد كسبيل للخروج من العنف الدموي واجتمع زعماء الطوائف ولكن وجهات النظر ظلّت متباعدة، فكان الخلاف حول الامن والاصلاحات السياسية، فبينما أصرّ اليسار على الاصلاحات السياسية طالب اليمين بفرض الامن قبل البحث في موضوع الاصلاحات.

وفي مقابل الجدل السياسي،  ارتفع سقف العنف في 6 كانون الاول 1975 ، فكان السبت الاسود رداً على مقتل أربع عناصر كتائبية، اتهمت الحركة الوطنية بشير الجميل بهذا الجرم، صدرت دعوات للرد على هذه المجزرة، فكانت معركة الفنادق وبدأ القتال للسيطرة على منطقة الفنادق المحاذية لمرفأ بيروت وتبع القتال في منطقة الفنادق حرب الكرنتينا ثم حرب الدامور بعد يومين.

لعبت سوريا دوراً اساسياً في اقتحام الدامور حيث انه لم يكن من الممكن ان تقع هذه الحرب دون الدعم السوري وبدأت القوات السورية المتخفية في صورة جيش التحرير الفلسطيني الدخول الى لبنان، وكان اليسار اللبناني قد دعا دمشق الى وضع حد لهجمات اليمين على المسلمين في شرقي بيروت. وكانت بذور انشقاق الجيش اللبناني قد بدأت تُزرع بعد دخول جيش التحرير الفلسطيني الى البقاع ونشوب معارك بينه وبين اليمين اللبناني الذي حاول الحصول على مساعدة من الجيش اللبناني. تخوّفت واشنطن في بداية الامر من التدخل السوري ولكن هذا الموقف سرعان ما تبدّل خلال النصف الاول من عام 1976 حيث اكتشفت ان هناك دوراً لسوريا في لبنان وهو ليس لمصلحة دمشق فحسب، بل يصبّ في خانة منع القوى الراديكالية في المنطقة، وهكذا بدأ وزير الخارجية كيسنجر بإعادة تقييم الدور السوري،  وسوريا بإعادة تقييم تحالفاتها اللبنانية.

وفي آخر كانون الثاني 1976 أُعلنت الجبهة اللبنانية، وحدث انشقاق في الجيش اللبناني، فقام الملازم أحمد الخطيب بإنشاء جيش لبنان العربي وقام تشكيل عسكري رديف في بيروت الشرقية وبينما كان اليسار مصراً على استقالة الرئيس فرنجية،  أثمرت في شباط 1979 محاولات سورية لإيجاد حل في لبنان، فأعلن الرئيس فرنجية عن الوثيقة الدستورية، ولكن اليسار اللبناني رفض هذه الوثيقة معتبرين إياها غير كافية لإصلاح النظام السياسي في البلاد. وتزايدت الدعوات للرئيس فرنجية للاستقالة ووقّع سبعون نائباً على عريضة تدعوه فيها للتنحي عن السلطة، وفتح جيش لبنان العربي النار على القصر الرئاسي في بعبدا،  فاضطر الرئيس فرنجية لمغادرته، بينما منعت منظمة الصاعقة الفلسطينية التي تأتمر بأوامر سورية، تعزيزات لجيش لبنان العربي من الوصول من الجنوب الى بيروت حيث قامت القوات اليسارية – الفلسطينية بهجوم أخير على فندق الـ هوليداي – إن ، آخر معاقل الكتائب في غربي بيروت حيث تم إسقاطه.

ضغطت سوريا بقوة على القوات اليسارية – الفلسطينية لوقف هجماتها، وتحوّل التناغم السوري مع اليسار اللبناني والفلسطينيين الى شبه خصومة ، والتقى كمال جنبلاط مع الرئيس حافظ الاسد في اجتماع شهير في آذار 1976 دام عدة ساعات عارض فيه الاسد توجّه جنبلاط العسكري الذي يقضي بحسم الصراع التاريخي في لبنان، ولكن سلبية حافظ الاسد الملتـزم بسياسات جديدة دفعت بكمال جنبلاط للقيام بجولة عربية فاشلة في محاولة للتصدّي لدمشق. وقبل ذلك اللقاء بأيام، كان جنبلاط قد أعلن عن تشكيل “جيش فخر الدين”  لتوحيد جميع القوات الاسلامية واليسارية، وأعلن عزمه على شن حملة عسكرية “شاملة لا تراجع فيها “ضد القوات المسيحية[49] ، ولم يدرك الزعماء اللبنانيون بعد ان الحرب خرجت عن نطاق السيطرة ولم تعد حرباً اهلية بل باتت لعبة تداخلت فيها العوامل الاقليمية والدولية واصبح اللبنانيون مجرد ادوات فيها وبات المواطنون وقوداً للنار المشتعلة في حرب متجددة في الشرق الاوسط.

رابعاً: الصراع اللبناني السوري – اللبناني الفلسطيني
ما هي سياسات الاسد الجديدة التي قلبت الدعم السوري للقوات الفلسطينية واليسارية الى مواجهة معها؟

عندما كبر خطر الازمة اللبنانية في ربيع عام 1976 اصبح همّ كيسنجر ان يكسر حدة هجوم الوطنيين والفلسطنيين التي انتشرت كالمدّ تكتسح امامها كل شيء.  فقد بقي يقف تجاه الازمة اللبنانية وقفة اللامبالاة الى حد كبير حتى ذلك الحين.  ولكن انتصارات اليسار لم تكن شيئاً يستطيع كيسنجر ان يتجاهله فالاتحاد السوفياتي الذي كان يدعم الطرف الرابح بدا وكأنه يتقدم ليكسب ارضاً ومواقع جديدة ثمينة.  وكان هناك همّ مستعجل اكثر،  هو: ما الذي ستفعله سوريا وإسرائيل فكلاهما كانتا تريان لبنان ضرورياً وحساساً لأمنهما.  وقال الاسد في ذلك الحين ان امن البلدين كلٌ لا يتجزأ ولا ينقسم[50]

وإذا اصطدمت سوريا واسرائيل فستكون العاقبة حرباً جديدة في الشرق الاوسط تعرض منجزات كيسنجر للخطر،  ولا سيما العلاقات المصرية – الاسرائيلية.

كان الخط المعروف المألوف عن الموقف تجاه لبنان في اميركا واسرائيل هو تخويف الاسد كي يبقى خارج الحلبة اللبنانية، ولكن كيسنجر قلب هذا المفهوم المألوف رأساً على عقب، فقد اعتبر ان السياسة الصحيحة لم تكن بالتأكيد تخويف الاسد من الدخول بل تخويفه من عدم الدخول، وبدلاً من ان يقاله له: إذا دخلت فسوف تدخل اسرائيل، فإن الرسالة الاكثر دهاءً هي ان يقال له:”اذا لم تدخل فإن اسرائيل ستدخل بالتأكيد” لضبط الفلسطينيين. فلقد استطاع كيسنجر بدهائه ان يُولي الاسد هذه المهمة التي ايضاً لا تتعارض مع اهداف الاسد التوسُّعية والقيادية للمنطقة، فانقلب الموقف واصبح على الاسد سحق الفلسطنيين بدلاً من حمايتهم .

إن الفوائد لأميركا واسرائيل يمكن ان تكون عظيمة حقاً فالفلسطنيون سيتم قهرهم وضبطهم واليسار سوف يتم احتواؤه وموسكو ستصاب بخيبة امل، والاسد سيتلوث وتنسف مكانته بسبب فعلة شنعاء في نظر العرب.

كان ضمان النتيجة المرغوب فيها يتطلب إقناع اسرائيل بقبول دخول جيش سوري الى لبنان وتطمين سوريا ان الولايات المتحدة لن تعارض إذا تدخلت، وان اسرائيل لن تبدي رد فعل عسكري. وهكذا وضع كل شيء في محله كأساس لما سمي “باتفاقية الخط الاحمر” وهي اتفاقية غير مكتوبة، ولا موقّعة ولا يعترف بها السوريون، وتقضي بأن تقبل  اسرائيل بوجود قوات سورية في أجزاء من لبنان[51] وبالطبع جعل الاسرائيليون قبولهم مشروطاً بأن لا تجلب القوات السورية معها صواريخ سام الى الجنوب من طريق دمشق بيروت.  وأصرّت اسرائيل على ان يكون الانتشار السوري في البحر والجو محدوداً.

أما الجانب اللبناني فقد تولاه دين براون ، مبعوث كيسنجر الى بيروت.وكان واضحاً انه كان يؤيد طروحات جنبلاط وبعد اجتماعه مع الجبهة اللبنانية كانت نتيجة هذا الاجتماع ذو انطباع سيء،وكأن هناك مسعى اميركي لحلّ الموضوع علىحساب المسيحيين بإبلاغهم ان لا يتوقعوا الانقاذ على يد البحارة والجنود الاميركيين كما في عام 1958[52]

وفي العاشر من نيسان عدّل مجلس النواب اللبناني دستور البلاد ليسمح بانتخاب الرئيس فوراً،  كانت هذه تسوية سورية تمكِّن الرئيس فرنجية من حفظ ماء الوجه وبالبقاء حتى انتهاء ولايته وفي نفس الوقت من انتخاب خلف له، قبل الوقت المحدد للانتخابات.  إلا ان الحركة الوطنية رفضت هذه التسوية وطالبت باستقالة فرنجية على الفور. وكان التوافق السوري – اللبناني اليميني على أشدّه فاتفق الطرفان بسهولة على مرشح للرئاسة وأعلن الاسد في خطاب ألقاه في 12 نيسان من دمشق:”اننا ضد اولئك الذين يصرون على استمرار القتال. ..”.[53] فاتهم كمال جنبلاط سوريا بمحاولة فرض مرشحها رئيساً للبنان ودعى الى تأجيل الانتخابات ولكنها تمّت، وانتخب الياس سركيس بعد ان وافق عرفات نتيجة اتصالات مع السوريين حيث سهّل انعقاد النصاب، فانعكس ذلك خلافاً بين اليسار اللبناني والفلسطنيين. أما الخلاف الاساسي بين ياسر عرفات وكمال جنبلاط كان حول حرب الجبل،  حيث فتحت القوات اليسارية والفلسطينية جبهة جديدة فانتقل القتال الى الجبل وباتت المناطق المسيحية تخضع لتهديد حقيقي،  لقد ورّط ياسر عرفات، كمال جنبلاط في هذه الحرب لفك حصار تل الزعتر .ووصل جنبلاط الى نقطة المواجهة مع دمشق وفشلت كل المحاولات لتقريب وجهات النظر،  ودخلت سوريا علناً الى لبنان في حزيران 1976 في حين ان القوات السورية كانت متواجدة قبل هذا التاريخ تحت غطاء فصائل التحرير الفلسطينية[54] فلقد أعطي الضوء الاخضر الاميركي لسوريا بالدخول ولم يلقَ المسيحيون المعونة لمواجهة المنظمات الفلسطينية من الاميركيين الذين ابلغوهم اذا اردتم المعونة فاطلبوها من سوريا.

أن دخول قوات الاسد للبنان قضى على علاقته الجيدة بالاتحاد السوفياتي، فقد قلقت القيادة السوفياتية من اتجاه مجرى الاحداث في ربيع عام 1976 وأرسلت رئيس الوزراء كوسيغين الى المنطقة، ولكنه عندما وصل الى دمشق في أول حزيران كان قد فات الاوان.  وكان الاسد قد دفع بقواته ودروعه السوفياتية عبر الحدود في الليلة السابقة وعلّقت وكالة تاس بلهجة مريرة ان تدخل سوريا لم يفعل شيئاً لوقف جريان “نهر الدم الذي يتضخم باطراد”[55]  كان من السهل التكهن باسباب سخط السوفيات فلقد كانوا معجبين بجنبلاط ، وكانت لهم علاقة وثيقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وكانوا يكرهون ان يُرغموا على الاختيار بين الاسد وبين اليسار اللبناني. ولذا شعروا بالحرج من رؤية الطرفين يقتتلان. وظهر الاسد وكأنه يعيد عقارب الساعة الى الوراء، الى لبنان خاضع لسيطرة الغرب، ويلغي عشر سنوات من العمل والسعي على يد اليسار.

بينما أخذ السوريون يتقدمون، راح جنبلاط والفلسطنيون ينتظرون ان يخلصهم الاتحاد السوفياتي، وناشدت موسكو الاطراف الثلاثة جميعاً – سوريا واليسار اللبناني والفلسطنيين- عدة مرات ان يتوحدوا ويرصّوا الصفوف، والواقع انه لم يكن يعني هذا الدخول السوري بالنسبة للكرملين انقطاعاً في العلاقات مع سوريا بل مجرد برود في العلاقات السورية – السوفياتية، انعكست خيبة امل كبيرة، لدى اليسار اللبناني والفلسطنيين المراهنين على دور الاتحاد السوفياتي في الدفاع عنهم. وبالنسبة للاسد،  كانت العواقب العملية للسخط السوفياتي قاسية بما فيه الكفاية، فلم تعد هناك عقود جديدة لتوريد الاسلحة السوفياتية بل أُجّلت في وقت بدت فيه اسرائيل تشكل تهديداً جدياً بصورة خاصة.  وهكذا حُرم الاسد من سندٍ يدعمه على مستوى دولة كبرى.  وعندما تذكر الازمة بعد عشرة أعوام قال وهو يقلّل من أهمية الموضوع كعادته: “كانت هناك نكسة في علاقاتنا بالاتحاد السوفياتي وانتهت بعض التزامات معنية فيما بيننا.  لقد كان من الصعب عليهم ان يفهموا طبيعة علاقتنا بلبنان”.[56]

وسُمعت الصيحة ضد حرب الاسد في لبنان من أقرب العالم العربي الى أقصاه. فقطع السادات علاقاته معه واتهمه وزير خارجية مصر بشن حرب إبادة[57] وقام رجل العراق القوي صدام حسين بإرسال قوات الى الحدود السورية، وقال ان الاسد مصاب بجنون العظمة جعلته أطماعه ينغمس في حمام دم من صنع يديه[58]. وهاجم جنبلاط الحكومة السورية واعتبرها نظاماً عسكرياً فاشياً، ودعا هو والزعماء الفلسطنيون الى حرب شاملة ضد دمشق. ذلك ان تدخل الاسد عسكرياً قد وضع حداً مفاجئاً لاحلام اليقظة لدى كمال جنبلاط. فقد تحوّل جنبلاط فعلاً الى زعيم درزي باحث عن الانتقام من الموارنة، وأخذت الحركة الوطنية المحاصرة تطالب بتدخل الامم المتحدة وفرنسا، بل وترسل النداءات في طلب المساعدة  ضد سوريا من أية جهة وفي الوقت نفسه هوجمت السفارات السورية في بلدان مختلفة من قبل متظاهرين عرب مؤيدين لمنظمة التحرير، واخطر من ذلك بالنسبة للاسد كانت التقارير الملحة عن قيام الدول النفطية بقطع مساعداتها. وضمن عالم السياسة البعثية أُطلق عليه سهم مؤلم آخر على يد صلاح الدين البيطار أحد مؤسسي الحزب، فقد تساءل في مقال نشرته صحيفة لوموند كيف أمكن لسوريا، قلب العروبة النابض، ان تشترك مع الانعزاليين في نهج غريب عن تقاليدها ؛ ثم أجاب على التساؤل بطريقة مؤذية بأن السبب هو طبيعة السلطة في دمشق، فهي منعزلة منقطعة عن الشعب وتخنق كل ديمقراطية.[59]

استنفر الفلسطنيون والحركة الوطنية لقتال القوات السورية ووصف ريمون اده التدخل السوري العسكري بانه ناجم عن مؤامرة اميركية – سورية – اسرائيلية ضد لبنان.

اندلعت اشتباكات في غربي بيروت بين منظمة الصاعقة وقوات فتح أدّت الى هزيمة الصاعقة المتحالفة مع دمشق، وفي صيدا دمر الفلسطنيون الدبابات السورية التي حاولت الدخول الى المدنية الجنوبية، وانتقدت العديد من الدول العربية تدخل سوريا وطُرحت لاول مرة فكرة توسيع قوات الامن العربية لتصبح قوات ردع تتشكل من أكثر من دولة. وجعل التدخل السوري الفلسطينيين واليساريين يتخذون موقف الدفاع، وغيّر مجرى الحرب الاهلية ومكّن المسيحيين من التحول الى الهجوم وخصوصاً ضد الجيوش المعادية في اراضيهم ولا سيما ضد مخيم تل الزعتر. واتهمت منظمة التحرير سوريا بالمساهمة في الهجوم على المخيم. واستمرت القوات السورية بالزحف نحو بيروت ووجدت القوات اليسارية والفلسطينية نفسها تحت ضغط عسكري خطير بينما اخذت القوات اللبنانية التي أسسها بشير الجميل تتقدم مقابل التراجع اليساري والفلسطيني، وفي السادس عشر من تشرين الاول أصبح الاسد مستعداً لقبول دعوة السعودية الى مؤتمر قمّة للمصالحة في الرياض[60]، بعد عدد من الهجمات الكبرى انتهت بما يقرب الدحر الكامل للفلسطينيين وحلفائهم.

لقد تدخلت الدول العربية التي لم تشأ ان ترى سوريا تهزم منظمة التحرير، فعقدت قمة مصغرة في الرياض مهّدت لمصالحة مصرية – سورية وفي هذه الاثناء استمر كمال جنبلاط بالمطالبة بانهاء الاحتلال السوري للبنان كما وصفه الا ان الاسد كرّس انتصاره الباهظ الثمن،  وأضيفت الشرعية على وجوده في لبنان وتم الاعتراف بقواته على انها العامود الفقري لقوة اقترُح تشكيلها “باسم قوات الردع العربية”. ووافقت السعودية والكويت على تمويل ودفع النفقات. وأعيد الفلسطنيون الى مخيماتهم بعد ان انتزعت منهم وعود (سرعان ما نقضت) بالتقيد باتفاق القاهرة. وتبنى ذلك كلّه مؤتمر عربي أوسع عقد في القاهرة في الخامس والعشرين من تشرين الاول سنة 1976. وتشكلت قوة الردع العربية رغم معارضة العراق، فقد أقرّ العرب ان سوريا اصبحت لاعباً اساسياً في لبنان، وفي منتصف تشرين الثاني دخلت القوات السورية الى غرب بيروت فاختفت الميليشيات اليسارية الخاصة من الشوارع وأُعلن عن انتهاء الحرب ولكن بالرغم من التبريرات التي أعطاها الاسد لتدخله في لبنان فلقد اعتبر العرب انه حاد عن المجرى الرئيسي لنهج الحياة العربية.

لقد كان الهدف،  الحؤول دون ظهور دخول القوات السورية الى لبنان وكأنه فقط بغطاء اميركي كما كان مهماً بالنسبة للمقاومة الفلسطينية ان لا تواجه بالقوات السورية فقط في لبنان بل ان تكون هذه القوات مشكّلة ضمن مظلة عربية وتضم وحدات ولو كانت رمزية،  من دول عربية اخرى، حتى تستطيع القيادة الفلسطينية كلما دعت الضرورة ان تعود الى الجامعة العربية وان تعود الى الاطار العربي الاوسع وتحديداً الى المملكة العربية السعودية وبشكل ضمني الى مصر والعراق كصمامات أمان.

وحاول العرب تطبيق الحلّ السلمي الذي توصلوا اليه في قمتي الرياض والقاهرة،   ولكن ما لبث ان دبّ الخلاف فسوريا تريد تطبيق اتفاقية القاهرة بالمعنى الضيق والامساك بالفلسطينيين، والسعودية تريد تنفيذ اتفاقية القاهرة بالمعنى الواسع المرن بحيث تترك للفلسطينيين هامش حركة تجاه سوريا. حذّر بشير الجميّل من عودة الحرب إذا لم يطبق اتفاق القاهرة، وعقد قادة الجبهة اللبنانية خلوة اعلنوا في أعقابها ضرورة تحرير الاراضي اللبنانية وتوزيع الفلسطنيين الموجودين في لبنان على الاقطار العربية، أما جنبلاط فكان يدرك ان الحلّ قد تم بدونه وانه قد يضطر لدفع ثمن معارضته القوية لدمشق ودفع ثمن حديثه عن الوجه العلوي في سوريا وعن الصراع العلوي – السني والتحالف العلوي – الماروني.

 وفي 16 آذار 1977 أغتيل كمال جنبلاط على مقربة من حاجز الجيش السوري،لقد كان الثأر من المسيحيين المتواجدين في الجبل ، ودعت دمشق اطراف الحركة الوطنية التي استمرت في معارضة تدخلها، للقبول بالحلّ الذي توصلت اليه ولكن زيارة الرئيس انور السادات الى القدس شكّلت نقطة تحوّل ، فبوادر اتفاق كامب دايفيد ادخل تبدل على دور القوات السورية في لبنان، فبدل ان تتولى تطبيق اتفاق القاهرة، دخلت في تحالف مع المنظمات الفلسطينية الامر الذي ترك الحرب اللبنانية على حالها.

خامساً: الصراع اللبناني اليميني – السوري
قامت سوريا بمراجعة سياسية واستراتيجية، فأضحى خصم الامس حليف اليوم، وعاد نوع من التفاهم السوري الفلسطيني واعتبر وزير الخارجية السوري ان العلاقة التي بناها رئيس حزب الكتائب مع دمشق لم تكن اكثر من مناورة وبدأت في هذه الفترة تظهر بوادر انشقاق في صفوف الجبهة اللبنانية اليمينية، تركزت حول الدور السوري في لبنان، وظل عضو الجبهة السابق الرئيس سليمان فرنجية مؤيداً للدور السوري، وبدأت تحصل اشتباكات بين انصار الكتائب ومؤيدي فرنجية في شمال البلاد معقل فرنجية.

ظهر توجه في اليمين يحبذ التقارب مع اسرائيل على حساب العلاقة مع سوريا وفي السابع من شباط 1978 تعرض جنود سوريين لاطلاق نار من قبل جنود لبنانيين في ثكنة الفياضية، فسقط اكثر من ثلاثين قتيلاً معظمهم من الجنود السوريين. وقد أصرّ الرئيس الاسد على معالجة الموضوع بمحكمة عسكرية ميدانية،  ثم تراجع عن هذا الطلب مقابل بيان تصدره الجبهة اللبنانية تعلن من خلاله ان ثقتها بالسياسة السورية ما تزال كاملة،  لكن هذا لم يضع حداً للتوتر بين اليمين اللبناني وسوريا فباتت الاشتباكات تتكرر بين الطرفين باستمرار. ووصل الوضع في جنوب لبنان الى ذروته في آذار 1978 فعلى أثر غارة فلسطينية،  شنّت القوات الاسرائيلية ما وصفتها بعملية الليطاني حيث غزت الاراضي اللبنانية واحتلتها وصولاً الى نهر الليطاني فبوصول الليكود تبدلت النظرية الاسرائيلية وسلكت طريق الاحتلال وسيلة لحماية المستوطنات من الهجمات الفلسطينية وكان الهدف من هذه العملية هو خلق منطقة منـزوعة السلاح ومحاولة إبعاد منظمة التحرير الفلسطينية بالاضافة الى اختبار ردة فعل المصريين في حال وجدت اسرائيل نفسها مضطرة لخوض عملية عسكرية على جبهة اخرى بالاخص ان الرئيس السادات كان في مرحلة التفاوض على اتفاقية كامب دايفيد.

أصدر مجلس الامن الدولي قراره رقم 425 القاضي بإنسحاب اسرائيل من لبنان وإرسال قوات دولية للاشراف على الانسحاب. وقامت القوات الاسرائيلية التي بدأت بالانسحاب تسليم المناطق التي احتلتها الى الرائد سعد حداد لإنشاء ما سمي بالحزام الامني وميليشيا جيش لبنان الجنوبي. كما انعكس الصراع اليميني السوري، صراع لبناني لبناني وبالتحديد يميني يميني، ففي حزيران 1978 أرسل قائد القوات اللبنانية بشير الجميل وحدات من ميليشياته بقيادة سمير جعجع على بلدة اهدن الشمالية بهدف اختطاف طوني فرنجية واقتياده الى بيروت بهدف وقف عمليات الاغتيال ضد مسؤولين كتائبيين في الشمال ولكن المحاولة ادّت الى اشتباك بالرصاص فكانت مجزرة قتل فيها طوني فرنجية إبن سليمان فرنجية وزوجته وطفلتهما. وكانت اول ردة فعل انتقامية نفذتها القوات الخاصة السورية،  عندما اغتيل ما يقارب الـ 40 شاباً رمياً بالرصاص في بلدة القاع. وفي الاول من شهر تموز تدهورت الاوضاع فاندلعت الاشتباكات بين القوات السورية والقوات اللبنانية فقصف فيها الجيش السوري شرقي بيروت بعنف وتأزمت العلاقة بين دمشق والرئيس سركيس الذي كان إسمياً القائد الاعلى لقوات الردع العربية.

ولكن الحدث الاكبر في لبنان عام 1978 كان اختفاء السيد موسى الصدر في الخامس والعشرون من شهر آب، رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى فبعد زيارة لدمشق، غادر في نفس اليوم متجهاً الى الجماهيرية الليبية واختفت اخباره منذ ذلك الحين،  أعلنت ليبيا أنه غادرها متجهاً الى إيطاليا بينما نفت روما انه وصل اليها.  وثارت علامات استفهام على علاقة ليبيا وأطراف فلسطينية بإختفاء الصدر وكانت سياسة الاسد الخارجية، قد أعيد تشكيلها لمواجهة عالم كامب دايفيد وذلك بوقوفه مع إيران الثورة،  مما خلق شيئاً جديداً في المنطقة أي : محوراً شيعياً يمتد من طهران عبر دمشق الى جنوب لبنان، ومنذ اللحظة التي تسلم فيها السلطة آية الله الخميني في أوائل عام 1979 اعتبر الاسد مصادقته شيئاً تقتضيه المصلحة العربية العليا،  ولم يشاركه في هذا الاحساس كثيرون في المنطقة،  ولا سيما جيران إيران العرب جميعاً.  كان عبد الناصر يدعو الى ان لا يتحد العرب الا مع العرب وها هو الاسد،  يتحالف مع قوة كبرى غير عربية كانت آنذاك تهدد الدول العربية عبر الخليج.

وبالنسبة للرأي العام العربي،  وحتى المحلي، كان قرار الاسد بدعم إيران محيّراً ومثيراً للجدل والخصومة، لأن التحالف مع إيران قد ساعد على إبراز ما يرون انه “الطابع الشاذ والخطر نوعاً ما”  للنظام السوري. ومثلما حدث عند تدخله في لبنان لتحجيم اليسار عام 1976 بدا الاسد وكأنه يخطو خارج المسار الاساسي العربي القومي.

كان الاسد عندئذٍ في غمرة الصراع مع الإخوان المسلمين وكان تشيع آية الله نوعاً من الاسلام مختلفاً عن النـزعة الاصولية السنية لدى المقاتلين السورييين، كان الاتصال الاساسيي الذي إقامة الاسد مع معارضي الشاه في السبعينات هو اتصاله بالامام موسى الصدر، رئيس المجلس الشيعي الاعلى في لبنان، الزعيم الشيعي البارز ذي الاصل الايراني الذي استقر في لبنان عام 1959 والذي استطاع خلال تسعة عشر عاماً من العمل السياسي والديني. أن يعطي الشيعة في لبنان تماسكاً لم يسبق له مثيل[61] وخلال زياراته المتكررة لدمشق اصبح الصدر صديق الاسد الحميم الموثوق وحليفه السياسي الذي مكّن الاسد من مواجهة منتقديه السنيّين في دمشق عام 1973 عندما أصدر فتوى بأن العلويين جزء أصلي من المسلمين الشيعة، وفي صيف سنة 1976 الصعب،  في لحظات دقيقة في حياة الاسد،  أسدى اليه الصدر خدمة هامة بإبقائه الطائفة الشيعية اللبنانية خارج ائتلاف كمال جنبلاط اليساري الذي كان الاسد يحاول ترويضه وكبح جماحه آنذاك وكان الصدر همزة الوصل بين الاسد وبين معسكر الخميني في السبعينات،  ورائداً من رواد محور دمشق – طهران في الثمانينات، رغم ان الصدر نفسه لم يعش حتى يرى ذلك المحور واختفى بطريقة – غامضة والواقع ان خبر اختفائه وافتراض موته قد انتشر بينما كانت محادثات كامب دايفيد جارية في ايلول من ذلك العام .

واستمراراً لمسلسل الحرب بين دمشق واليمين اللبناني، صدر عن مجلس الامن الدولي في السادس من تشرين الاول قراراً دعا فيه سوريا دون ان يسميها الى الكف عن قصف بيروت الشرقية، وبعد ذلك بـ 10 أيام جاء دور العرب مجدداً،  فانعقد اجتماع بيت الدين لوزراء خارجية الدول العربية المشاركة في قوات الردع والمساندة لها. تمكن الرئيس سركيس بمساعدة السعودية من إقناع دمشق بسحب القوات السورية من منطقة الاشرفية واحلال قوات سعودية وسودانية مكانها.  رحّب أركان الجبهة اللبنانية بهذه التسوية وهكذا انتهت ما عرف بحرب الـ”مئة”  يوم بتكريس القطيعة بين سوريا والمسيحيين وبفتور العلاقات بين الاسد وسركيس.

وباغتيال ابو حسن سلامة في كانون الثاني 1979 تلقّت منظمة التحرير الفلسطينية ضربة عنيفة من اسرائيل، حيث كان سلامة ، مسؤول عن أمن ياسر عرفات، وكان يشكّل خط اتصال مع المسيحيين من جهة ومع الاميركيين من جهة اخرى وكانت اسرائيل تهتم بقطع هذين الاتصالين.

بدا وكأن لبنان بات رهينة لانعكاسات التطورات الاقليمية، فلم يستتب السلم ولم تكن الحرب معلنة بشكل يومي. انسحبت القوات السعودية من قوات الردع العربية وتلتها القوات العربية الاخرى0 في طهران أمرت أول حكومة إيرانية اسلامية الكتيبة الايرانية العاملة في قوات الامم المتحدة بالعودة الى البلاد. واتهم بعض اركان الحركة الوطنية،  الدول العربية بالتآمر ضدها حيث كان العداء بين الحركة وسوريا ما يزال في ذروته وكان الانسحاب يعطي فراغ لدخول القوات السورية على قاعدة نفس العداء السابق.

واصبحت حرب عام 1980 نوع من الحرب العبثية،  حيث بدأت مرحلة جديدة كان هدفها المواطن البريء وكانت ادواتها العبوات الناسفة والسيارات المفخخة، استخدمت إحدى هذه السيارات في محاولة قتل بشير الجميل حيث اتهم الفلسطينيون وآل فرنجية بتدبير المحاولة، إلا أن الانفجار اودى بحياة ابنة بشير البالغة من العمر السنة والنصف.

وفي الجنوب حاولت الحكومة إرسال وحدات من الجيش اللبناني،  إلا أنه جوبه بمعارضة يسارية وفلسطينية وبالقصف من قبل جيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد الذي أعلن قيام دولة لبنان الحرّ نتيجة لاستمرار الاحتلال السوري والفلسطيني للبلاد كما اعتبر .

وفي محاولة لتوحيد البندقية المسيحية قامت معارك بين قوات بشير الجميل والنمور والاحرار كانت نتيجتها ان اصبح بشير قائداً اوحداً لليمين اللبناني. لقد تحول لبنان في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات الى مناطق نفوذ عسكرية تقاسمها السوريون والفلسطينيون والاسرائيليون اضافة الى الميليشيات اللبنانية المتحالفة معهم. وكان وليد جنبلاط قد بدأ يبتعد عن اجواء الحركة الوطنية التي كان يتزعمها والده واتجه الى بناء القوة العسكرية لميليشيا الحزب التقدّمي الاشتراكي ذات الاغلبية الدرزية.

كما انتقلت الحرب الاقليمية الى الساحة اللبنانية، إذ قامت الاطراف المؤيدة للعراق وإيران اللذين كانا يخوضان حرباً طاحنة بمهاجمة مصالح الفريق الآخر بما فيها السفارات وانتهى هذا المسلسل الدموي بنسف السفارة العراقية.

كما وصلت العلاقات بين الرئيس سركيس ورئيس الحكومة سليم الحص الى طريق مسدود، حيث اتُّهم الحص بالانحياز الى اليسار والفلسطينيين على حساب لبنان، فتم تشكيل حكومة جديدة ترأسها شفيق الوزّان.

سادساً: الصراع اللبناني اليميني الاسرائيلي – السوري (معركة زحلة)
لقد تحوّلت الحرب اللبنانية خلال عام 1980 الى حرب استنـزاف، وكانت القوات اللبنانية قد بدأت تعمل على توريط سوريا وإسرائيل مباشرة، وإحداث اختراق للجمود الحاصل وذلك من خلال طريق اخذت تشقّه من مناطق سيطرتها في جبال كسروان الى البقاع باتجاه مدينة زحلة حيث اعتبر بشير الجميل انه لا يجوز الفصل بين مسيحيي البقاع والجبل.

لقد كان الاسد وبيغن في ذلك الوقت صاحبي رؤى لا يمكن التوفيق بينها، فقد كان من المحتوم ان يصل الامر بينهما الى تبادل الضربات وقد حدث ذلك في لبنان. ولم يكونا في وضع متكافئ، ففي بداية الثمانينات كان الاسد ضعيفاً لا يزال يقاتل ضد أعدائه الاسلاميين في الداخل بينما كان بيغن في اوج قوته وبالاضافة الى ذلك فقد كان مبدأ أمن المشرق كما تصوره الاسد،  يبدو مهلهلاً، فقد كان على علاقة سيئة جداً مع الاردن، وكان يكافح – بدون نجاح ملحوظ – من اجل ضبط حركة المقاومة الفلسطينية، كما تكفّلت معاهدة السلام بمصر، وتكفّلت حرب الخليج بالعراق، مما ترك لبيغن حرية كبيرة في العمل. وكان اكبر ارصدة بيغن هو الرئيس الاميركي الجديد، وفي لحظة تنصيب رونالد ريغن في كانون الثاني 1981، شعر الاسرائيليون بتغير مفاجئ في الطقس بعد سنوات كارتر الحرجة،  فبيغن لم يكن لديه ادنى اهتمام بتطلعات الفلسطنيين، ثم ان بيغن كان يوافق على موقف الادارة القوي المعادي للسوفيات، والذي رفع من قيمة اسرائيل “كرصيد استراتيجي”  وانشغالها بها،  محاربة “الارهاب الدولي”. لقد شغل الارهاب تفكير إدارة ريغان من البداية،  ولعل ذلك لم يكن غريباً نظراً لأن الحجز الطويل للرهائن في السفارة بطهران، له دور كبير في تدمير كارتر وضمان انتخاب ريغان، كما ان محاولة اغتيال الرئيس الاميركي ومحاولة اغتيال البابا قد عملتا على زيادة الخوف. وكان الجمهوريون اليمينيون في الفريق الجديد يرون شيئاً سوفياتياً وراء كل مظهر من مظاهر العواطف المعادية للغرب. بل ان ريغن وهيغ ووليام كيسي مدير وكالة المخابرات المركزية قد صدّقوا تقارير الصحفية الاميركية كلير ستيرلنغ في كتابها المعنون: شبكة الارهاب 1981 عن عشرات الالوف من الارهابيين الذين تشرف عليهم موسكو بصورة مباشرة او غير مباشرة، والذين يتدربون في معسكرات للمقاتلين في طول العالم وعرضة باعتبارهم “كتائب النخبة في جيش عالمي للقتال الشيوعي”[62] وزعمت ان الكوبيين لهم دور كبير فيه، وللفلسطنيين كذلك لانهم “القطب المغناطيسي الثاني لاجتذاب المتدربين على الارهاب” وكان رجال المخابرات المحترفون يعرفون ان كلام سترلنغ هذه هراء إلا أن بيغن كان سعيداً بأن يشجع البيت الابيض ووزارة الخارجية على ان يريا ان الارهاب هو البلاء الاكبر في العالم الحديث،  وان سوريا وليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية هم الممارسون الرئيسيون له، وانهم كذلك عملاء للاتحاد السوفياتي. وفي الادارة الجديدة كان الامل المفضل للاسرائيليين هو وزير الخارجية الجنرال الكساندر هيغ، الذي تعلم الدبلوماسية من كيسنجر عندما كان مساعده في البيت الابيض ايام نيكسون. وفي اول زيارة له الى الشرق الاوسط كوزير للخارجية غاظ الاسد بتعمده حذف سوريا من برنامج رحلته، وهاجم القائد السوري بفظاظة، واعتبره عميلاً للسوفيات الى درجة ان مضيفي هيغ الاسرائيليين بدأوا يعتقدون بأن سوريا “صيد مباح” وكان مما زاد في طمأنتهم ان هيغ بدا غير مهتم بأسباب النـزاع العربي الاسرئيلي وجوهره، وأنه كان يتبع سراباً يسميه “الاجماع الاستراتيجي” الاقليمي ضد الاتحاد السوفياتي وبما انه كان يخفي طموحات شخصية بأن يصبح رئيساً مقبلاً للولايات المتحدة، فقد كان معجباً باسرائيل المؤثرة في سياسة اميركا المحلية، والحق ان توافق المصالح بين واشنطن واسرائيل بدا عظيماً جداً.

وكانت رسالة بيغن (العالمية المقدسة من وجهة نظره) هي ان يوحّد “ارض اسرائيل”  كلّها بأن يضم الى الدولة اليهودية ضماً دائماً الاراضي التي كان يصرّ على اطلاق التسميات التوراتية عليها “يهوذا والسامرة” اي الضفة الغربية. وكان تحقيق هذه الرؤيا يعني ملء الضفة الغربية بالمستوطنين اليهود وسحق اي مظهر من مظاهر الشخصية الوطنية الفلسطينية.  وعندما استلم بيغن السلطة للمرة الاولى عام 1977 ، وضع وزير زراعته العنيف الجنرال آريل شارون مسؤولاً عن برنامج سريع لبناء المستوطنات.  وكان بيغن يفهم الصفقة التي عقدها في كامب دايفيد بأنها قد اطلقت يده في الضفة الغربية لانه وافق على إعادة سيناء لمصر.  وكان نجاحه في خداع كارتر والسادات كليهما بدهائه قد ولّد فيه على ما يبدو شيئاً كثيراً من الغطرسة الوقحة ادى به الى الاعتقاد بأنه يستطيع الشروع في توسع جديد وهو آمن. ولكن بيغن كان يحتاج الى بيئة محمية لكي يجعل مشروعه آمناً فعلاً، وكان الحل هو تغيير الميزان الاستراتيجي في المنطقة، وهذه عملية كانت قد بدأت بإخراج مصر من ميدان المعركة. ولكن ذلك لم يحلّ المشكلة تماماً… فقد بقي عدّوان لم يكن بيغن يستطيع التأكد دون اخضاعهما.  كان هناك اولاً منظمة التحرير، ثم كانت هناك سوريا.

ولم يَسْعَ بيغن للسلام مع الفلسطنيين ولا مع السوريين، كما سعى اليه مع مصر،  لان مثل ذلك السلام كان يقتضي تخلياً عن اراضي محتلة. كان بيغن يريد الاحتفاظ بالضفة الغربية ليستكمل “أرض اسرائيل” وكان محتاجاً الى الاحتفاظ بالجولان ليحمي تلك الارض.  غير ان التمسّك بهذه الاراضي العربية كان يتطلب قوة لا يستطيع احد ان يتحداها. وكان مفتاح ذلك يكمن في احتواء سوريا، أو دحرها إذا دعت الضرورة، كان إخراج مصر هدف بيغن في فترة رئاسته الاولى، فاصبح تحييد سوريا هدفه في فترة رئاسته الثانية.

كان ذلك هو سياق تقاطع السيوف الاول بين الاسد وبيغن، خلال جوّ ما سمي بأزمة الصواريخ في لبنان، والتي بدأت في نيسان عام 1981. وقد نشأت تلك الازمة من الصراع على السيطرة على وادي البقاع وبدأت سوريا باستخدام طوافاتها ضد ميليشيا القوات اللبنانية وفرضت حصاراً على مدينة زحلة التي تحصن فيها عناصر القوات اللبنانية وبدأت بقصفها، وكانت اسرائيل قد وسّعت اتصالاتها بالمسيحيين في لبنان منذ العام 1976 غير أنها لم تصبح سياسة عملية إلا عندما بدأت الحرب اللبنانية في السبعينات، عندما بدأت اسرائيل تقدّم التزامات اوسع للمليشيات المسيحية توّجها وعد بيغن لهم عام 1978 الذي كرّره عام 1980 بأن يقف السلاح الجوي الاسرائيلي إلى جانبها إذا استعلمت سوريا قوتها الجوية ضدها[63].

فكان استعمال الطوافات السورية للقصف على مدينة زحلة ان دفعت بشير الجميل الى بعث موفد لحث الاسرائيليين على التدخل،  ونجح في ذلك،  فتدخل الطيران الاسرائيلي واسقط طوافتين سوريتين ورد الرئيس الاسد بإدخال صواريخ سام 6 المضادة للطيارات الى سهل البقاع،  وحصلت معارك جوية في لبنان، فارسلت سوريا سلاح الطيران للزود عن بطارية الصواريخ ومنيت بخسائر.  اعتبرت اسرائيل هذا خرقاً لاتفاق الخطوط الحمر المبرم مع سوريا عبر واشنطن والذي ينص على عدم السماح لسوريا بإدخال هذا السلاح الى لبنان،  إلا أن الرئيس الاسد اعتبر ان تل أبيب كانت البادئة بخرق الاتفاق من خلال هجومها على القوات السورية.

بات الوضع في غاية الخطورة فأرسلت واشنطن فيليب حبيب وهو دبلوماسي من أصل لبناني وموريس دريبر الى المنطقة لايجاد تسوية تقبل بها اسرائيل وسوريا، كما طرح ولي العهد السعودي الامير فهد بن عبد العزيز مشروعه للسلام في الشرق الاوسط وكانت سوريا تريد ان ترفض منظمة التحرير الفلسطينية هذا المشروع لكي تبرر رفضها له والعكس صحيح.  وبعد مناورات عديدة ادى موقف القوى الوطنية اللبنانية على إلزام الفلسطينيين رفض هذا المشروع. وفي 4 أيلول 1991 وفي الشطر الغربي من العاصمة اغتال مسلحون السفير الفرنسي في لبنان لوي دو لومار ولاذوا بالفرار،  كان دولامار  فاعلاً في محاولة التوصل لحل أزمة زحلة ولم يرق هذا لبعض الاطراف وكذلك فقد كانت فرنسا تتعرض لانتقادات نتيجة لتزويدها العراق بالسلاح في حربها مع إيران فقُصفت السفارة الفرنسية في بيروت.  وانتهت حرب زحلة بعد ثلاثة اشهر من نشوبها بانسحاب ميليشيا القوات اللبنانية منها وقيام قوات امن لبنانية وتمكن فيليب حبيب من إخماد الحريق بحيث احتفظ الرئيس السوري بالصواريخ في سهل البقاع ولكن شرط ان لا يستخدمها.  ويكون بقاءها رمزياً.

سابعاً: الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني السوري (الاجتياح)
بدأت الاحداث تتسارع في الجنوب وتأخذ منحىً تصعيدياً، فقد أدى تراشق مدفعي عنيف بين الجيش الاسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية عبر الحدود اللبنانية الاسرائيلية الى رفع حدة التوتر. وابتداءاً من هذا التصعيد نستطيع ان نعتبر ان العد العكسي قد بدأ بالنسبة للوجود الفلسطيني العسكري في لبنان. اعتبر بيغن وشارون ان منظمة التحرير اصبحت قوة سياسية، مما يجعل تهديد المنظمة لاسرائيل خطراً مضاعفاً في نظر تل أبيب ويجب إزالة هذا الخطر.بالاضافة الى القوة الفلسطينية في الجنوب، كانت حركة امل قد برزت كقوة لبنانية اساسية في الجنوب وخاضت معارك طاحنة ضد فصائل فلسطينية مختلفة. وألحقت في أحداها الهزيمة، بجبهة التحرير العربية الموالية لبغداد. وأدى تنامي نفوذ أمل الى نفوذها في موقع قرار بيروت، وأنضمت الى مجلس التنسيق الاعلى الذي حاول دون جدوى التوصّل الى صيغة تسمح باستباب الامن في مناطق النفوذ السوري – الفلسطيني – اليساري الاسلامي المشترك،  إلا ان العامل الاسرائيلي طغى على هذه المحاولة، وفي الرابع من شهر حزيران من العام 1982 بدأ الغزو الاسرائيلي للبنان بغارات عنيفة شنّها سلاح الطيران الاسرائيلي على بيروت الغربية والجنوب وكانت الذريعة لبدء الغزو محاولة اغتيال تعرض لها السفير الاسرائيلي في لندن “شلومو ارغوف”، من قبل جماعة ابو نضال المناهضة لياسر عرفات.

وبعد يومين من الغارات الجوية، بدأ الغزو البري للاراضي اللبنانية وكان الاعتقاد السائد ان القوات الاسرائيلية ستبعد منظمة التحرير مسافة حوالي الاربعين كلم عن الحدود وهي المسافة الكافية لتجنّب تأثير صواريخ منظمة التحرير وكانت دمشق مقتنعة كسائر عواصم العالم بهذا الامر، إلا أن شارون كان لديه خططاً اخرى ولاول مرة وطأت قدماه ارض عاصمة عربية وطوقت قواته بيروت الغربية في حصار محكم وامعنت فيها قصفاً.   وكانت القيادة الفلسطينية قد اتخذت قرارها بالانسحاب الا انها كانت تبحث عن أفضل الشروط الممكنة قبل القبول باتفاق الانسحاب. كما قاتلت القوات السورية في البقاع بشراسة ولكن اصيبت في دفاعاتها الجوية ومنيت بخسارة اكثر من سبعين طائرة دون خسارة اسرائيلية تُذكر كان آلاف القتلى والجرحى قد سقطوا واصبح الجيش الاسرائيلي يطوّق بيروت الغربية في حصار استمر عدة اسابيع واستمرت المفاوضات لإخراج الفلسطنيين ولقد اصطدمت محاولة الفلسطنيين واليسار بالحصول على دعم دولي وخاصة من الحليف الاساسي الاتحاد السوفياتي، بلا مبالاة موسكو وفي المقابل كان مسعى بشير الجميل لتبوء منصب الرئاسة يقترب من النجاح (الا ان هذا المسعى واجه معارضة سورية عنيفة)  ولقد كان الرئيس سركيس يتخوف من قيام الدولة العبرية بتوريط المسيحيين في حربها ضد الفلسطينيين والسوريين.   فحرص، منذ الساعات الاولى للاجتياح ، على تحذير بشير الجميل من خطورة الانزلاق في الدوامة الاسرائيلية، وقال له: “لا يجوز ان تتلطّخ يد المسيحي بدم الفلسطيني في معركة الى جانب اليهودي”  وكان جواب بشير إيجابياً ومطمئناً لدرجة جعلت الرئيس يردد امام سامعيه:” لقد نضج بشير بسرعة لم أكن اتصوّرها”.[64]

راهن الرئيس سركيس في بادئ الامر على ان اسرائيل لن تصطدم بالجيش السوري بسبب معاهدة الصداقة والتعاون التي تربط دمشق بموسكو. وما لبث ان غيّر رأيه عندما اطّلع على الحادثة التي حصلت في مجلسس الوزراء الاسرائيلي.  يروى ان بغين تلقى برقية عاجلة من موسكو وهو مجتمع مع حكومته فاصفر لونه لانه كان يخشى “إنذاراً سوفياتياً”  يطلب فيه وقف اطلاق النار فوراً.  ولكن ما إن قرأ نص البرقية حتى راح يضحك بملئ فمه:  فالاتحاد السوفياتي قدم “احتجاجاً شديد اللهجة ” بسبب قصف اسرائيل… السفارة السوفياتية في بيروت.

أما فيما يختص بالدول العربية فتخيلها الرئيس جميعاً عاجزة عن التأثير،  باستثناء مصر. في الواقع،  لم يحرك العرب ساكناً واكتفوا بالكلام الطيب والتمنيات الحارة في الوقت الذي كان الجيش الاسرائيلي يسحق الفلسطنيين ويضرب السوريين ويتقدم بسرعة مذهلة… فوصل أرييل شارون، في 13 حزيران، الى مشارف بيروت، طلب الرئيس سركيس عقد مجلس الامن التابع للامم المتحدة، استصدر القرارين الدوليين رقم 508 و 509 اللذين يدعوان اسرائيل الى وقف اطلاق النار وانسحابها الفوري من الاراضي اللبنانية المحتلة. كما ألّف برئاسته “هيئة إنقاذ وطني”  تضمّ ستة اعضاء: شفيق الوزان، فؤاد بطرس، بشير الجميل، وليد جنبلاط، نبيه بري، ونصري معلوف ممثلاً حزب الوطنيين الاحرار.[65]

كان يدرك سلفاً محدودية هذه الخطوات، ويعرف ان الولايات المتحدة الاميركية وحدها قادرة على ممارسة الضغوط الفاعلة على اسرائيل.  وقد قال لفيليب حبيب امام مشهد بيروت تلتهب: “عاصمتي تحترق ومواطني يقتلون، لم تعد مسألة حسابات سياسية انها قضية حياة او موت”[66].

وفي الثالث والعشرون من آب 1982 عُقدت جلسة انتخاب الرئيس اللبناني بحماية القوة الاسرائيلية بعد ستة اعوام من انعقداها بحماية الدبابات السورية. وقد تأمّن النصاب بصعوبة أي ثلثي عدد النواب[67]. ان دخول الجيش الاسرائيلي الى بيروت جاء يقلب الحسابات،  ويعطي الحملة الرئاسية معنى آخر وبعداً آخر.  ففي وضع عادي كان فوز بشير أمراً صعباً. بعد الغزو الاسرائيلي باسبوع وصل فيليب حبيب آتياً من دمشق. وبدأ على الفور إتصالات مكثّفة قدم على أثرها اقتراحه الذي عرف لاحقاً “بخطة حبيب” وتقضي هذه الخطة بوقف اطلاق النار، رحيل كل قادة منظمة التحرير الفلسطينية وعناصرها من بيروت، قبول وجود المنظمة السياسي في لبنان ويفضّل ان يكون في خارج العاصمة، تولي الجيش اللبناني الاشراف على بيروت الغربية وجمع الاسلحة فيها، خروج السوريين مع التأكيد ” أن غاية السياسة الاميركية هي الوصول الى تسوية تضع حداً نهائياً لكل وجود عسكري غريب في لبنان،  أكان فلسطينياً او سورياً او اسرائيلياً “[68]

وكانت هذه المقترحات موضوع مفاوضات صعبة ومعقدة مع منظمة التحرير الفلسطينية،  بوساطة شفيق الوزان وصائب سلام. ولم يّتخذ الفلسطينيون قرار إخلاء بيروت إلا لما أدركوا ان القرار الاسرائيلي لا عودة عنه، وان قدرة اللبنانيين على المقاومة قد تلاشت كلياً. إن المفاوضات مع ياسر عرفات اصطدمت بعدة عقبات، العقبة الاساسية، تمثلت برفض الفلسطنيين إخلاء بيروت ومغادرة لبنان بدون إبقاء “وجود عسكري رمزي على الاقل”. ليّن فيليب حبيب الموقف الاميركي، الذي قبل فكرة الوجود العسكري الرمزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما أوعز حبيب الى السعودية بدعوة بشير الجميل الى زيارتها لمناقشته في هذا الموضوع فالاميركيون اعتقدوا عن خطأ ان بشير وحده يجرؤ على التجاوب مع المطالب الفلسطينية والتعديلات المقترحة على خطة حبيب، بناءً عليه وجّه اليه سعود الفيصل،  في 30 حزيران، دعوة رسمية لزيارة الطائف باسم اللجنة الوزارية العربية التي تضم ممثلين عن الجزائر والسعودية والكويت ولبنان وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية،  واجتمع بشير فور وصوله بسعود الفيصل، بحضور الوزير الكويتي عبد العزيز حسين، والامين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي. فقال :” لن اتحدث عن الماضي.  سأكتفي بالنظر الى الحاضر.  وفي لبنان حالياً ستون الف جندي اسرائيلي،  وثلاثون الف عسكري سوري، وستماية الف لاجئ فلسطيني.  وإني اطلب اليكم،  باسمي وباسم الرئيس سركيس،  أن تساعدونا لاخراج كل القوات المسلحة غير اللبنانية من كل الاراضي اللبنانية.  إني مستعد أن أجد معكم مخرجاً مشرفاً للفلسطينيين.  ولكني أود ان يُعفى لبنان من كل التزاماته نحو المشكلة الفلسطينية لمدة عشرة اعوام.  إن ياسر عرفات يناور، يريد ان يكسب وقتاً. إنه يطلب،  ليغادر بيروت،  ان يبقى في لبنان وجوداً عسكرياً رمزياً مؤلفاً من ثلاثماية عنصر مسلح،  هذا الموضوع غير وارد.  لا نريد وجوداً فلسطينياً مسلحاً مهما يكن رمزياً. واضاف قائلاً، ساعدونا على التحرر من الوجود العسكري الاسرائيلي والفلسطيني والسوري.[69]

شدّد سعود الفيصل على التحذير من الخطر الاسرائيلي الذي يهدد لبنان والبلدان العربية. وأصرّ على ان اسرائيل تريد نشر الفوضى في الدول العربية وتدمير الشخصية الفلسطينية. وأضاف موجهاً كلامه الى بشير الجميل:”نريد ان ننقذ ماء وجه منظمة التحرير.  ونحن ندرك ايضاً مخاوفك. ولكن الموضوع بالنسبة لنا مطروح من زاوية اخرى. فاسرائيل تحاول اكراه لبنان على ان يدفع لها ثمن الانسحاب الفلسطيني. كما تحاول في الوقت نفسه نقل المشكلة الفلسطينية الى العالم العربي لتحويلها مشكلة عربية”.[70]

لقد كانت السعودية الوحيدة القادرة على التأثير في موقف السنيين اللبنانيين، ولكن ياسر عرفات كان يضع كل ثقله لمنع السعوديين من تأييد بشير الجميّل. وقد استطاع ان يعطل كل تأييد سعودي بحيث ان الزعماء السنيين وفي طليعتهم صائب سلام، لم يكتفوا فقط بمعارضة بشير بل قاطعوا الانتخابات.

أما بالنسبة لموقف الشيعة ، فلقد كان كامل الاسعد هو المفتاح، وكان في وسع بشير الجميّل ان يتابع حملته وان يأمل بالفوز ما دام الشيعة مستمرين في تأييده. ولقد كان كامل الاسعد رئيس مجلس النواب واحد من كبار زعماء الطائفة الشيعية ، اول زعيم مسلم تجرأ على تأييد ترشيح بشير الجميل علانية .

إذن، لم تكن مشكلة بشير الحصول على اكثرية اصوات النواب، بل ضمان اكتمال النصاب. وقد ركزّت المقاطعة السنيّة جهدها للحؤول دون عقد جلسة مجلس النواب. وفي 18 آب، في منـزل صائب سلام، قرر تجمع الشخصيات السنية وممثلو الحركة الوطنية مقاطعة الانتخابات الرئاسية حتى يتفق المسلمون والمسيحيون على مرشح آخر غير بشير الجميل

ولكن يوم الاثنين 23 آب، وبعد خمس ساعات من الترقّب الخانق اكتمل النصاب اثنان وستون رجلاً سجلوا منعطفاً في تاريخ لبنان ولكن فضلاً خاصاً يعود الى اربعة منهم،  وهم: رينه معوض، فؤاد غصن، سالم عبد النور وفؤاد الطحيني. ان الاثنين الاولين وهما من الشمال أيّدا بشير الجميل على الرغم من معارضة سليمان فرنجية العنيدة. أما سالم عبد النور وفؤاد الطحيني، وهما عضوان في جبهة النضال الوطني،  وهي كتلة برلمانية موالية لحزب وليد جنبلاط، فعادا خصيصاً من اوروبا للاشتراك في الانتخابات على الرغم من كل التهديدات والضغوط التي مورست عليهما.

وقد ألهب الغيظ صدور رجال وليد جنبلاط، فأحرقوا منـزلي هذين النائبين ومنازل نواب آخرين اشتركوا في الانتخابات الرئاسية وهنا نتساءل إذا كانت مبادرة هاذين النائبين هي محض شخصية؟

ثامناً: الصراع  الاسرائيلي – السوري
بُعيد انتخاب بشير الجميل رئيساً اجتمع مع بيغن الذي حاول ان يرغم بشير على تسديد الفاتورة كاملاً ، والفاتورة تعني الدخول في مفاوضات وصولاً الى اتفاقية سلام مع اسرائيل.

ومن ناحية اخرى بلغت المفاوضات التي ادارتها واشنطن لاخراج منظمة التحرير من بيروت مرحلة متقدمة وتم التوصل الى اتفاق تنسحب بموجبه منظمة التحرير الفلسطينية واللواء السوري الخامس والثمانون، من بيروت مقابل تمركز قوات متعددة الجنسية تشكلت من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وايطاليا في بيروت وتعهد اميركي بحماية اللاجئين الفلسطنيين. ولكن لم يكد يمضي على دخول القوات المتعددة الجنسية اسبوعين حتى أعلن الرئيس الاميركي انتهاء مهمتها.

إن تمكّن بشير من اعتلاء سدة الرئاسة كان صدمة،  أما اغتياله فكان صدمة اكبر بالنسبة للعديد من اللبنانيين الذين عقدوا آمال على انتهاء الحرب، لقد حدث انفجار هائل في مقر القيادة المحلي لحزب الكتائب في شرق بيروت أدّى الى مصرع بشير الجميل مع ثلاثين من اتباعه. وبعد ذلك بوقت قصير قبضت القوات اللبنانية على الرجل الذي زرع القنبلة،  وهو حبيب طانيوس شرتوني. وأشيع ان احد فروع المخابرات السورية قد ساعد الشرتوني على وضع القنبلة كما لجأ شخص آخر الى سوريا، وهو نبيل العلم الذي كان مشتبهاً في تورطه بالحادث[71]، ولقد شكل هذا الاغتيال في الرابع عشر من ايلول 1982 نقطة تحوّل في المنافسة السياسية بين الاطراف المتناحرة فلقد تمكن السوريون من عكس اتجاه التيار وبدأت المعنويات في المعسكر الاسرائيلي تنهار.

وبعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان قبيل انتخاب بشير فإن الساحة قد أخليت لمتنافسين اثنين، هما سوريا واسرائيل كأطراف إقليمية متنافسة على إلتقاط الورقة اللبنانية بعد استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية. وعرف لبنان نوع من مرحلة انتقالية استفادت منها سوريا لإعادة بناء قوتها واستجماع قدراتها بعد الخسائر التي مُنيت بها في البقاع اللبناني حيث كانت خسائر الاسد فادحة .[72] ولكن هذه المرحلة الانتقالية شهد لبنان فيها مآسي كثيرة، اولها، اجتياح اسرائيل لبيروت الغربية، ومن المآسي ايضاً في هذه المرحلة مجذرة صبرا وشاتيلا، لقد كانت واشنطن قد تعهدت بحماية اللاجئين الفلسطينيين عقب انسحاب منظمة التحرير من بيروت، إلا أن انسحاب القوات المتعددة الجنسية قبل فوات الاوان، ترك اللاجئين الفلسطينيين دون حماية.

وبعد افتضاح ما حدث في صبرا وشاتيلا خرج أربعماية الف اسرائيلي الى الشوارع يتظاهرون ضد التورط الاسرائيلي في المجزرة وخضعت الحكومة الاسرائيلية للضغوط الشعبية فانشأت لجنة كاهان لتقصي حقائق المجزرة وقد بيّن التحقيق ان الجيش الاسرائيلي كان متورطاً في هذه المجزرة.

وتحت تأثير الضغط الشعبي والمقاومة، إنسحبت القوات الاسرائيلية من بيروت الغربية وعادت القوات المتعددة الجنسية الى لبنان على وجه السرعة، عقب مجزرة صبرا وشاتيلا،  وانتخب المجلس النيابي اللبناني أمين الجميل رئيساً للبلاد بدعم اميركي بعد ايام من انتخاب شقيقه الاصغر بشير.

لقد أدى الاجتياح الاسرائيلي للبنان الى تقليص النفوذ العربي عامة والسوري خاصة،  ان في اجهزة السلطة (الحكومة،  مجلس النواب، الجيش، الادارة،  الخ… ) او في المجتمع الاهلي الطوائفي. ان لم نقل انكفاء هذا النفوذ ولو لفترة، وقد شهدت البنية السياسية اللبنانية اختلالاً في التوازن نتيجة لتغير موازين القوى على الارض،  هذا الاختلال تم التعبير عنه باستيلاء حزب الكتائب على السلطة،  ووصول بشير الجميل الى سدة رئاسة الجمهورية وذلك على يد نفس النواب الذين كانوا عشية الاجتياح يدورون في فلك سوريا،  والذين لا مانع مبدئي لديهم ان يغيروا مواقفهم في مرحلة لاحقة مع تغير موازين القوى.  وقد حاول بشير الجميل ان يقوم بلعبة سياسية كبيرة لا تتناسب مع حجم لبنان في المنطقة الذي يشكل تاريخياً دولة / كيان لا دولة قطب، فتضافرت عدة معطيات داخلية واقليمية لتصفيته والمجيء بأخيه أمين الذي ترافق انتخابه رئيساً للجمهورية مع استعادة اميركا كامل المبادرة في موضوع تركيب السلطة في لبنان وحصر الدور الاسرائيلي بالوجود العسكري الداعم للمفاوض الاميركي في تحركه السياسيي.[73]

وقد نشطت واشنطن للتوصل الى اتفاق بين لبنان واسرائيل لكن هذا النشاط اصطدم بمعارضة سورية ودعم سوفياتي لهذه المعارضة فسوريا عام 1983 ليست كسوريا عام 1982، لقد بدأت تستعيد الدعم السوفياتي ابتداءً من شهر كانون الثاني 1983 حيث أعطى السوفيات، السوريين شتى انواع اسلحة الدفاع الجوي، أرض – جو وبُنى عسكرية متكاملة إضافةً الى التدريب، لقد بدأ عهد جديد بوصول اندروبوف الى الحكم. ولو تمكن الاسرائيليون من التوصل الى اتفاق قبل هذا المفترق التاريخي لكانت استطاعت ان تفرضه على سوريا الضعيفة، لقد كان الاسرائيليون موجودين على الارض وكانوا قوة احتلال وكان باستطاعتهم فرض شروطهم ولكنهم كانوا بطيئين جداً في التفاوض.

 وبينما بسطت الحكومة نفوذها في بيروت كان الوضع في الجبل يأخذ منحىً مختلفاً فلقد سقط ضحايا مدنيون إثر اندلاع اشتباكات بين القوات اللبنانية  التي صعدت الى الجبل إبان الغزو الاسرائيلي والحزب التقدمي الاشتراكي وحاول الجيش اللبناني ان ينتشر في الجبل  الذي كان الجيش الاسرائيلي لا يزال يحتلّه، ولقد دمّر انفجار ضخم مقرّ الجيش الاسرائيلي في مدينة صور. كما تعرض النشاط الاميركي لضربة مؤلمة، في 18 نيسان 1983 حين اقتحمت سيارة ملغومة السفارة الاميركية في بيروت ودمرتها وقتل الانفجار اكثر من 60 شخصاً كانوا داخل السفارة من بينهم كبار موظفي وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية في الشرق الاوسط (CIA) الذين كانوا يعقدون اجتماعاً اقليمياً في السفارة. ولكن الجهود والنشاط الاميركي تواصل بمجيء شولتز الى المنطقة وزيارته لدمشق وإطلاع الرئيس الاسد على تفاصيل الاتفاق الذي سيعقد بين لبنان واسرائيل ولكن املاً لاح للرئيس الاسد بعدم تنفيذ الاتفاق بعد عرض الاوراق الجانبية الملحقة في هذا الاتفاق والتي تتضمن شروطاً اسرائيلية ولبنانية. فكان الشرط الاسرائيلي هو عدم انسحابها من لبنان إذا لم تنسحب القوى السورية والفلسطنية. وكان الشرط اللبناني ينص على انه إذا لم تنسحب اسرائيل فسيكون للحكومة اللبنانية ملء الحرية بإلغاء الاتفاق.[74]

ولكن بالرغم من المعارضة السورية فلقد وُقّع الاتفاق في السابع عشر من ايار سنة 1983 من قبل الرئيس الجميل أملاً في الحفاظ على الدعم الاميركي وكورقة بيده يمكن إستخدامها للحصول على مكاسب سياسية داخلية من خلال بيعها الى سوريا وكان توقيع الاتفاق في 17 أيار 1983 فاتحة سيل من هجمات القدح والطعن من دمشق ضد “الجواسيس” و “العملاء” و “الانعزاليين”  الذين وقّعوه. وهدّدت الحكومة اللبنانية بحرب اهلية جديدة. وقبل اربعة ايام من توقيعه عقد حلفاء سوريا الرئيسيون في لبنان مجلس حرب في زغرتا، بلدة سليمان فرنجية، صديق الاسد. فاجتمع هناك بالاضافة الى فرنجية نفسه،  زعيم طرابلس السني رشيد كرامي والدرزي وليد جنبلاط، وجورج حاوي من الحزب الشيوعي اللبناني،  وإنعام رعد من الحزب السوري القومي الاجتماعي،  وعاصم قانصوه من حزب البعث اللبناني وخلال الاسابيع التي تلت ذلك شكلوا-بتشجيع من الاسد-جبهة الانقاذ الوطني التي أقسمت ان تقاتل ضد الاتفاق، وتسقط الهيمنة المارونية وتواجه الاحتلال الاسرائيلي وتبني “لبنان الجديد”[75] وأكدت سوريا ان هؤلاء الرجال اكثر تمثيلاً للبنان الحقيقي من حكومة الجميّل الخائنة – ودعمت سوريا وجهة نظرها هذه بقصف ميناء جونيه في قلب المنطقة المسيحية.

وأتت معركة الضاحية والجبل للانقضاض على هذا الاتفاق ولتضع مصير رئاسة الجمهورية على بساط البحث، فبدأت الاشتباكات بين مناوئي الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني في بيروت الذي استطاع ان يسيطر على الوضع ولكن مع تدهور الاوضاع السياسية والعسكرية في البلاد اتخذت اسرائيل قرارها بالانسحاب من جبال الشوف الامر الذي ادى الى صراع عنيف بين الدروز والمسيحيين حيث ساهمت اسرائيل في تسليح الطرفين ثم انسحبت، وقد شاركت الاحزاب اليسارية والقوى الفلسطينية الى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي، بالاضافة الى مساندة المدفعية السورية، فانهزم المسيحيون ودامت السيطرة للحزب التقدمي الاشتراكي على الجبل.

أما القوات المتعددة الجنسية فقد ساندت الحكومة اللبنانية عسكرياً حيث تلقى الكولونيل غاري امراً بالاسناد المدفعي واستخدمت مدافع البحرية بما فيها نيوجرسي بقصف القوى التي كانت تهدد الجيش اللبناني ولكن واشنطن دفعت ثمن دخولها طرفاً في حرب لبنان ففي 23 تشرين 1983 اقتحمت شاحنة معبأة بالمتفجرات مقر مشاة البحرية الاميركية للمارينز قرب مطار بيروت الدولي وكانت هذه من أقصى الضربات التي تتلقاها واشنطن في لمحة بصر بعد الحرب العالمية الثانية حيث قتل 241 من المارينز في ثوان قليلة.[76]

وتزامن هذا الهجوم مع آخر استهدف مقرّ المظليين الفرنسيين في بيروت فقتل نحو خمسين منهم. كما تم تدمير مقراً عسكرياً اسرائيلياً في مدينة صور الجنوبية واسقطت الدفاعات الجوية السورية طائرة اسرائيلية كانت تغير على لبنان ثم طائرة اخرى ولكن اميركية في بداية العام 1984. لقد كان للدعم السوفياتي الاثر الاكبر في هذه المواجهات وقالت اسرائيل ان فنيين سوفيات كانوا يديرون الدفاعات الجوية السورية، لقد بدا لبنان وكأنه كله يشتعل ففي الشمال تم دحر ياسر عرفات بعد معارك دامية في مدينة طرابلس وكان يتزامن في بعض الاوقات القصف التي تشنّه سوريا وحلفاؤها على عرفات مع غارات جوية اسرائيلية فاضطر عرفات آخر الامر الى مغادرة لبنان نهائياً وكان العداء بين الرئيس حافظ الاسد ورئيس منظمة التحرير الفلسطنية ياسر عرفات في ذروته وهذا ما انعكس على معالم السياسة في الشرق الاوسط.

كل الامور سارت لمصلحة الرئيس حافظ الاسد، لقد اوشك على تسديد ضربته القاضية للولايات المتحدة والرئيس الجميّل حيث شنّت الاحزاب في بيروت الغربية هجوماً شاملاً وكاسحاً ضد الجيش اللبناني وسُميت هذه المعركة الفاصلة بانتفاضة 6 شباط حيث إنحلّ عقد الجيش اللبناني وانسحبت القوات المتعددة الجنسية ودامت السيطرة أخيراً الى الرئيس الاسد في لبنان.

وفي دور رئيسي لحركة امل في هذه الانتفاضة، تبيّن لاحقاً انه يهدف الى إعطاء هذه الحركة مواقع اكبر في الحياة السياسية والعسكرية للتطورات اللاحقة في البلاد،  وهذا الدور الاكبر سيكون بالضرورة على حساب القوى الاخرى.

لقد انتقل الصراع من صراع بين المشاريع الى صراع داخل المشاريع نفسها، لقد تحول لبنان عام 1984 الى مناطق نفوذ تتقاسمها الميليشيات المختلفة،  في بيروت الغربية أدّت انتفاضة 6 شباط الى انهيار سلطة امين الجميل فتقاسمت ميليشيات حركة امل والحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي وحركة الناصريين المستقلين المعروفة بـ المرابطون السيطرة.  أما بيروت الشرقية فكانت تحت النفوذ القواتي بالاضافة الى الجيش اللبناني الذي يدين بالولاء للرئيس الجميّل، لقد ادرك الرئيس انه لم يعد بالامكان استبعاد سورياً عن مجريات الامور.

لقد جاءت معركة الجبل والضاحية الجنوبية، لتوجه ضربة قاسية للمشروع الكتائبي وتحالفاته الاقليمية والدولية ولتضع مصير رئاسة الجمهورية على بساط البحث، خاصة بعد ان اطلقت المعارضة المتمثلة بوليد جنبلاط ونبيه يرّي شعار اسقاط أمين الجميل، فجاء الموقف السوري آنذاك ليؤكد مقولة ان السلطة في لبنان لا تبنى ولا تتغير من الداخل بمعزل عن الدول – الاقطاب الاقليمية، وبأن حاجة الدول العربية الى الشرعية المارونية التي يمثلها حزب الكتائب الحاكم يعطي لرئاسة الجمهورية الاولوية على الطوائف الاسلامية اللبنانية في سياسة المحاور العربية فمن شعار اسقاط امين الجميل الذي اطلقه جنبلاط وبري الى مشاركتهما في حكومة امين الجميل[77] .

يمكن قراءة كيفية تشكّل السلطة داخل الكيان وارتباط مسألة تغييرها بالدول- الاقطاب الاقليمية، وهو قانون ما زال يتجدد مع تجدد كل أزمة في بنية السلطة في الكيان اللبناني.  وهكذا استقبلت دمشق امين الجميل بعد معركة الجبل والضاحية وفرضت صيغة لا غالب ولا مغلوب مجدداً على المتقاتلين نتيجة تخلي الرئيس امين الجميل عن اتفاق 17 أيار مع اسرائيل لقاء تكريس غلبته الداخلية على بقية الطوائف[78].

إن انتقال الصراع الى داخل كل منطقة،  ادى الى نشوب سلسلة من المعارك استمرت على مدى السنوات المقبلة كان عنوانها بسط النفوذ والسيطرة على الاحياء السكنية، قادت ميليشيات الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة المرابطون احد هذه المعارك بعيد انتهاء مؤتمر لوزان وانتهت بوقف لاطلاق النار وسقوط عشرات القتلى والجرحى وفي نيسان 1985 قام وليد جنبلاط ونبيه بري بزيارة الى دمشق وبعد عودتهما بساعات سحق تحالف مكون من الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة امل والحزب الشيوعي حركة المرابطون.  كما اشتعلت بيروت الغربية عندما اشتبكت مجدداً ميليشيات الحزب التقدمي الاشتراكي مع حركة امل في معارك سُميت بحرب العلم عندما حاولت عناصر من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي نزع العلم اللبناني من مبانٍ حكومية واستبداله بعلم الحزب حيث قتل العديد من الابرياء في مسلسل الدم.

واستمراراً للمعارك بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة امل ، اجتاح الفلسطنيون مواقع المقاتلين الشيعة في بلدة مغدوشي الاستراتيجية في عملية خاطفة.  حاولت امل دون جدوى استعادة القرية المطلة على اجزاء هامة من الجنوب ثم تم التوصل الى اتفاق يتم بموجبه انسحاب المقاتليين الفلسطنيين من مغدوشة الا انه تم تسليمها الى مقاتلي حزب الله الذي أخذ ينافس أمل على زعامة الطائلفة الشيعية.

ووقعت بيروت الغربية اسيرة نزوات المسلحين المدمّرة، وشهدت فترة ما بعد الغزو الاسرائيلي بروز تيار اسلامي جديد ضمن الطائفة الشيعية وكان حزب الله الوجه العلني لهذا التيار وكان الاعتقاد السائد في لبنان والعالم ان إيران التي كانت تخوض مواجهة ضد العراق ودول الخليج والغرب تقف وراء الهجمات المتكررة على المصالح ومواطني الدول الغربية في لبنان وفي آذار 1985 رد خصوم ايران بانفجار مدمر في ضاحية بئر العبد ذات الاغلبية الشيعية واستهدف الانفجار السيد محمد حسين فضل الله وهو رجل دين شيعي اطلقت عليه وسائل الاعلام لقب الزعيم الروحي لحزب الله رغم نفي فضل الله لأي علاقة رسمية له بالمنظمة.  فالمخابرات الاسرائيلية والاميركية كانت تشك في ان الشيخ محمد حسين فضل الله[79] هو الدماغ المدبر للتفجيرات وعمليات الخطف الموجهة ضد الاميركيين في بيروت فاتخذت قراراً بقتله.

نجا فضل الله من الانفجار الذي اودي بحياة اكثر من 80 شخصاً واصابة ما يزيد عن المائتين. ولاحقا، بعد عامين من الحادث، ذكر Bob wod word الكاتب في صحيفة الواشنطن بوست ان الانفجار خططت له المخابرات الاميركية ونفذه لبنانيون واجانب دربتهم وكالة المخابرات المركزية الاميركية تحت غطاء برنامج عمل سري مصرح به  من قبل ريغن[80] . ولكن بوب وورد في كتابه عن الوكالة المذكورة يروي ان وليام كيسي قد استدرج مبلغ ثلاثة ملايين دولار من السعوديين من اجل تلك العملية.[81]

وشهدت بيروت الغربية التي بقيت مختلطة طائفيا طيلة سنوات الحرب، موجة خطف وتهجير استهدفت اللبنانيين المسيحيين كما استمر مسلسل خطف المواطنين الغربيين وخاصة الاميركيين وشعرت سوريا بان جزءا من مصالحها في لبنان بات مهددا من قبل نفوذ ايراني استعانت هي به لمواجهة خصومها في اعقاب الغزو الاسرائيلي للبنان.وتضافرت العوامل لتفجر صراعا دمويا بين حزب الله وامل استمر حتى نهاية الحرب اللبنانية، وكانت امل منهكة في حرب “المخيمات ضد الفلسطينيين” فكانت مضطرة في كثير من الاحيان للقتال على اكثر من جبهة. وفي هذه الاثناء تجدد القتال بين ميليشيات حركة امل والتحالف الاشتراكي الشيوعي وخاض الطرفان معارك مدمرة سميت بحرب الـ ستة ايام واصبحت حركة امل في موقف لا تحسد عليه، وسقطت في بيروت.

لقد تنافس الطرفان لبسط السيطرة على بيروت الغربية، هاذان الطرفان المرفوضان اصلا من قبل الزعماء السنة، فتدخلت سوريا وفرضت خطاً احمر، لمساعدة حركة امل ولتعزيز مواقعها ولتعزيز الموقع السوري العام في بيروت في مواجهة عرفات. وبدعم سوري ادت هزيمة حركة المرابطون المتحالفة مع الفلسطينيين الى سقوط جميع المناطق المحاذية لمخيمات اللاجئين في بيروت في يد حركة امل وكان اللواء السادس الذي انشق عن الجيش اللبناني اثناء انتفاضة 6 شباط 1984 قد التحق بأمل وساهم في حصار المخيمات بينما رفض الحزب الشيوعي المشاركة في حرب ضد الفلسطينيين وكان هذا احد اسباب خلل العلاقة مع دمشق لقد كانت الاستراتيجية السورية تهدف الى الامساك بالورقتين اللبنانية والفلسطينية لمواجهة المستقبل السياسي للمنطقة وارادت أضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وتحويلها الى تابع استراتيجي الامر نفسه بالنسبة لسياستها في لبنان فكانت حرب المخيمات تصفية نهائية لوجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان لكي يصبح لبنان كليا مرتبط بالسياسة السورية ولا تأثير مهما كان لمنظمة التحرير في السياسة اللبنانية.

واخيراً وفي شباط 1987 عادت القوات السورية الى بيروت الغربية بعد غياب  استمر لاكثر من اربع سنوات ولكن انتشار القوات السورية لم يتم من دون مشاكل، فلقد حصلت مواجهات بين القوات السورية وحزب الله في اكثر من مناسبة وانتهى في احداها بمقتل 22 من عناصر الحزب ثم بدأت الاستعدادات السورية لدخول قواتها الى الضاحية الجنوبية لبسط الامن بعد حرب اندلعت بين امل وحزب الله وفي هذا السياق قام رئيس جهاز الامن والاستطلاع في القوات السورية العميد غازي كنعان بزيارة السيد محمد حسين فضل الله، وفي طريق العودة  فتحت عناصر حزب الله النار على الجيش السوري، كان عنوان الازمة في نهاية المطاف تضارب المصالح السورية الايرانية في لبنان. (فالتقى مسؤولون ايرانيون وسوريون  للتفاهم) ثم انتشر الجيش السوري في الضاحية الجنوبية الا ان القتال انتقل من بيروت الى الجنوب حيث القاعدة الشعبية والثقل الحقيقي لحركة امل ودارت مواجهات دامية بين حزب الله وأمل خرجت منها ميليشيا امل منتصرة.

أعلنت حركة امل انها ستنهي حصارها للمخيمات الفلسطينية ولكن ما لبثت المنظمات الفلسطينية المناهضة لعرفات ان حلّت مكان ميليشيا امل في المعركة فالحرب التي بدأت بحرب المخيمات  انتهت بحرب فلسطينية فلسطينية فعندما لم تتمكن حركة امل من تحقيق اي من الاهداف الموضوعة لها، اسندت المهمة الى المنشقين وبعض القوى المناوئة للرئيس ياسر عرفات وانتهت هذه الحرب بآلاف القتلى والجرحى وانسحاب قوات ياسر عرفات الى مخيمات الجنوب حيث ظل مسيطرا الى ما بعد نهاية القرن العشرين.

وفي طرابلس كانت حركة التوحيد الاسلامي بزعامة الشيخ سعيد شعبان التي تحالفت مع ياسر عرفات خلال وجوده  في المدينة تخوض حربا دامية ضد ميليشيات لبنانية وعلوية متحالفة مع سوريا وكانت السيارات الملغومة من ادوات القتل في هذه المعارك.

 وبعد هجوم عنيف دام ستة ايام شنته الميليشيات اللبنانية المتحالفة مع دمشق ودعمته المواقع والدبابات السورية، رضخت حركة التوحيد ودخلت القوات السورية عاصمة الشمال  اللبناني.

اما في بيروت الشرقية، حصل ما يشبه الانقلاب في حزب الكتائب في آذار 1985 ،  لقد حاول حزب الكتائب فصل سمير جعجع واستدعي مسؤول الامن في الحزب ايلي حبيقة  لطمأنة المكتب السياسي على قدرته على الامساك بالارض، لم يدرك قادة الحزب الذين كانوا يدينون بالولاء للرئيس الجميل ان حبيقه كان على اتفاق مع سمير جعجع. لقد كان حزب الكتائب يريد فصل سمير جعجع الممتنع عن الغاء حاجز البربارة وفتح الطرقات حيث كان يتولى قيادة الشمال ويمسك بحاجز البربارة وهنا دخل حبيقه وسيطا ولكن بطريقة مخادعة فكان ان قطعت الطرقات واتيح لقوات سمير جعجع ان تجتاح المناطق وتصل الى بيروت والاستيلاء على القوات اللبنانية قيادة وسلاحا وعتادا وعزل حزب الكتائب كما ساهمت وفاة مؤسس الحزب الشيخ بيار الجميل قبل ذلك بفترة وجيزة في اضعاف الحزب، وكان من المفترض ان يقوم الرئيس أمين الجميّل بالمشاركة في جنازة الزعيم السوفياتي قسطنطين تشارنيكو الا انه في مواجهة هذه الازمة الغى سفره واجتمع مع كبار السياسيين المسيحيين في محاولة لملمة الوضع. ورفض الرئيس عرضاً سوريا بالمساعدة، ورغم ان واشنطن عارضت الانتفاضة الا انها كانت عاجزة عن القيام بأي شيء لدعم الرئيس.

وفي هذه الفترة ( ربيع 1985) كانت ميليشيا القوات اللبنانية على وشك ان تخسر آخر موطئ قدم لها من مناطق النفوذ الاسلامي واليساري ففي قرى  شرق  صيدا التي شهدت معارك طاحنة بين الطرفين انسحب المقاتلون المسيحيون وبدأت موجة انتقامية من مسيحيين بقوا في المنطقة.

حاول الرئيس الجميل الحصول على تفويض مكتوب من اقطاب ميليشيا القوات اللبنانية، سمير جعجع وايلي حبيقة للتفاوض مع سوريا ولملمة وضع المهجرين وشرقي صيدا الا انه لم يحصل على توقيع حبيقة الذي كان قد فتح خط اتصال مع السوريين. وقام حبيقة  بانقلاب معاكس داخل القوات اللبنانية في التاسع من ايار واعلن خيار لبنان هو عربي وان لسوريا موقع مميز فيه ولاول مرة منذ عشرة سنوات زار قائد لميليشيا القوات اللبنانية دمشق، كانت محادثات حبيقة، حليف اسرائيل السابق مع السوريين مؤشرا على ان شيئا ما يحدث وكانت سوريا على وشك ان تستضيف ايلي حبيقة ووليد جنبلاط ونبيه بري لتوقيع اتفاق ثلاثي ينهي حرب لبنان.

ولكن توافقت الارادة الاميركية مع رغبة سمير جعجع والرئيس امين الجميل بنسف هذا الاتفاق. فانقلبت التحالفات، سمير جعجع الذي كان متحالفا مع حبيقة ضد الرئيس امين الجميّل تحالف مع امين الجميل ضد ايلي حبيقه، وفي 15 كانون الثاني 1986 قام سمير جعجع مع قوى امين الجميل بالمتن ومع تحييد تام للجيش اللبناني بعملية ادت الى الاطاحة بالقوات الموالية لايلي حبيقه في جميع المواقع ما عدا موقع حبيقه الاساسي في الكرنتينا بمجلس الامن حيث حوصر، ولكن تدخل رئيس الاركان السوري للحفاظ على حياة حبيقه مهددا بتدخل الجيش السوري. وانتهت صفحة حبيقه الذي حاول بعد  اشهر العودة الى بيروت الشرقية بعملية دعمتها دمشق الا ان الجيش اللبناني تدخل وحسم المعركة ضد قوات حبيقه والحقيقة ان اندحار حبيقه استطاع ان يؤخر سيطرة القوات السورية على باقي الاراضي اللبنانية حوالي خمس سنوات اخرى .

تاسعاً: المواجهة الاخيرة
بعد سنوات من الحرب، استطاعت سوريا ان تضع يدها على لبنان باستثناء المناطق التي يسيطر  عليها اليمين المسيحي وكانت هذه المناطق الهدف الاخير لسوريا لاستكمال سيطرتها على كافة الاراضي اللبنانية، فكانت المواجهة الاخيرة. في بداية العام 1988 وقف لبنان على مفترق طرق، ففي هذه السنة كانت ستنتهي ولاية الرئيس امين الجميل ولا بد من انتخاب رئيس جديد. الا ان انتخاب رئيس للبلاد لم يكن مسألة محلية، اذ كان من الضروري اخذ العوامل الاقليمية والدولية في الاعتبار وعلى وجه التحديد النفوذ السوري والاميركي.

لم يطرح الاميركيون اي مرشح للرئاسة في لبنان اما السوريون فحاولوا ان يفرضواالزعيم الماروني سليمان فرنجية المرفوض من قبل القوى اليمينية في المنطقة الشرقيةمن بيروت، فتعطلت جلسة الثامن عشر من آب. ثم استبدلوه بمخايل الضاهر ، وقد اتى مورفي الموفد الاميركي بهذه الرسالة من دمشق قائلا ” اما الضاهر واما الفوضى”. لقد جوبه هذا الفرض بمعارضة مسيحية قوية فكان ان تعطلت الانتخابات الرئاسية، لقد وجد الرئيس الجميل نفسه في مأزق سياسي بعد ان رفض اتفاق مورفي الاسد، لقد تم رفض مخايل الضاهر  كرئيس للجمهورية ولكن ما هو البديل ؟ لقد تجسّد هذا البديل في حكومة انقتالية عسكرية مؤلفة من اعضاء المجلس العسكري حصرا، هذا المجلس الذي تكوّن في عهد الرئيس رشيد كرامي وشارك في تكوينه كل الاطراف اللبنانية  فوجد الرئيس الجميل في هذا المجلس، البديل الممكن في وقت كانت قنوات الاتصال والتفاهم بين الاطراف مقطوعة.

أُعلنت الحكومة الانتقالية  العسكرية برئاسة العماد ميشال عون قائد الجيش اللبناني،  فجوبه هذا الاعلان بمعارضة يسارية اسلاميّة، حيث اعتبر اليسار اللبناني والقوى الاسلاميّة، خطوة الرئيس الجميل مخلة بالاعراف السياسية في البلاد وما لبث ان اعلن رئيس الوزارة بالوكالة سليم الحص، وكان قد تولّى رئاسة الحكومة بعد اغتيال رئيسها رشيد كرامي، معارضته لهذه الحكومة، وبالاضافة الى هذه المعارضة كان في قلب الجسم المسيحي قوّة أخرى رافضة الحكومة العسكرية، هذه الحكومة التي لم تستطع ان تُجسّد أحلام القوات اللبنانية المنتظرة لعب دور سياسي وخاصة في هذه المرحلة الانتقالية. كما كان لانعدام الود الشخصي بين قائد الجيش وقائد القوات، أثّر في التطورات اللاحقة، وهكذا بدل انتخاب رئيس للجمهورية وقع لبنان في مأزق خطير اذ اصبح دون رئيس وبحكومتين بالاضافة الى قائدين مؤثرين في المجتمع المسيحي ولقد حاول سفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن، الوقوف على مسافة واحدة من الحكومتين فالتقوا بكل من الحص وعون ولكن هذا لم يمنع شلل المؤسسات في اداء وظائفها، فلم يستطع مجلس النواب انتخاب خلفاً لرئيسه حسين الحسيني، لعدم اكتمال النصاب. واستكمالا لمسلسل الانقسام والتقاسم، اتخذت حكومة الحص قرارا باقالة ميشال عون من قيادة الجيش واسنادها الى اللواء سامي الخطيب. واستمر الوضع يراوح مكانه حتى شباط 1989 عندما اندلعت اشبتاكات عنيفة بين وحدات الجيش اللبناني الموالية للعماد عون والقوات اللبنانية والموالية لسمير جعجع فكانت الشرارة الاولى بين قائدين متنافرين في قلب منطقة واحدة، كانت الغلبة لقوات عون عندما أُعلن وقف لاطلاق النار، الامر الذي منع من حسم المعركة لصالح اي من الطرفين مما سمح لاحقا بتجدد الصراع.

وفي الرابع عشر من اذار، اعلن العماد عون قيام حرب التحرير من الاحتلال السوري حين سقطت عدة قذائف على تقاطع حيوي في بيروت الغربية، وكان الردّ السوري، قصف عنيف استمر يومين بشكل شبه متواصل استهدف بيروت الشرقية ودخل لبنان في دوامة العنف ولعبت القوى الاقليمية المنقسمة دورا كبيرا في تغذية هذا العنف، فوقف العراق الغريم التقليدي لسوريا الى جانب العماد عون كما تلقى الدعم من منظمة التحرير الفلسطينية المناهضة للسياسة السورية في لبنان.

أعلن العرب تشكيل اللجنة السداسية التي يرأسها وزير خارجية الكويت، صباح الاحمد الصباح، مهمتها احلال السلام في لبنان وكان مبعوث هذه اللجنة الاخضر الابراهيمي يسعى بين الاطراف للتوصل الى وقف لاطلاق النار، الا ان عدة اتفاقيات لوقف اطلاق  النار كانت تنهار دائما في نهاية المطاف. راى العماد عون في سوريا الخصم الاساسي له وكان يتخوف من الانقسام المسيحي وهذا ما يفسر محاولته في بادئ الامر السيطرة على القوات اللبنانية للحفاظ على وحدة الصف المسيحي في مواجهة سوريا. اما بالنسبة للقوات اللبنانية فكان الخصم الاساسي لها هو العماد ميشال عون الذي فرض الحصار على المرافئ غير الشرعية التي كانت  تديرها (رفع الحصار لاحقا) والذي كان على وشك السيطرة على القوات لولا اعلان وقف اطلاق النار في شباط 1989 ولكن منذ ذلك التاريخ اخذت القوات تعد العدة لمواجهة لاحقة. أما اقليميا، فقد لعب العراق دورا اساسيا في تسليح كل من قائد الجيش العماد ميشال عون وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع، خصمي سوريا، اما سوريا فقد عملت على تركيز هدفها باسقاط المنطقة الشرقية لبيروت وتصفية كل من يعارض سياستها في المناطق اللبنانية التي تسيطر عليها وفي هذا السياق وفي السادس عشر من ايار اودى انفجار بحياة مفتي الطائفة السنّية الشيخ حسن خالد الذي حمل رغبة حقيقية لتسوية الامور وفي نفس الشهر انعقدت قمة عربية في المغرب، انهت اعمال اللجنة السداسية، وشكلت لجنة ثلاثية مكونة من السعودية والمغرب والجزائر، قامت هذه اللجنة بزيارة الرئيس العراقي صدام حسين ونالت تعهدا بوقف امداد الدعم العسكري لعون وجعجع.

وبينما كانت المواقع السورية واللبنانية الحليفة لها تحاول خنق بيروت الشرقية بقصف الاحياء السكنية والمنافذ البحرية ومستودعات الوقود، كانت وحدات الجيش اللبناني بقيادة العماد عون وميليشيا القوات اللبنانية تبادلها القصف، فأصدرت اللجنة العربية الثلاثية في آخر أيام تموز 1989 بيان اتهمت فيه سوريا باعاقة عملها. وكان هذا تقرير موجه الى رؤساء الدول العربية حمله الاخضر الابراهيمي الموفد العربي الى تونس وتم طبعه وتوزيعه على كل الدول الاعضاء ولكن هذا التقرير تم تسريبه وعلى اثر هذا التسرب، اشتد القصف والحصار والتدمير على بيروت الشرقية. فما كان من اللجنة ان واصلت عملها بعد ضغوط من الداخل اللبناني ومن العرب جميعاً.لقد عادت اللجنة الى عملها وقد اقتنعت، اذا كانت تريد التوصل الى حل فلا بد ان تبحث عن حل وسط مع سوريا لا ان تتهمها مباشرة.

لقد اعطى العرب العماد عون  الحق في مقاومته واعلنوا مسؤولية سوريا وتجاوزها السيادة اللبنانية، ولكن هذه الادانة لم تدم كثيرا، لم تدم اكثر من الوقت الكافي حتى وصل جايمس بايكر من واشنطن الى السعودية لكي يسحب التقرير ويضع مكانه تقرير اخر ينص على : “فلتقم القوات السورية مشكورة بفرض السيادة اللبنانية”. أعلن العماد عون ان واشنطن لا تفهم الا منطق القوة ولا ترضخ الا للذين يأخذون منها رهائن فكان الرد الاميركي باغلاق سفارتها في بيروت الشرقية.

واستمرت الجهود للتوصل الى اتفاق ينهي الحرب. شارك البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع الى جانب قائد الجيش العماد ميشال  عون في هذه المفاوضات.

وفي الثلاثين من ايلول 1989 ، بدأ النواب محادثات في مدينة الطائف السعودية بهدف التوصل الى اتفاق ينهي الحرب ووافق العماد عون على سفر النواب القاطنيين في مناطق سيطرته على اساس ان يطالب النواب بإجلاء القوات السورية عن لبنان ببرنامج معين، وهو اساسي قبل اي اصلاح، وبعد نحو الثلاثة اسابيع على وجود النواب في الطائف اي في 22/10/1989، أقرّ ثمانية وخمسين نائبا لبنانيا، وثيقة الوفاق الوطني، وعلى اثر هذا الاقرار كان بيان عون الثائر الشهير : “وبناء على اقتراح وزير الداخلية وبعد موافقة مجلس الوزراء بقراره رقم واحد تاريخ 3/11/1989، يُرسم ما يأتي : المادة الاولى، حل مجلس النواب اعتبارا من تاريخ هذا المرسوم. المادة الثانية ، تدعى الهيئات الانتخابية…[82]

بعد ايام من قرار الحل انعقدت جلسة انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية في بلدة القليعات  شمال البلاد وانتخب رينيه معوض رئيسا، حمّل مؤيدو عون جزءاً من مسؤولية انتكاستهم هذه الى سمير جعجع والبطريرك الماروني. لقد كان البطريرك صفير وسمير جعجع الطرفان المسيحيان اللذان سهّلا إقرار اتفاق الطائف فانقسم المسيحيون بين مؤيد لهذا الاتفاق وبين معارض له واصبح العماد عون في موقع لا يحسد عليه. وفي رسالة واضحة للعماد عون، اعلن رينيه معوض في خطاب القسم  ان المصالحة تتسع للجميع ولكن ما لبث ان اودى انفجار بحياة الرئيس رينيه معوض في الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني 1989 وذلك خلال مرور موكبه في بيروت الغربية وبعد يومين انتخب مجلس النواب اللبناني الياس الهراوي خلفا لمعوض الذي دعا عون الى التنحي.

لقد انحصر الهدف السوري باقصاء عون، فتوجّه الآف اللبنانيين الى القصر الرئاسي في بعبدا مقر عون دعما له، ورابطوا في القصر لاشهر تمت تسمية المكان بقصر الشعب.  أما الشعار الذي رفعته القوات اللبنانية : ” امن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار” لم يصمد امام الطلب الاميركي من قائد القوات اللبنانية بالتحرك لانهاء “حالة التمرد” المتمثلة بالعماد  ميشال عون. ففي اواخر ايام كانون الثاني 1990 اندلعت اشتباكات عنيفة بين وحدات الجيش اللبناني بقيادة عون والقوات اللبنانية وكانت هذه بداية ما سمي بحرب الإلغاء، وقد كفلت هذه المواجهة بتحجيم عون عسكرياً وحصره ببعض المناطق وبتقريب سمير جعجع بدرجة اكبر من المعسكر الموالي لسوريا حيث قام بتسليم مناطق يسيطر عليها للرئيس الهرواي  واعلن تأييده لاتفاق الطائف.

اما العراق فقد استمر كلاعب اساسي في الحرب اللبنانية حتى الثاني من آب 1990 حين غزت القوات العراقية الكويت، فانهمك العراق بتبعات هذا القرار وخرج من المعادلة اللبناينة وفقد عون آخر مؤيديه في الصف العربي، وانطوى هذا الامر على انعكاسات اخرى ايضا، فثمن المشاركة السورية في حرب الخليج كان في لبنان ومقابل المطلب الاميركي في ان تشارك سوريا في دعمها لحرب الخليج دفع الاميركيون ثمنان، لقد كان الثمن الاول في اطلاق يدها في لبنان كاملا اما الثمن الثاني كان  الوعد لسوريا بانعقاد مؤتمر مدريد وانهاء الازمة خلال سنة.

وفي الثالث عشر من شهر تشرين الثاني 1990 انتهى كل شيء، صدر الاذن الدولي، فاغارت طائرات سورية على القصر الجمهوري في بعبدا واجتاحت القوات السورية وألوية لبنانية موالية لحكومة الهراوي المنطقة الشرقية  في بيروت واحتل الجيش السوري القصر الرئاسي ووزارة الدفاع وتمت مصادرة مئات الملفات اللبنانية السرية، ولجأ عون الى السفارة الفرنسية وبعدها الى منفاه الفرنسي.

بعد ايام من سقوط الجنرال، اغتيل داني شمعون، احد رموز المعارضة المسيحية في بيروت الشرقية وبعد سنوات أدين سمير جعجع باغتيال شمعون واغتيال رشيد كرامي واصدر القضاء اللبناني حكما بإعدامه خُفِّف الى السجن مدى الحياة حيث ما يزال قابعاً في سجنه حتى اليوم.

لقد كثرت الاطماع في لبنان، وكثرت التناقضات اللبنانية فبين مشقة الاخوة وثورة الامير والحلم القومي الاسلامي والقومي اللبناني، تفسخ لبنان واتحدّ مهزوماً.

فهل بعد هذا، يجهد اللبنانيون فعلاً للعمل على تأمين ظروف، ذاتية ومحيطة، تتيح لهم السيادة الحقيقية على أرضهم وقرارهم ذاتياً وليس بالنيابة أو بالحري بالولاية؟.

ان قوة الحق يجب ان تدعم دائماً بحق القوة وبحكمة وشجاعة وترفّع القيادات، وحسن قراءتها للعلاقات الدولية والاقليمية، وبوحدة الارادة الوطنية لدى الشعب في المفاصل الحاسمة.

1 د. وعد ابو ملهب عطاالله “، مرجع سابق، ص 91

2 راجع التفاصيل عن امين سعيد الثورة العربية الكبرى، مكتبة مدبولي القاهرة ( طبعة جديدة بدن تاريخ ) ص 282 وما بعد راجع ايضا

Lenka Bokava, la confrontation franco-syrienne à l’époque du mandat, l’Harmattan, Paris,1990

3  د. انطوان حكيم، مرجع سابق، ص 25

4 فريد الخازن، مرجع سابق، ص 72

5  د. انطوان حكيم مرجع سابق، ص 21

6 أمين الجميّل،  الرهان الكبير، دار النهار للنشر، بيروت، 1988،  ص 71

7 راجع نصي البروتوكول (1861-1864) في:

Gabriel Nordadounghian.Recueil d’actes internationaux de l’Empire ottoman,t3,

Paris, 1902 pp.144-149 et 224-228  ed, Anthropos,

8  راجع نص اتفاقية سايكس بيكوفي

Antoine Hokayem, M-Claude Bittar, l’empire ottoman, les arabes et les grandes puissances, 1914-1920, les Editions universitaires du Liban, Beyrouth, 1981, pp 51-60

9 الرهان الكبير، مرجع سبق ذكره، ص 73

10 د. انطوان حكيم ، مرجع سابق، ص 23

11 راجع نص المذكرة في حسان حلاق، مؤتمر الساحل والقضية الاربعة، 1936، الدار الجامعية، بيروت، 1983، ص 68-70

12 كاظم الصلح، مشكلة الاتصال والانفصال في لبنان،  كرّاس من 16 صفحة بيروت، 1937، ص 12

13 نفس المرجع، ص، 12

14 المصدر نفسه، المقدمة وهي بعنوان ” رسالة وطنية ووفاء الى الاستاذ كاظم الصلح” ص 2و3

15 بشارة خليل الخوري، حقائق لبنانية، ج 2، الدار اللبنانية للنشر الجامعي بيروت، 1983، ص 21

16 حول تاريخ هذا اللواء من عام 1918 حتى عام 1939 راجع

Michel Gilquin, d’Antioche au Hatay, L’histoire oubliée du sandjak d’Alexandrette, l’Harmattan, Paris, 2000 (220p) =

راجع

17 Arch AE, Paris, série Afrique Levant 1944-1965, Carton 28, dossier K14-14 télégr. N°246 à 251 de LESCOYER du Caire à A.E, Le Caire 23 février  1945, voir également dans le même dossier télégr n°1024 du département à Ambassade à Londres, 20 février 1945

18 كمال جنبلاط ، ربع قرن من النضال، الدار التقدمية، المختارة، الطبعة الثانية 1987، ص 34

19هناك رأي آخر لكمال جنبلاط حول تكون لبنان وهو مكتوب بخط يده في كتابه ربع قرن من النضال في الفصل الاخير تحت عنوان وثائق وصور ومذكور في النشرة الاولى للحزب تحت عنوان ” العقيده”:

1- لبنان امة تكونت خلال الاف السنين من التاريخ، بفضل واقع مستمر جغرافي وانساني وروحي وسياسي وتتجلى الان في الاماني المشتركة بين شطربها المقيم والمغترب”.

2- يعتزم لبنان في تقاليده وامانيه ان يركز كيانه القومي ومؤسساته على المثل الانساني الاكمل…

20 كمال جنبلاط، مرجع سابق، ص 34

21 كريم بقرادوني، السلام المفقود، عبر الشرق للمنشورات، بيروت، لا تاريخ، ص 26

22 مقابلة مغ غسان تويني خاص بالمؤسسة اللبنانية للارسال في برنامج “تاريخ من تاريخ”

[23]   حول أزمة 1952 راجع:  Clude G. Hess and Herbert L. Bodman,

Confessionalism and Feudality in Lebanese politics, Middle East Journal 8, London, (Winter 1954) : p,10-26.

24 سامي الصلح – احتكم الى التاريخ ، دار النهار للنشر، بيروت، 1970، ص 171 .

25  د. خليل أحمد خليل، كمال جنبلاط، ثورة الامير الحديث، دار المطبوعات والنشر، بيروت 1984، ص. 173 .

 26  camillle chamoun, crise au Moyen – Orient, Paris ;Gallimard, 1963,  p, 67

27 سامي الصلح، مرجع سابق ، ص 181

28 نفس المرجع ، ص 193

29 نفس المرجع ، ص 191

30 جريدة العمل العدد الصادر في 13 ايلول 1958، والجدير بالذكر ان جريدة العمل كانت أحد منابر الموالاة للحكم 0

31 سامي الصلح، مرجع سبق ذكره، ص 185

32   Michael C. Hudson, The precarious Republic: Political Modernization in Lebanon (New York: Random House, 1968), p.116 .

33   Clude G. Hess and H erbert L. Bodman confessionalism and Feudality in Lebanese politics, Middle East Journal 8, London, (winter 1954) : p.109.

34    Patrick seale, The struggle for Syria: A study in post-war Arab politics, 1945-1985 (London: oxford university press, 1965).

                                                                                                 ربع قرن من النضال، مرجع سبق ذكره ، ص ، 205  35

  36  كريم بقرادوني، “الامن الاستراتيجي اللبناني” من وقائع الندورة الدولية التي نظمتها مؤسسة ” انطاكية للدراسات والابحاث” في 2-3-4-5 ايلول 1997 ص 137

37   د. خليل احمد خليل، مرجع سابق، ص 168

38  كمال جنبلاط ، مرجع سابق، ص 376

  39  كمال جنبلاط : بيان الرئاسة امام الجمعية العمومية للحزب التقدمي الاشتراكي، تشرين الثاني 1968

  40  عملياً بدأ التدخل العسكري الاسرائيلي في لبنان منذ ضرب الطيران الحربي الاسرائيلي مطار بيروت الدولي في أواخر 1968.  ثم تبعه الصراع العسكري بين الجيش اللبناني والفدائيين وانصارهم، لا سيما في جنوب لبنان وفي بيروت (حوادث أيار 1973) .

41  د. خليل أحمد خليل، مرجع سابق، ص 171، 1984

42  كمال جنبلاط، مرجع سابق، بيان رئاسة الحزب عام 1969، ص 391

   43  راجع ميشال ابو جوده “العربي التائه والسنوات اليتيمة”، دار النهار للنشر، بيروت، 1993 ص. 13 – 141 .

[44]  Hanf . coexistence in war time Lebanon: Decline of a state and Rise of a Nation, London, The center for Lebanese studies and I.B. Tauris 1993,  p.175.

45  د. فواز طرابلسي ، في مقابلة أجريت معه على تلفزيون المؤسسة اللبنانية للإرسال في برنامج كلام الناس بتاريخ 22/8/2002.

46  كميل شمعون ، مرجع سابق ، ص ، 7

 47 صحيفة الشرق الاوسط ،  بيروت 12/6/1975 .

[48] Henry Kissinger, Years of upheaval, Boston, Little Browen and Company,1982, p.788.

49  جريدة النداء البيروتية في 21/3/1976 مقتبسة من كتاب وليد الخالدي : الصراع والعنف في لبنان (طبع هارفارد 1979) ص. 55 .

50  مقابلة مع الرئيس الاسد اجراها سليم اللوزي،  رئيس تحرير الحوادث في 22/6/1975.

51  فورين بوليسي، العدد 55 ، (صيف عام 1984)،  مقال تحت عنوان “التعامل مع سوريا” لـ زئيف شيف.

[52] Jonathan Randal, Going all The way: Christian Warlords, Israeli Adventures, and the war in Lebanon, Newyork,Viking press, 1983, p.178.

 53  الشرق الاوسط : 14/4/76 .

54 خطاب الرئيس الاسد بدمشق في 20/7/1976

[55] Arab Report and Record Journal (1976)  p.362

56  عن الشرق الاوسط ليوم 31/12/1985 .

[57] Arab Report and Record Journal (1976) p.344.

[58] Ibid p.411.

59  صحيفة لوموند، باريس، 21 أيلول سنة 1976 .

60   بعد عدد من الهجمات الكبرى انتهت بما يقارب الدحر الكامل للفلسطينيين وحلفائهم.

61  للحصول على رواية كاملة لسيرة حياة الصدر انظر كتاب فؤاد عجمي،  بعنوان الامام المختفي: موسى الصدر والشيعة في لبنان (طبع إتياكا ولندن سنة 1986)

62   كلير ستيرلنغ : شبكة الارهاب (نيويورك ولندن 1981) ص. 1-24 ،

[63] Ze’ev Schiff, and Ehud Ya’ari, eds, Israel’s Lebanon War, Newyork, Simon and Schuster, 1984, p.29-      30

64  كريم بقرادوني، مرجع سابق، ص، 251.

 65  نفس المرجع، ص، 252.                                                                                                                                  .

66  نفس المرجع، ص، 253.

67  تنص المادة 49 من الدستور اللبناني على ما يلي:” ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السرّي بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الاولى ويكتفي بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي وتدوم رئاسته ست سنوات، ولا تجوز إعادة انتخابه الا بعد ست سنوات لانتهاء مدة ولايته.  ولا يجوز انتخاب احد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزاً على الشروط التي تؤهله للنيابة”  (قبل تعديلها بالقانون الدستور الصادر في 21/9/1990).

68  كريم بقرادوني، مرجع سابق، ص، 260.

69  نفس المرجع، ص، 262.

70  نفس المرجع، ص، 262.

71   لوموند، باريس، عدد 11/9/1985  .

72  ريتشارد غابرييل :  عملية سلام الجليل (طبع نيويورك 1984)  ص. 121 .

73  د. سهيل القش ، فشل النمذجة في بناء الدولة في الوطن العربي، دراسة منشورة في مجلة فكر، بيروت، العدد السادس والستون،

 ص، 19

74  مقابلة مع نيكولاس فيليوتبس،  مساعد وزير الخارجية الاميركي خاص بقناة الجزيرة حول “الحرب اللبنانية”.

75  أنظر، صحيفة السفير اللبنانية، 24/7/1984.

76  انظر مقالة بريان هوكنغ ومايكل سميث المعنوتة: “ريغان :  والكونغرس والسياسة الخارجية : شراكة متعبة  ومضطربة ” المنشور في مجلة ذي وورلد توداي (The World Today) عدد ايار مايو 1984 ص. 190-194 .

77  د. سهيل القش، مرجع سابق، ص. 19

78  د.  نفس المرجع، ص، 19

79  للاطلاع على افكار فضل الله انظر شبلي الملاط، الفكر الشيعي من جنوب لبنان، طبع مركز الدراسات اللبنانية في اكسفورد، 1988

80  الواشنطن بوست عدد 22/2/1987

81 وود ورد، القناع، الحروب السرية الوكالة المخابرات المركزية من 1981- 1987، ماكميلان، لندن، 1991، ص 501

82  أصدر العماد ميشال عون رئيس الحكومة العسكرية في 4/11/1989 وقبيل اجتماع مجلس النواب في اليوم التالي لانتخاب رئيس للجمهورية وكمحاولة للحيلولة دون هذا الانتخاب مرسوماً معللاً قضى بحل مجلس النواب وتعيين موعد جديد للانتخابات العامة.  وبصرف النظر عن مشروعية الحكومة العسكرية المذكورة شكّل قرار الحل مادة لمناقشات فقهية متعددة (أنظر جريدة السفير لا سيما عددي 2-3/11/1989 وفيهما مطالعة البروفسور جورج فيديل).