الفصل الأول من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”/نموذج الدولة اللبنانية

180

الفصل الأول من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”/نموذج الدولة اللبنانية

اضغط هنا لقراءة الفصل الأول من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”

اضغط هنا لقراءة الفصل الثاني من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”

اضغط هنا لقراءة الفصل الثالث من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”

اضغط هنا لقراءة الفصل الرابع والأخير من كتاب د. رندا ماروني: “لبنان في علاقته بسوريا”

الفصل الأول/نموذج الدولة اللبنانية
ان بنية المجتمع اللبناني على درجة كبيرة من التعقيد، فالجماعات الدينية تشكّل الوحدات الأساسية في تكوينه،وقد اكتسبت، في سياق التطور التاريخي لهذا المجتمع، كيانات سياسية تتمتع بشبه استقلال ذاتي. فالدولة اللبنانية تبدو كاتحاد بين جماعات دينية _ اجتماعية _ سياسية، تتقاسم سلطتها وتشارك في حياتها السياسية، وتحتل مستويات غير متوازية في تركيبة السلطة، تحددها قدراتها الذاتية والدعم الخارجي الذي ترتكز عليه. فالتوازن السياسي، الذي قامت عليه الدولة؛ غير مستقر، ومعرّض للخلل تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية.[1]

القسم الاول: ليبراليّة في نظام طوائفي
ينتمي نموذج الدولة اللبنانية نصاً، الى النموذج الليبرالي الا انه يتميز بواقع مغاير تسيطر  عليه العصبيات المذهبية والعائلية والاقلوية التي  اعادت انتاج بنيتها التقليدية تحت غطاء ايديولوجي من النصوص الدستورية المستمدة من الدساتير الاوروبية والتي أُلصِقت بواقع مغاير عن الواقع الاوروبي ولا يتطور بالضرورة بنفس السياق الذي تطور فيه المجتمع الاوروبي في انتقاله من الاقطاعية الى الرأسمالية نظراً لان الشرط التاريخي المسبق لولادة الدولة البرجوازية الديمقراطية في اوروبا قد تمثل من انبثاق الانسان الفرد المتفلت من عصبياته البدائية وهذا ما يفتقده المجتمع اللبناني. ولعل الحرب الاهلية التي اندلعت عام 1975 خير دليل على هشاشة هذا النموذج من الدول الذي اقتبس الليبرالية وابقى على عصبياته المذهبية، العشائرية،  الطائفية، فبرزت مؤسسات المجتمع  الاهلي من بنى تقليدية راسخة، (عشائر، عائلات، طوائف) حيث ظنّ البعض ولو لفترة انها ثلاشت واندمجت في مؤسسات الدولة العصرية التي حاولت إرساء قواعدها التجربة الشهابية، وحلّت هذه المؤسسات مكان الدولة، التي تلاشت امام الميليشيات الطائفية واعادت الى الاذهان  السمة البارزة لمنظور بنية الكيان  اللبناني، الا وهي الحروب الاهلية التي تكشف عمق ورسوخ البنى التقليدية، هذه الحروب التي كانت تنبثق عنها دائما صيغة توازن العصبيات على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب” ضمن حدود ما تسمح به المعادلات الاقليمية والدولية وهذا ما يطرح التساؤل حول كيفية انتقال المجتمع اللبناني من مرحلة العصبيات المذهبية والعائلية والطائفية الى مرحلة الدولة وذلك من منطلق المنهج القائل بضرورة رؤية ما هو قائم بقوانينه العامة كشرط مسبق لصياغة ما يجب ان يكون والا تحوّل اي مشروع لبناء دولة الى نمذجة مستعارة قد تصلح لمجتمعات اخرى ولكنها لا تتلائم مع الواقع بمعطياته التاريخية والبنيوية.

وهذا لا يعني الخروج بالمطلق عن القوانين العامة لتطور مجتمعات البشرية، بل يعني ان اي طرح فكري لتغيير بنى المجتمعات يجب ان ينطلق من قراءة معمقة لهذه المجتمعات بالذات لرؤية تمازيها او تطابقها مع مجتمعات اخرى، واكتشاف الادوات والوسائل  التنظيمية الملائمة لهذا التغيير، ونوع الدولة الملائمة، مع الاخذ بعين الاعتبار تجارب بقية الشعوب التي طرحت على نفسها مهمة بناء دولة قادرة على حل مشاكل مجتمعها.

ان الكيان اللبناني قد تميز بتفكك دولته وتلاشيها امام الميليشيات  الطائفية وذلك نتيجة اندلاع الحرب الطائفية فيه سنة 1975، وهذا ما يطرح تساؤلا حول اسباب هشاشة هذا النموذج من الدول، ان هذا يردنا حتما الى الجذور التاريخية لمحاولة بناء هذا النموذج، “نموذج الدولة الحديثة”، منذ المحاولة الاولى التي بدأت مع (الامير بشير  الشهابي الثاني 1788-1840 وحتى المحاولة الاخيرة، قبل حرب عام 1975، التي انتهت مع الدولة الشهابية (الرئيس فؤاد شهاب وامتداد تجربته 1958-1968 وبين هاتين المحاولتين يرتسم التاريخ السياسي للكيان اللبناني.

فإذا بنيت المحاولة الاولى بالتحالف مع قوى خارجية للوقوف بوجه السلطنة العثمانية،الا ان  رسوخ الععصبيات، وارساء صيغة الغالب والمغلوب، ادى الى شطر البلاد قائمقاميتين، واذا كانت صيغة 1861 ارست توازن العصبيات على صيغة لا غالب ولا مغلوب وذلك بتنصيب حاكم مسيحي ولكن غير لبناني الا انها عمليا قد قلصت من غلبة الدروز الى درجة التوازن بحيث تم القضاء على الاقطاع وشرّعت الملكية الفردية، هذا الاقطاع الذي كان يشمل الاغلبية الدرزية والاقلية المسيحية،وهذا ما انعكس غلبة للمسيحيين.

وقد تم تنظيم لبنان كسنجق عثماني، له استقلاله الذاتي، يحكمه حكام اجانب وفقا لنظام منبثق من وضع شاذ، جعلوه اساسا لحياة طبيعية واستمر من سنة 1861 حتى الحرب العالمية الاولى.

وعندما حل الانتداب، كان هم الانتداب الاول، كسب المغانم واخضاع البلاد لسيطرته على الطريقة الاستعمارية ، فحكمها ليس حسب شرعة عصبة الامم، اي في سبيل بلوغها  الحياة المستقلة المحترمة والديمقراطية الصحيحة، بل حكمها حسب روح نظام 1861، وذهنية القرن التاسع عشر، فكرّس التفريق الديني، كاساس للتمثيل الشعبي، بدل ان يعمد الى ازالة التفرقة القديمة ويحل الوحدة القومية مكانها عملا بمبادئ الحضارة الغربية نفسها.

فالمشاريع التي حملها الغرب على المجتمعات العربيّة بشكل عام، بالرغم من الفوائد الثقافيّة التي نُقلت الينا والتي لا تنكر،وبالرغم من تعزيز ممارسة الحريات العامة، الا انها قد ارتسمت بسلبية مزدوجة:

-قطع السيرورة التاريخيّةلتطور البنى القديمة وولوج الحداثة بشكل طبيعي.

-عدم اقامة سلطات وبنى غربيّة جديدة كما كان يتمنى ذلك معظم المثقفين في المجتمعات العربيّة، المتشبثين بالنماذج الغربيّة التي لم يطبقها الغرب على بلادنا كما طبقها في أوروبا، أو على الاقل لم تتم اي محاولة لتطبيقها، حتى نقول أنّه، لقد جرت المحاولة وباءت بالفشل، وهذا ما انعكس انتقاصاً من الديمقراطية.

 اذا، ًلقد أتت الديمقراطية منقوصة في لبنان، باعتبار الطوائف الدينية، تشكّل هيئات وسيطة بين المواطن والدولة، والحرية معززة باطار النظام الطوائفي وليس خارجه.

وقد جاء ميثاق 1943 ليرسي صيغة الغالب والمغلوب ايضاً، وقد خرجت الطائفة الدرزية مع هذا الميثاق المغلوب الاكبر، فبعد ان كان امراء الدروز أسياد لبنان، انتقلت هذه السلطة من الدروز الى الموارنة في سنة 1770، وترسّخت في ميثاق 1943، وبعد ان كان الدروز الشريك الاساسي للموارنة ايام المتصرفية، لم يبقى لهم سوى منصب وزير في دولة 1943 فتكرّست حصة كل طائفة وترسّخت بالقوانين. وقد  ولد الاستقلال في هذا المهد من التمييز الطائفي بالاضافة الى التفسخ القومي والانحراف المناقبي بين ايدي الساسة من ابناء المدرسة العثمانية الانتدابية ومن اهل الاقطاع الذين اندمجوا واصبحوا من اهل الادارة (منذ 1861) فنقلوا الاقطاعية اليها، وانعكست الصورة بخلفيتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، (تمييز وعدم مساواة بين المواطنين) وابقت على هذه الصورة فئة من الاثرياء والاقطاعيين، احتلت مراكز القيادة ومقاعد الحكم في السلطتين التنفيذية والتشريعية، فئة فهمت الاستقلال ضربا من السيطرة العابثة والاستقلال بدون رقيب، وراحت تتعاطى بالشؤون العامة والادارة والثروات الوطنية، كأنها فريسة او غنيمة وقد رأت هذه الفئة ان الاطار القديم ملائم مصالحها، فوطّدته ورفعت الرواسب الطائفية والرجعية الى مرتبة الصفات العامة والتقاليد الثابتة، فغرس في نفس المواطن ان يرى وطنه من خلال طائفيته، ودولته، من خلال نائبه الطائفي ووظيفته ومصالحه. وحقوقه، من خلال حصة طائفتة من كوتا الادارة والاعمال والشؤون العامّة. وهكذا تركز التعصب الطائفي في المجتمع اللبناني بدل ان يتركز الانتماء الوطني.

وانعكس هذا التعصب على نموذج الدولة هشاشة، هذه الهشاشة التي تكمن في الابقاء على العصبيات التي لم تتفتت كما حدث في الغرب، كحصيلة لتطور تاريخي لبنية المجتمع الاقطاعي الذي فرز مع نمو البرجوازية، الانسان الفرد. هذه الفردنة هي التي ميّزت المجتمع الغربي الرأسمالي على كافة المستويات ومهّدت لقيام الدولة اليمقراطيّة الغربيّة:

-فعلى المستوى الاقتصادي برزت الملكية الفردية من داخل المجتمع الاقطاعي، وواكب نمو التجارة الخارجيّة عبر البحار اقتلاع الفلاح عن وسيلة انتاجه (الارض) ونزوحه الى المدينة ليبيع قوة عمله بدل أن يبيع انتاجه من الارض.

-وعلى المستوى السياسي برز المواطن الفرد (citoyen  ) الذي أصبح في علاقة مباشرة مع الدولة الجديدة، بدون وساطة العائلة والعشيرة والطائفة، وهو مواطن يتمتع بحقوق الانسان الفردية ويلتزم بواجبات المواطنيّةالتي تفرضها الدولة والتي تقف عند حدود حرية الآخر وعند حدود المصلحة العامة.

-وعلى المستوى الفكري والفلسفي، برزت الانسانوية كمذهب يحتل فيه الانسان المفرد مكان الله الذي كان مسيطراً في الفلسفات السابقة. فالانسان هو الذي يصنع التاريخ بدل العناية الالهية،وهذا ما عبّرت عنه الفلسفة العقلانيّة الجديدة، انطلاقاً من كوجيتو ديكارت وصولاً الى فلسفة التنوير التي مهدت للثورة الفرنسيّة.

خلاصة القول: ان الشروط التاريخيّة لنشوء نمط الانتاج الرأسمالي في أوروبا ارتبطت بمعطى بنيوي داخلي، تمثل هذا المعطى بظاهرة الفردنة وولادة الانسان المفرد على انقاض التجمعات والعصبيات السابقة. ان ظاهرة الفردنة هذه كانت غائبة عن بنية مجتمعنا العربي، بسبب التركيبة العصبية التي تميز بها مجتمعنا الشرقي عبر التاريخ، والتي كانت تحول دون ولادة الانسان الفرد على قاعدة التطور الداخلي للمجتمع العربي بمعزل عن الاحتكاك بالغرب، وذلك على كافة المستويات والصعد:

-فعلى الصعيد الاقتصادي، تميّز النظام الاقتصادي العثماني الذي كنا جزءاً منه حتى عهد قريب، بغياب الملكية الفردية للأرض، واحتكار هذا الشأن من قبل الدولة المركزية التي كانت تقطع الارض لولاة أو لعصبيات محليّة لفترة محدودة، وهو نظام الديرليك ثم نظام الالتزام المقاطعجي الذي لا يسمح بنمو قوة اقتصادية مستقلّة خارج نطاق الدولة المركزية. ولم يتم ادخال الملكية الفردية على هذا النظام الاقتصادي الا في اواخر العهد العثماني وبفعل التغلغل الأوروبي في جسم الامبراطوريّة العثمانيّة.

-وعلى الصعيد السياسي، تميّز النظام السياسي العثماني بتمركز السلطة في شخص السلطان، يسانده في الحكم جيش انكشاري من أصل مسيحي مقتلع الجذور من عصبيته الأصليّة ويدين بالولاء للسلطان كجسم غريب عن المجتمع. ومن هذا الجسم تدرّج الولاة الذين يستتبعون العصبيات من خلال عائلات مقاطعجيّة. فالمواطن المفرد لا وجود له بالنسبة للدولة المركزية الا من خلال عصبيته العائليّة.

-على المستوى الفكري، بقي الفكر الديني الاسلامي مسيطراً، ومن خلاله يتم التعامل مع كتل دينيّة أخرى ( أصحاب الكتاب والملل )، مما أعاق ولادة عقلانيّة انسانوية كما في الغرب تضع الانسان المفرد مكان الله.

 اذاً لقد انعكس التعصّب على نموذج الدولة هشاشة،فاءذا كانت هشاشة النموذج تكمن في الابقاء على العصبيات التي لم تتفتت كما حدث في الغرب فان هذه الهشاشة قد ترسخت في القوانين وفي الحلول  المطروحة على مدى الزمن.

أولاً: نظام القائمقاميتين (اتفاق 7 كانون الاول سنة 1842) :

قضى هذا النظام بتكريس الفاجعة الوطنية  التي حصلت في الحوادث الدامية اذ شطر الجبل شطرين، قائمقامية مسيحية يديرها قائمقام مسيحي تمتد من طرابلس الى طريق الشام وتضم المتن (بدون الشمال وجبيل) مركزها بكفيا. وقائمقامية درزية تمتد من الضفة الاخرى من طريق الشام الى صيدا مركزها بيت الدين.

 نظام شكيب افندي سنة 1845

ابقى على القائمقاميتين ولكن أردفتا بميثاق وضع بين الدروز والموازنة في 21 حزيران 1845. وبمجلسين، لكل قائمقامية مجلس، يتألفان من مندوب عن القائمقام،  واربعة قضاة وخمسة مستشارين يمثلون  الطوائف ( سنيان، درزيان، مارونيان، روم ارثوذكس 1، شيعي 1) [2] ويختارهم المطارنة والعقال من كل طائفة. وبهذا التدبير الجديد يبدأ تاريخ التمثيل الطائفي في لبنان.

ثانياً_ نظام المتصرفيّة:بروتكول 1861 المعدل سنة 1864.[3]

نقض هذا البروتوكول الانظمة السابقة وابدلها بنظام موحد، ولكنه لم يكن افضل منها لجهة مصلحة البلاد ودفعها  الى طريق التقدم والوحدة والرقي الدولي، واهم ما جاء فيه، يوضح معايبه واضراره.

-حرمان لبنان من حدوده الطبيعية بسلخه عنه بيروت وصيدا وطرابلس والبقاع ووادي التيم وعكار.

-تنصيب متصرف مسيحي غير لبناني لادارة جبل لبنان وهنا تبرز صيغة، لا غالب ولا مغلوب، بحيث ان الحاكم المسيحي لم يكن لبنانيا وهذا انتصار للدروز على الموارنة  بالاضافة الى كون الحاكم مسيحي وهذا انتصارا مارونيا على الدروز كون الامارة التي آلت الى الموارنة سنة 1770 مع الامير يوسف كانت بداية عهد الشهابيين النصارى[4] ونهاية الامارة الدرزية من هنا كان اصرار البطريرك الماروني يوسف حبيش في اوائل ربيع 1841 ان يكون خلف الامير بشير الثالث اميراً لبنانيا مارونيا، لكن البطريرك رفض المرشح للامارة من قبل الدول الكبرى، وهو الامير حيدر ابي اللمع، والمقبول ايضاً من الدروز، أملاً منه بعودة الامير بشير الثاني الى الحكم[5] ولكن ما لبث ان انتهى عهد الامارة، في 13 كانون الثاني 1842، بعد احداث دامية بين الدروز والموارنة.

-إنشاء مجلس ادارة واحد، مؤلف من اثني عشر عضوا ينتخبه مشايخ القرى وليس الاهلون.

-تأليف المجلس على قاعدة التمثيل الجغرافي الطائفي وهي نواة التمثيل النيابي الساري حتى يومنا هذا (كسروان والبترون : مارونيان – جزين : ماروني وسني ودرزي – المتن : ماروني وروم ودرزي وشيعي – الشوف : درزي – الكورة : روم ارتوذكسي – زحلة : روم كاثوليك).

-تحديد مساحة الاقضية الادارية وحدودها على اساس الاكثرية الطائفية من سكانها، لا على اساس الفواصل والمسافات الطبيعية

-واخيرا تدخل الدول الاوروبية رسميا في هذا الاجراء، اذ انها هي التي وضعت صيغة النظام مع الدولة العثمانية وعدّلته ثم وقعته.

وهكذا نرى في كل تلك الحلول، ان الدول التي تبرعت لحماية لبنان وتنظيم شؤونه، عملت في الواقع على اعطاء ضعفه وازماته الداخلية قاعدة قانونية مؤسسية بشكل يضمن لها سبل التدخل  واقدمت كل دولة على رعاية طائفة من اللبنانيين (فرنسا : الموارنة – انكلترا : البروتستانت والدروز – روسيا : الروم الارتوذكس تركيا : الدروز والمسلمين).

لم يكن من شأن التدابير التي وضعت حتى سنة 1864 ان تسفر عن حل للمعضلة اللبنانية بل زادتها تشويهاً وتأزماً لاسيما بسلخ الاراضي الحيوية عن لبنان واضعافه اقتصاديا ونزع الحكم الوطني منه واقامة حكم اجنبي فيه ودفعه في حياته  العامة على درب الطائفية، حيث سهُل العبث به بحرية وسهولة.

ففي 6 ايلول سنة 1864 [6]، صدر في الاستانة عن السلطان العثماني نظام جبل لبنان الاساسي فورد فيه

“لما كان الاجل المضروب مدة ثلاث سنوات للنظام الذي وضع للقرار الذي تقدم صدوره بخصوص ادارة جبل لبنان تحصيلاً  لاسباب رفاه وأمن الرعية التابعين دولتي العليّة القاطنين والمستوطنين الجبل المذكور وكان من المقرر انه عند انقضاء المدة المعينة يُعاد التذاكر في مقتضى الحال وقد انقضت الان، فقد جرى التعديل والتنقيح في بعض المواد الواردة في لائحة هذا النظام، وعند عرضها على جانب سلطنتي الاشرف والاستئذان فيها تعلقت إرادتي  السنيّة الشاهانية باجراء مقتضاها على هذا الوجه وبموجبها لزم اعلان النظام المذكور على المنوال الآتي بيانه :

المادة الاولى : يتولى ادارة جبل لبنان حاكم مسيحي ينصّبه الباب العالي ويكون مرجعه اليه رأسا

المادة الثانية : يكون لكل الجبل مجلس اداري مركزي مؤلف من اثني عشر عضوا مبعوثين من المديريات وتكون قسمتهم على المديريات بالنسبة الاتية :

(1)و (2) ان كلا من مديريتي كسروان والبترون تُرسِل عضواً مارونياً

(3)ومديرية جزين مارونياً ودرزياً ومسلماً

(4)مديرية المتن مارونيا وروما ارتوذكسياً ودرزياً ومتوالياُ

(5) الشوف درزياً

(6) الكورة روما  ارتوذكسياً

(7) زحلة روما كاثوليك

المادة الثالثة : يقسم الجبل الى سبع دوائر  إدارية وهي :

1-الكورة بما فيها الجهة السفلى وباقي قطع الارض المجاورة وسكانها على مذهب الروم الارتوذكس – ما عدا بلدة القلمون الكائنة على الساحل وكل سكانها تقريباً من المسلمين.

2-الجهة الشمالية من لبنان بما فيها جبّة بشري والزاوية وبلاد البترون

3-الجهة الشمالية من لبنان بما فيها بلاد جبيل وجبة المنيترا والفتوح وكسروان ذاته حتى نهر الكلب

4-زحلة وضواحيها

5-المتن بما فيها الساحل المسيحي واراضي  القاطع وصليما

6-الاراضي الكائنة في جنوبي طريق الشام حتى جزين

7-جزين والتفّاح

يكون في كل من هذه الدوائر مأمور اداري يقيمة الحاكم ويختاره من الطائفة الغالبة سواء بعدد سكانها او اهمية املاكها.

وتنص المادة السادسة : يكون في الجبل ثلاث محاكم ابتدائية تؤلف كل محكمة من قاضٍ ونائب يقيمة الحاكم ومن ستة مدافعين رسميين تنتخبهم الطوائف وفي مركز الحاكم مجلس قضائي اعلىمؤلّف من ستة قضاة يختارهم ويوليهم الحاكم من الطوائف الست : المسلمين، السنيين والمتاولة والموارنة والدروز والروم الارتوذكس والروم الكاتوليك ومن ستة مدافعين رسميين تنتخبهم كل هذه الطوائف ويضاف اليهم قاضٍ ومدافع رسمي من المذهب البروتستانتس والاسرائيليين كلما كان لاحد من هاتين الطائفتين مصلحة في الدعوى.

وتنص المادة 16 : يشرع في اقرب ما يمكن باحصاء الاهالي محلا محلا وملة ملة ويمسح كل الاراضي المزروعة.

كان ذلك سنة 1864 في عهد الحكم العثماني وعلى اثر احداث 1860 وتدخل الدول الاوروبية.

ثالثاً: نظام الجمهوريّة اللبنانيّة
بعد اكثر من نصف قرن، على صدور بروتوكول 1861، المعدّل سنة 1864، اي في 23 من ايار 1926، اصدر المفوض السامي الفرنسي الدستور اللبناني فجاء في مادته الخامسة والتسعين.

“بصورة مؤقتة، وعملا بالمادة الاولى من صك الانتداب والتماساً للعدل والوفاق تُمثّل الطوائف العامة بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دون ان يؤول ذلك الى الاضرار بمصلحة الدولة” ونصت المادة السادسة والتسعون من الدستور نفسه :

“توزّع الكراسي في مجلس الشيوخ وفاقا لاحكام المادة الـ 22 والـ 95 على الطوائف بالنسبة التالية : 5 موارنة، 3 سنييّون، 3 شيعيون، 2 ارتوذكس، 1 كاثوليك، 1 درزي، 1 اقليات”.

تلك هي المواد الدستورية التي وضعها المفوضون السامون الفرنسيون وعاش اللبنانيون في ظلها طوال عهد الانتداب، أي طوال ربع قرن. وفي الخامس والعشرين من شهر ايلول سنة 1943 تقدم رياض الصلح، اول رئيس لاول وزارة وطنية في عهد الاستقلال، ببيانه الوزراي الاول، محدد موقف السلطات الوطنية الاستقلالية من أهم القضايا والشؤون العامة البارزة آنذاك.  وبعد ان ذكر الاستقلال وتنظيمه وتنظيم الحكم الوطني تطرق الى الطائفية، فقال ما حرفيته :

“ومن اسس الاصلاح التي تقتضيها مصلحة لبنان العليا معالجة الطائفية والقضاء على مساوئها، فان هذه القاعدة تقيد التقدم الوطني من جهة وتسوِّد سمعة لبنان من جهة اخرى، فضلا على انها تسمم روح العلاقات بين الجماعات الروحية المتعددة  التي يتألف منها الشعب اللبناني، وقد شهدنا كيف ان الطائفية كانت في معظم الاحيان اداة لكفالة المنافع الخاصة، كما كانت اداة لايهان الحياة الوطنية في لبنان ايهانا يستفيد منه الاغيار ونحن واثقون انه متى غمر الشعب الشعور الوطني الذي يترعرع في ظل الاستقلال ونظام الحكم الشعبي، يقبل بطمأنينة على الغاء النظام الطائفي المضعف للوطن”[7]

ويتابع رياض الصلح بيانه فيقول : “ان الساعة التي يمكن فيها الغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان وسنسعى كي تكون هذه الساعة قريبة باذن الله ومن الطبيعي ان تحقيق ذلك يحتاج الى تمهيد واعداد في مختلف النواحي وسنعمل جميعا بالتعاون، تمهيدا وإعداداً، حتى لا تبقى نفس الا وتطمئن كل الاطمئنان الى تحقيق هذا الاصلاح القومي الخطير”0 إلا ان الحكم الوطني مع موقفه المبدئي هذا وفي 9 تشرين الثاني 1943 عندما عدّل الدستور ومحا منه آثار الحكم الانتدابي اكتفى عند تعديل المادة 95 بشطب العبارة التي تشير الى صك الانتداب وابقى على باقي احكام المادة فاصبحت كما يلي : “بصورة مؤقتة والتماسا للعدل والوفاق، تمثل الطوائف بصورة عادلة في  الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة دوان ان يؤول ذلك الى الاضرار بمصلحة الدولة” اي ان شيئا في اساس المادة 95 لم يُعدل وفي 3 تموز 1944، ألّف رياض الصلح الوزارة الاستقلالية الثانية وألقى بيانه الوزاري فأتى على ذكر الطائفية مجددا،  فقال ما حرفيته :

“ان اوضاع الماضي وكثير منها ما قام على غير المصلحة الوطنية المجرّدة، لا تصلح كلها للبنان في  عهده الاستقلالي الدستوري القائم. فلا بد من ادخال التحوير والتبديل على هذه الاوضاع بحيث تلائم هذا العهد وبحيث تلبَّي طموح لبنان الى التقدم والمجد. فهنالك قيود داخلية تعوق لبنان عن السير الى الامام بالسرعة التي يستطيعها. ولعلّ اثقل هذه القيود، النظام الطائفي، وقد زادتنا تجارب الحكم في الاشهر التسعة الاولى معرفة بثقل هذا القيد لذلك ستكون الطائفية اول ما نعالجه في اوضاعنا ولن نكتفي في معالجتها بالعمل في الحقل القانوني بل سيكون علاجنا لها اعمق اذ نعمل في استئصالها في النفوس”.

“اننا نريد ان نقيم بناء هذا الوطن في النفوس على اساس الوطنية والاخلاق الفاضلة التي تأمر بها الاديان جميعها والتي يعلّمها العقل والحكمة الانسانية المجرّدة، والمدرسة هي اصلح تربية لغرس الفضائل ولالقاء البذور الصالحة في النفوس وعلى ذلك ستكون عنايتنا بالمعارف عناية واسعة عميقة”[8].

وبعد مرور حوالي الخمسين سنة من عمر الاستقلال، فأين نحن اليوم من النظام الطائفي المؤقت، وحتى تكتمل الصورة القانونية لنموذج الدولة اللبنانية لا بدّ لنا ايضا من ذكر آخر ما عُدِّل فيما يتعلق بالصيغة الطائفية المتجذرة في النصوص وهذا ما سنتطرق  اليه في الجزء المتعلق بدراسة اعادة تركيب نموذج الدولة اللبنانية بعد استكمال الوصاية السورية على لبنان مع العلم  ان النصوص والقوانين في ظل  غياب التوازن بين الاطراف، يسهُل تحريفه وتجاوزه.

فالدستور اللبناني المعدل سنة 1990 يأتي على ذكر الموضوع الطائفي في لبنان في مواد جديدة لم تكن واردة في الدستور القديم، علماً ان في الدستور القديم اكثر من مادة متعلقة بالموضوع لاتزال سارية المفعول. كالمادة التاسعة والمادة العاشرة.

المادة 9 : حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الاجلال لله تعالى تحترم جميع الاديان والمذاهب وتكفل حرية اقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على ان لا يكون في ذلك اخلال في النظام، وهي تضمن ايضاً للاهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية.

المادة 10 : التعليم حرّ ما لم يخل بالنظام العام او يناف الآداب او يتعرض لكرامة احد الاديان او المذاهب ولا يمكن ان تُمَس حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة على ان تسير في ذلك وفقا للانظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المدارس العمومية.

انّ اختلاف وجهات النظر بين الطوائف حول تاريخ لبنان، وحول محتوى الناهج التعليميّة التي يتلقّاها الطلاب، قد جعل من هذه المادة حاجزاً ثقافياً يزيد الهوة اتساعاً بين اللبنانيين. ان أول ما يلفت نظر الباحث في تاريخ لبنان الحديث، هو تعدد قراءات هذا التاريخ، تعدد الطوائف والقوى السياسيّة، بشكل يؤدي الى خلاف جذري في زاوية النظر التي تتم عبرها قراءة المنعطفات التاريخية الكبرى من قبل هذه الطائفة او تلك، أو تقويم شخصيات لبنان التاريخية ودورها في تاريخ لبنان. ان هامش التناقض والتعارض كبير جداً بالنسبة لمرحلة حكم الامير بشير الشهابي الثاني مثلاً، بالنسبة لزاوية النظر التي تتناول تلك المرحلة، ففي حين ينظر اليه مؤرخو الموارنة على أنه بطل لبنان” القومي “و”مؤسس” الدولة الحديثة، نجد أن مؤرخي الدروز والمسلمين ينظرون اليه نظرة سلبية، اذ يعتبرونه مسؤولاً عن اختلال التوازن الذي حصل في جبل لبنان في القرن التاسع عشر وأدى الى انتقال الغلبة والسلطة من الدروز الى الموارنة. ان هذا المثل، من بين عدة أمثال يمكن الاشارة اليها، يؤكد ملاحظتنا حول النزاع القائم بين مختلف الطوائف والقوى في لبنان بالنسبة لتاريخ بلادنا.

كما ان اعتبار المجتمع اللبناني مكوّناً، في الوقت نفسه، من مواطنين ينتمون مباشرة للدولة، ومن جماعات اجتماعيّة_سياسيّة (الطوائف الدينية) تشكّل هيئات وسيطة بين المواطن والدولة، قاد واضعي الدستور الى تبني نصوص متناقضة مع بعضها البعض احياناً.[9] فالمادة 12 من الدستور التي تقول ان: “لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة، لا ميزة لأحد على الآخر الا من حيث الاستحقاق والجدارة…” هي مادة تعطّلت طويلاً بالمادة 95 القديمة. ولكن حتى نظرية التمثيل العادل الذي نصّت عليه المادتان، القديمة والحديثة، اذا كانت تهدف الى انصاف الطوائف كمجموعات، الا أنها لا تنصف الافراد، كمواطنين، من حيث حقّهم المبدئي والطبيعيي بالوصول الى المراكز العامّة. فتوزيع المراكز السياسية على الطوائف مثلاً، وحصر عدد منها في طوائف معينة، كان له مع سوء الممارسة، أثر سلبي على سير النظام، فكان من العوامل الداخليّة لانفجار الوضع عام 1975.

أما المقدمة التي أضيفت الى الدستور بموجب القانون الدستوري الصادر في 21 ايلول 1990، فقد تناولت الموضوع الطائفي، في الفقرة “ح” من المقدمة التي تنص على ان إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني اساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية. وجاءت الفقرة ي من المقدمة، التي تنص على أن “لا شرعيّة لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”، لتتجاوز كل ما يمكن أن يساء تفسيره في المواد المتعلِّقة بالطائفيّة، حيث لا يمكن لقاعدة العدد أن تعمل في لبنان على نحو ما هو الحال في الديمقراطيات التقليدية.واذا كانت الديمقراطية تعني الأكثرية العددية،فان ذلك يطبَّق عندما تكون هذه الأكثريّة سياسية وليست دينية، والا تحوّلت الى ديكتاتوريّة وهيمنة، باسم أكثريّة طائئفيّة معينة. لأنه مع الأكثريّة السياسية، يصبح بالامكان تطبيق القاعدة  الأساسيّة في الديمقراطيّة التي هي التناوب. اذ ذاك يمكن للمواطن أن يغيّر اختياره السياسي بالانتخاب، وينتقل من حزب الى حزب بين الأكثريّة والأقليّة اذا اراد. لكن ذلك لا يمكنه أن يحصل مع الأكثريّة الدينية في لبنان، لأنه عندما يكثر عدد احدى الطوائف أو يطغى، فأن اللحاق بهذه الأكثريّة يفترض تغيير الطائفة. اذاً، فان اعتبار الجماعات الدينية تشكّل الوحدات الأساسية في تكوين لبنان، هو أفضل من الهينة العددية الدينية المرادفة للديكتاتورية، كما أن الوصول للحداثة، واعتبار الفرد الوحدة الأساسية في تكوين لبنان، وارتباطه المباشر بقوانين دولته وليس بقوانين طائفته، طبعاً هو افضل من المشاركة الطوائفية.

أما المادة 19 : فلقد كرّست الحل السياسي وأرسته على أسس دستورية، فنصت هذه المادة المتعلقة بإنشاء المجلس الدستوري لمراقبة دستورية القوانين، على حق “رؤساء الطوائف المعترف بهم قانونا” بمراجعة هذا المجلس في ما يتعلق حصراً بالاحوال الشخصية وحرية التعليم الديني، وذلك بالاضافة طبعا، الى الجهات الاخرى التي يحق لها القيام بالمراجعة مثل رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وعشرة أعضاء من مجلس النواب. فإعطاء رؤساء الطوائف اللبنانية، المعترف بهم قانونا، حق مراجعة المجلس الدستوري هو عنصر جديد وملفت في الأحكام الجديدة لان المراجعة المتعلقة بحقوق الطوائف، حتى في الموضوعات المحصورة، كانت تتم تقليديا عبر ممثلي هذه الطوائف في السلطة. أما في النص الدستوري الجديد فقد اصبح بامكان اي رئيس من رؤساء الطوائف اللبنانية، المعترف بهم قانونا، أن يراجع، بصفته تلك وبصورة مباشرة المجلس الدستوري.

 بصرف النظر عن ملاءمة هذا الاجراء او عدمها، فالمهم هو ان الدستور يوفر لرؤساء الطوائف اللبنانية اشتراكاً مباشراً في بعض القرارات عبر مراجعة المجلس الدستوري. فهل ان هذا الاشتراك يحصر حق الطوائف ورؤسائها ام انه يوسّعه ؟

ولكن لا شك في ان مثل هذا الاجراء الذي ينشئ سابقة دستورية من حيث تثبيت حق المراجعة لرؤساء الطوائف، ولو في مجالات محددة مثل الاحوال الشخصية والتعليم الديني – انما يطرح في الوقت نفسه تساؤلا حول مبدأ العمل على الغاء الطائفية السياسية، الذي تشدد عليه وعلى آليته المادة 95 من الدستور المعدلة سنة 1990

ومع العلم بان مفهوم الطائفية  السياسية المطلوب معالجته، منفصل عن الحق الذي تعطيه المادة 19 لرؤساء الطوائف بمراجعة المجلس الدستوري، إلا أن أي مراقب محايد للدستور اللبناني لا يمكنه الا ان يتساءل عن مدى الانسجام بين النصين : من جهة مادة تثبت حق رؤساء الطوائف، ومن جهة ثانية مادة اخرى تنص على الغاء الطائفية السياسية.

وكذلك مدى الانسجام بين المواد التقليدية السابقة والمادة 95 الحديثة، باعتبار ان الطائفية السياسية المطلوب العمل على إلغائها، لا تشكل سوى جزء من الوضع الطائفي ككل.

فجميع المواد الدستورية، القديمة والحديثة، التي تأتي على ذكر الطائفية لها ترجمات سياسية فالمساهمة في الحياة العامة هي ممارسة سياسية الا اذا كان المقصود بالطائفية السياسية هو التمثيل الطائفي في المؤسسات على صعيدي الحكم والوظيفة فهل المطلوب الغاء هذا الجانب وترك الجوانب الاخرى المتعلقة بحقوق الطوائف وبرؤسائها ؟ وهل نبلغ الهدف المنشود في الديقمراطية والمساواة ؟

للطائفية وجوه عدة، منها السياسي والقضائي والاداري والاقتصادي والتشريعي والتربوي والتعليمي  والمجتمعي.

يتعلق الوجه السياسي بتخصيص الطوائف بمناصب ثابتة في السلطة، كرئاسة الجمهورية للموارنة، ورئاسة مجلس النواب للشيعة، ورئاسة مجلس الوزراء للسنة، وتوزيع الحقائب الوزارية على عدد من الطوائف، بنسب متفاوتة حسب حجم الحكومة وعدد اعضائها، وفي السلطة التشريعية كتوزيع المقاعد النيابية، مناصفةً بين المسلمين والمسحيين، وحصصاً على الطوائف بنسب معتمدة عرفا او وفق احصاء لا يطلّع عليه سوى العارفين باسرار الغيب.

يتعلق الوجه القضائي بأن يكون هنالك محاكم توزّع العدالة بين الناس ولا سلطة للدولة عليها، الا عند اختلافها في الاحكام. صلاحياتها وقف على قطاع من المواطنين من طوائف معينة، دون المواطنين الاخرين. سبع عشرة مؤسسة قضائية طائفية الى جانب القضاء العدلي، منها ما تقع محاكمه العليا خارج لبنان.

ويتعلق الوجه الاداري بتوزيع المناصب في الادارات والمؤسسات والمصالح العامة، انصبة تكاد تكون إرثية على الطوائف بنسب، كتلك التي تتبع في توزيع المقاعد النيابية والحقائب الوزارية ويتعلق الوجه التشريعي بمنح الطوائف حق التشريع في حقوق عدة اهمها الاحوال الشخصية، كالارث عند المحمديين، والوصية والنفقة والوصاية والزواج انعقادا وانحلالا واصول المحاكمات لدى المحاكم الدينية.

ويتعلق الوجه الاقتصادي، ليس فقط بالأوقاف بل ايضا بإنشاء المؤسسات الصناعية والتجارية التي  تحاول وقف التوظيف فيها والافادة من خدماتها على ابناء طائفة من الطوائف دون الاخرى، قدر ما تستطيع ويتعلق الوجه التربوي التعليمي، على إضفاء الطابع شبه الرسمي على مؤسسات التعليم الخاص الطائفي، بتخصيصه بالمساعدات الضخمة وإخراجه عملياً من رقابة الدولة، لا بل باخضاع المناهج والكتب لاعتبارات طائفية او سلطة  الطوائف، اكثر مما تخضع لمتطلبات العالم التربوي العام والاعتبارات الوطنية الجامعة.

ويتعلق الوجه المجتمعي، بتوزيع قسم من ميزاينة الدولة على مؤسسات الطوائف الاجتماعية من مستشفيات ومستوصفات وجمعيات وأندية، فتحرم منها المؤسسات العامة التي هي في امس الحاجة اليها.

ويشترك في أكثر من وجه، قيام الاحزاب السياسية الطائفية التي تقف في وجه الحريات الخاصة والعامة وبوجه الدولة ومؤسساتها وتهدم الاسس الديمقراطية كل ذلك هو الطائفية، او يجوز ان نكتفي بإلغاء وجه منها والمحافظة على الباقي؟ إن إلغاء الطائفية  السياسية وحدها لا يفي بالمطلوب اي ببلوغ المساواة والديمقراطية.

اما المادة 22 تنص على ما يلي:

مع انتخاب اول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.

ان هذه المادة مع الفقرة (ح) من المقدمة ومع المادة 95 المعدلة كما سنرى متروكة للمستقبل. انها أحكام  للمستقبل ما دامت شروط اعتمادها غير متوافرة.

فمتى يتم انتخاب اول مجلس للنواب على أساس وطني لا طائفي؟

المادة 24 تفيدنا جزئيا عن ذلك حين تقول:

“… والى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، توزع المقاعد النيابية وفقا للقواعد الاتية…”

فمتى سيقدم مجلس النواب على وضع قانون انتخاب خارج القيد الطائفي ؟ المادة 95 من الدستور تفيدنا بدورها جزئيا عن ذلك حين تقول : “على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين  المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالاضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية…”

ان ثلاث مجالس انتخبوا حتى الان على اساس المناصفة ومع ذلك فان الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية لم تتخذ من قبل هذه المجالس، بعدما تبين ان الاجواء العامة في البلاد لا تساعد على ذلك. فتأجل البحث في الموضوع من تلقاء ذاته، واصبح تنفيذ احكام المادة 95 من الدستور مؤجلا الى موعد غير محدد.

فالمادة 95 تنطوي مبدئياً على الالية الاساسية المتعلقة بمعالجة موضوع الطائفية في لبنان بعد ان كان النص القديم موجزا، ولا ينص الا على  انه ” بصورة مؤقتة والتماسا” للعدل والوفاق تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف  العامة وبتشكيل الوزراة دون ان يؤول ذلك الى الاضرار بمصلحة الدولة”.

فأصبحت المادة 95 المعدّلة تنص على تدابير محددة، وعلى برمجة معينة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية، والعملية تتضمن شقين : الاول خطة مرحلية والثاني تشكيل هيئة وطنية وبما ان هناك خطة مرحلية، فهذا يعني ان هناك مرحلة انتقالية، في المرحلة الانتقالية :

– تمثّل الطوائف بصورة  عادلة في تشكيل التمُثّل اوزراة

– تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والامنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الاولى فيها، وفي ما يعادل الفئة الاولى فيها. وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص اية وظيفة لاية طائفة مع التقيد بمبدأ الاختصاص والكفاءة.[10]

أما الهيئة “فمهمتها دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية وتقديمها الى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية”.

من النصوص التي استعرضنا نستنتج العجز عن ولوج دولة القانون والمؤسسات ويتضح لنا ان حكام لبنان في عهد الباب العالي والانتداب والاستقلال وما بعده قد عللوا ابقاء النظام الطائفي بضرورات الوفاق بين الجماعات اللبنانية. كما يتضح لنا ان العثمانيين والفرنسيين والقيّمين اخيراً على اتفاق الطائف كانوا يعلمون ان هذا النظام لا تبنى عليه دولة وتستقر وانه لا بد ان يكون تدبيراً مؤقتاً كما لا يجوز بناء الوطن على اساس خطر فكيف نفسر استمرار هذا الاساس؟

ان لاستمرار هذا الاساس سببين وجيهين:

الاول : الابقاء على المنافع الخاصة، وهو سبب داخلي.

والثاني : تأمين مصالح القوى الاجنبية المتصارعة، وهو سبب خارجي.

السبب الاول يلقينا لقمة سائغة بين يدي المستغلين من  المواطنين، الذين يضحون بالوطن وبحياة الشعب في سبيل  منفعة مادية او معنوية، والسبب الثاني يلقينا لقمة سائغة بين يدي القوى الاجنبية المتصارعة فتتخذ لها منفذا في  ارضنا وتسيطر علينا بالتفرقة والتباعد، وتؤمن مصالحها وغاياتها .

رابعاً: الطوائف دويلات ضمن الدولة

ان الطائفية، تضع بين المواطنين وبين الدولة، انتماءاً وسيطاً، وهو الانتماء  الطائفي، لا بل تضع الانتماء الطائفي قبل الانتماء الوطني، وبالنتيجة يحل الانتماء الطائفي محل الانتماء الوطني، وبالنهاية يحول ذلك دون بلوغنا كجماعة مستوى الوعي الوطني.

فالمواطن اذ يرى انه لا يسعه مخاطبة الدولة – المؤسسة التي تُجسِّد قانونا الوطن ولا يسعه التعامل معها والاشتراك في حياتها ونشاطها الا من خلال طائفته، ينكفئ على طائفته تلك باعتبارها الباب الرسمي للوصول الى الدولة “الوظيفة والوزارة والتمثيل الشعبي” فيصبح هذا الانتساب الى الدولة ومن بعدها الوطن والمجتمع ، انتساباً غير مباشر عن طريق الطائفة وبالاحرى انتخاباً على درجتين، تؤلف فيه الطائفية الدرجة الاولى والوطنية الدرجة الثانية.

ومع الوقت ونظرا لاستغلال هذا الوضع يتضخم دور الطائفية ويتضاءل دور الوطنية لابل يتضخم الاول على حساب الثاني، فيعظم شأن الانتماء الطائفي في اذهان المواطنين ويصغر شأن الانتماء الوطني وهذا ما حصل حتى اليوم. الى ان يؤدي بنا الحال في وجه يكاد يكون شاملا، الى حلول الانتماء الطائفي مكان الانتماء الوطني وهكذا تصبح الطائفة سدا منيعا يحول دون ارتقاء الجماعة الى مستوى الوعي الوطني وتحول دون شعورها بالروابط الجامعة بين الافراد على قدم المساواة فتعطل او تعرقل العمل الخلاق المشترك في سبيل المصير الواحد.

كما ان تركيز الدولة، على اسس تقسيمها غنائم طائفية، يستدعي طبعا انهماك اللبنانيين بمراقبة بعضهم البعض، كي لا تحرز طائفة من المناصب والمنافع اكثر مما حدّده لها التوازن العددي، بدل انشغالهم بقضاياهم الاساسية فيشتتون قسطاً كبيراً من جهودهم وطاقاتهم المشتركة، ويتلهون عن التنبه الى المصالح العليا والاخطار المحدقة بهم في الداخل والخارج.

كما ان تلك المراقبة الدائمة تصبح عاملا مستمرا للتصادم كما هو حاصل ابدا اذ يصبح نقل موظف او ابداله مشكلة وطنية.

ومن جهة اخرى ان اعتماد الانتماء الطائفي اساسا لقيام الدولة، يعني اعتماد نسبة عددية معينة للطوائف اي ان هذه النسبة لن تتدبل والا انقلبت القاعدة الوطنية التي يقوم مجتمعنا السياسي عليها الا اذا لجأنا الى تحاشي الاحصاءات او تزويرها، وهو امر لا يمكن اقراره، او الى حرمان بعض المواطنين حقوقهم، كالمغتربين، مخافة اختلال التوازن.

واخيراً  ان اعتماد النظام الطائفي يحول دون تحقق الديمقراطية الصحيحة، فالديمقراطية مساواة بين المواطنين، وفرص التقدم والنجاح امامهم، في حين ان الطائفية تفترض منذ نقطة انطلاقها، حدوداً لا يجوز لابناء الطوائف الاخرى تعدّيها، سواء في عدد المراكز ام في درجاتها، كما ان النظام الطائفي يحول دون ظهور القوى الحزبية، غير الطائفية او على الاقل يعيق ظهورها الى وقت لا يمكن تحديده، لاسيما وان القوى السياسية الطائفية تتمتع بحماية قانونية لا تتمتع بها القوى الحزبية، فالطائفة مثلا لها مقاعد نيابية إلزامية، أما الحزب غير الطائفي فليس له اية ضمانة. ان الترويج لضرورة التلازم المطلق بين الوجود الوطني والوجود الطائفي يعني ان لا كيان للبنان خارج هذا النظام الطائفي وان الترابط بينهما عضوي ومصيري الى درجة ان زوال النظام الطائفي في نظر حملة لوائه يجر معه الى زوال لبنان وان اختل توازنه انهارت الاوضاع العامة وتعرض الوطن لشتى المخاطر، فالالتباس بين النظام والكيان قاعدة يكررها اركان النظام الطائفي في جميع المناسبات وتحت هذه الفرضية تدخل الوحدة الوطنية القائمة على توازن رضى زعماء الطوائف. فالطائفة كمتحد سوسيولوجي ظلّت عند اللبنانيين ترجح دائما على المتحد الوطني ومفهوم الارتباط في الدولة. وظلّ الولاء للطائفة يسبق الولاء للوطن ويغلب عليه، فالطائفة  هي الباب الذي يدخل منه المواطن الى تعاطيه مع الاخرين والى الدولة والمؤسسات العامة ” فالجماعات الروحية التي يتألف منها الشعب اللبناني “كما سمّاها البيان الوزاري الاول لحكومة الاستقلال الاولى، والتي طُلب منها ان تكون الجسم الوسط الرابط بين المواطن والوطن بينه وبين الدولة، بينه وبين باقي المواطنين، من خلال التمثيل الشعبي وتأليف الحكومات، وتولَّيه هذه او تلك من الوظائف، وترقيته او عدمها وفي حياته الشخصية بفعل قوانين الاحوال الشخصية التي تحكم ولادته، مرورا ببلوغه وزواجه وموته وإرثه، ومحاكم احوال الشخصية ومدارسه وجامعاته ومؤسساته الصحية والاجتماعية والرعائية،0000 فلم تكن يوماً ذلك الجسم الوسيط، ولم تكن حلقة الربط والمشاركة بل اصبحت الجسم الحاجز، الفاصل بل يصح تسميتها دويلات ضمن الدولة ولقد كرّس هذه الدويلات القرار رقم 60/LR الصادر في 13 اذار 1936 والمعدل بالقراران رقم 146 و 53/ LR وهذا الاخير قرر عدم تطبيق القرار رقم 60/LR على المسلمين، لقد نص هذا القرار الذي سنّه المفوض السامي دي مارتيل والذي له مفعول القانون على الاحكام التالية :

1-ان الطوائف المعترف بها قانونا كطوائف ذات نظام شخصي هي الطوائف التاريخية التي تملك صكا تشريعيا يحدد تنظيمها ومحاكمها وشرائعها.

2-ان مفعول الاعتراف بطائفة ما هو اعطاء النص الذي يتضمن نظامها قوة القانون بحيث يستفيد تطبيقه من حماية السلطات العامة.

3- ان لكل طائفة من الطوائف المعترف بها نظاماً خاصا بها يتضمن :

-تسلسل درجات الرؤساء الروحيين والموظفين الدينيين وطريقة تعيينهم وصلاحياتهم.

-تشكيل المجامع والمحاكم والمجالس واللجان، الخ… وصلاحية كل منها.

-التشريع المختص بالاحوال الشخصية في جميع ما يتعلق بشرائع الطائفة الدينية

-طريقة ادارة ممتلكات الطائفة

– الصلاحية المختصة بالمحاكم الدينية وأصول المحاكمة فيها.

-تعاليم الطائفة الدينية والواجبات الادبية المفروضة على المنتمين اليها.

4-ان تلك الطوائف الدينية تتمتع بالشخصية المعنوية وكذلك ضمن كل منها الجماعات المذهبية المستقلة المختصة بالتعليم وبالاعمال الخيرية والتي يخضعون لنظام طوائفهم الشرعي في الامور المتعلقة بالاحوال الشخصية اما اللبنانيون المنتمين الى طائفة ليس لها قانون احوال شخصية او الذين لا ينتمون يعترف لها نظام الطائفة بأهلية الحصول على حقوق وواجبات تختلف عن حقوق الطائفة وواجباتها وكذلك الرهبانيات.

5- ان اللبنانيين المنتمين الى الطوائف المعترف بها ذات الاحوال الشخصية الى اي طائفة، فانهم يخضعون للقانون المدني في الامور المتعلقة بالاحوال الشخصية.

 ولكن هذا القانون الذي افترض وجوده  القرار رقم 60/L.R. بالنسبة الى غير المنتسبين الى طوائف، فلم يرَ النور بعد. حيث كانت المحاولة الاخيرة في عهد الرئيس الياس الهرواي. وهكذا يكون المشترع اللبناني واقع في تناقض خطير وفي فراغ تشريعي كبير. فمن جهة ، يُقرّ مبدئياً بحق اللبنانيين في أن يعيشوا خارج الطوائف لكنه عملياً لا يقر لهم بذلك إذ انه لم يُسِن لهم القانون الذي يرعاهم فأجبرهم عن طريق الفراغ التشريعي الى الرجوع قسراً الى حظيرة الطوائف المعترف بها. هذا ما يدل على أن الانتداب الفرنسي كان أفضل من الحكم الوطني بشأن الحريات العامة، الا انه ، لا ينفي مسؤولية هذا الانتداب في تكريس ما يتضارب مع مبدأ مساواة المواطنين وحقهم بالخضوع لتشريع واحد يطبّق على الجميع.

اذاً، لقد تجّذرت خصائص المجتمع المتعدّد الطوائف، التي لم تقف عند حدود الأحوال الشخصيّة، بل انها طبعت بطابعها مجمل نواحي الحياة العامة. اذ فضلاً عن التوزيع المعروف في مناصب الدولة كلها، الحكومية والنيابية والادارية والعسكرية والقضائية، وفي جميع المؤسسات والمصالح المستقلة والمختلطة، فان القطاع الخاص كله متأثر بهذا الطابع. فللطوائف جامعاتها ومعاهدها ومدارسها(الكسليك، البلمند، المقاصد، الحكمة)، ومستشفياتها(مستشفى الجعيتاوي، مستشفى الروم، مستشفى المقاصد، مستشفى الزهراء)، ولها مؤسساتها الاجتماعية ومعاهد التمريض ودور العجزة الخاصة بها، ولها مجالس وهيئات تنطق باسمها (اللقاء الاسلامي، المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، المجلس الاعلى لطائفة الروم الكاثوليك، الرابطة المارونية، رابطة الروم الأرثوذكس، رابطة المسيحيين الشرقيين، الخ)، وكان لها تجمعاتها حتى داخل المجلس النيابي(تجمّع الموارنة المستقلين، تجمع النواب السنّة في بعض مراحل الحرب)، هذا فضلاً عن بعض الاحزاب ذات التكوين الطئفي: الكتائب، الكتلة الوطنية، الوطنيون الاحرار، حزب النجادة) وما أفرزته الحرب من تنظيمات طائفية، تحوّل بعضها الى أحزاب منظمة دخل ممثلوها الى مجلس النواب(حركة أمل، حزب الله).

إذاً على اساس نص الدستور اللبناني ونص القرار رقم 60/L.R. المعدل – صدرت تشريعات طبقت المبادئ التي وردت فيهما في الامور العامة، من جهة، (التمثيل النيابي – التمثيل الحكومي – الوظائف العامة – الاعياد الرسمية)، وفي داخل الطوائف من جهة اخرى.

تسود التشريعات التي تتعلق بتنظيم الطوائف داخلياً مبادئ مهمة،  اولها ان لكل طائفة – وهي شخص معنوي حقوقي عام في نظر النظام اللبناني – حقاً مطلقاً في سن الشرائع والانظمة التي تتعلق بها وثانيها انه على الدولة ان تعتبر تلك النصوص في مرتبة القوانين قوة ونفاذاً فتضع القوى العامة في تصرف سلطات الطوائف لحماية تلك النصوص وتطبيقها، وثالثها ان حقول التشريع الطائفي واسعة جداً فهي لا تشمل الشؤون الدينية فحسب، بل تتعداها الى احوال المواطنين الشخصية والى المؤسسات التربوية والاجتماعية وعلى ضوء هذه المبادئ،  أخذت الطوائف تتصرف وتبني دويلتها داخل الدولة.

فصدر بتاريخ 2 نيسان 1951، القانون الشهير الذي زاد من صلاحيات المحاكم الكنسية في أمور الاحوال الشخصية، وفي الواقع كان الهدف الاساسي من هذا القانون تحقيق المسواة بين صلاحيات المحاكم الدينية المسيحية وصلاحيات المحاكم الشرعية الاسلامية، لأن صلاحيات الأولى كانت محدودة بالنسبة لصلاحيات الثانية، وكان من الصعب جداً نزع بعض صلاحيات المحاكم الشرعية الاسلامية لتحقيق هذه المساواة، فاتُّفق على زيادة صلاحيات المحاكم الدينية المسيحية. وقد جاء على حساب المحاكم المدنية التي نُزعت منها صلاحيات النظر في الامور التالية: المهر، التبني، الوصاية على القاصر، فرض وتقدير النفقة للوالدين والاولاد، فرض وتقدير التعويض عند الحكم ببطلان الزواج أو فسخه، حفظ الاولاد وتربيتهم حتى اكتمال سن الرشد أي ثماني عشرة سنة كاملة، البنوّة وشرعيّة الأولاد ومفاعيلها، انشاء الوقف الخيري المحض والديني الصرف، وادارته، الخ.  وقد احتج المحامون، على هذا القانون بإضراب دام اشهراً طويلة،  دون نتيجة، لا بل تألب ضدهم في خندق واحد، رجال الدين المسلمون والمسيحيون على السواء. وقد حددت المادة الاولى منه هدفه ومجال تطبيقه، فنصت على أنه يختص”بتحديد صلاحيات المراجع المذهبية لجميع الطوائف المسيحية والطائفة الاسرائيلية وتنفيذ أحكامها وحل الخلافات التي تنشأ فيما بينها أو بينها وبين سائر المراجع المذهبية أو المحاكم المدنية اللبنانية”.

“ولا شك أن قانون 2 نيسان قد أسهم في تعميق النظام الطائفي الذي تجذّر تدريجياً في بنية المجتمع اللبناني”.[11]

فابتدأت به سلسلة خطوات تثبّت النظام الطائفي.

فبتاريخ 13/1/1955، صدر المرسوم رقم 18 الذي يتعلق بتنظيم دوائر الافتاء والأوقاف الاسلامية التابعة للطائفة السنيّة. وقد عدِّل بموجب القرار رقم 5 تاريخ 2/3/1967 الصادر عن المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى.

 والملفت للنظر هو القانون الذي صدر بتاريخ 28 ايار سنة 1956،ومنح الهيئة المختصة في الطائفة السنيّة حق تعديل المرسوم الاشتراعي رقم 18، اذ نص على أنه” يحق للمجلس الشرعي الاسلامي الأعلى أن يعيد النظر في جميع أحكام المرسوم الاشتراعي المذكور، وأن يعدّل ما يراه ضروريّاً منها لتحقيق الغاية الاساسية منه، وتكون قراراته في هذا الصدد وفي كل ما يتعلق بالافتاء وبتنظيم الطائفة الدينية وادارة أوقافها نافذة بذاتها على ألا تتعارض مع أحكام القوانين المتعلقة بالانتظام العام”.

وبموجب هذا النص، اتخذ المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى قراراً، في 2 آذار 1967، عدّل فيه المرسوم الاشتراعي رقم 18. وقد اعتبر الدكتور ادمون ربّاط أن المرسوم الاشتراعي رقم 18، المعدَّل بقانون 28 أيار 1956، قد منح المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى سلطة موازية لسلطة مجلس النواب اللبناني، في المجال الذي حدّده هذا المرسوم الاشتراعي، وهذا لا يتلاءم مع مبدأ السيادة الوطنية.[12]

وبتاريخ 19/12/1967 صدر القانون رقم 72/67، وهو يتعلق بتنظيم شؤون الطائفة الاسلامية الشيعية في لبنان، وقد اعترف بوجودها واستقلالها الذاتي في بعض المجالات. وطبقاً للحق الذي أعطي للطائفة السنيّة بتعديل المرسوم الاشتراعي رقم 18، منحت الطائفة الشيعية حق تعديل هذا القانون(المادة31).

 أمّا الطائفة الدرزية، فقد تمّ الاعتراف باستقلالها الذاتي في القانونين الصادرين في 13 تموز 1962. وينص القانون الاول في فصله الأول على استقلال الطائفة الدرزية بشؤونها الدينية،أما القانون الثاني فقد نص على انشاء المحلس المذهبي للطائفة الدرزية، وصلاحياته وطريقة انتخابه وادارته. وقد نصت مادته الأولى على”تولي المجلس المذهبي للطائفة الدرزية شؤون الطائفة الزمنية والمالية، وتمثيلها في الشؤون العائدة لكيانها الاجتماعي والسهر على رفع مستواها والمحافظة على حقوقها”.

ان القوانين التي نظمت شؤون الطوائف الاسلامية في لبنان، ضمنت لها استقلالاً ذاتياً في ادارة شؤونها الدينية والاجتماعية والمالية، على غرار الاستقلال الذاتي الذي اكتسبته الطوائف الأخرى منذ قرون، فأصبحت جميع الطوائف في لبنان تشكّل كيانات سياسية، معترفاً بها رسميّاً، داخل كيان الدولة الموحدة.[13]

إن النصوص القانونية اللبنانية العامة منها والخاصة بكل طائفة تعكس صورة نموذج الدولة اللبنانية،  فهي ترّكز التكوين الوطني على قاعدة التعددية الدينية الطوائفيّة، بمعنى ان المجتمع اللبناني لا يعتبر مجموعة مواطنين يرتبطون ببلدهم مباشرة بل مجموعة كيانات دينية طائفية يتكون منها الجسم الوطني، وتلعب دور الوسيط بين المواطنين والوطن ومؤسساته الرسمية منها والخاصة. فتظهر الكيانات الطائفية كل منها في كيانها المستقل والسيد سواء في داخله او في علاقاته الخارجية وله قياداته الهرمية ودورة وجوده الذاتية ومؤسساته الشاملة اقساما واسعة من نواحي الحياة ونشاطاتها فتظهر الفيدرالية الطائفية كتعايش بين الطوائف على ارض مشتركة، فتنظم علاقاتها بطريقة تحافظ كل منها على شخصيتها الذاتية وتحدد ظروف تعاملها مع الطوائف الاخرى بما يضمن تمثيل كل منها في الحكم ويعيّن حصتها من الخيرات والخدمات العامة وهذا لا يعني اننا ارتقينا الى تقاليد الديمقراطية في البلدان العريقة التي تعتمد المشاركة، فالمشاركة في تلك البلدان حققت التسوية بين المجموعات الدينية واللغوية او الاثنية وحافظت على المساواة بين الافراد لذلك لا ينشأ عند الفرد المواطن عقدة الغبن الشخصي فليس في سويسرا ما يحول دون وصول اي فرد الى رئاسة المجلس الفدرالي وفي بلجيكا الى رئاسة الحكومة. كما تحتل كل طائفة في لبنان، رتبة في الهيكل الوطني، فمنها ما يأتي في المنزلة الاولى ومنها ما يقع في المنزلة الاخيرة سواء من حيث تحديد افرادها او من حيث دورها وحصتها في الشؤون العامة فلبعضها امتيازات وافضليات على سواها وانصبة اهم في المراكز المصيرية، لا بل ذهب هذا التفاوت الى درجة ان بعضا منها لا يُقرّ له باي حق محدد خصوصا على صعيد المشاركة في الحكم. فالامتيازات المرتبطة بالعددية يجعل من الطوائف في حال صراع وتناحر دائم حول بعض القضايا الحساسة، كمشكلة المجنسين وموقف الطوائف المسيحية من الموضوع ومشلكة المغتربين وموقف الطوائف الاسلامية من هذا الموضوع.

القسم الثاني: التركيبـة الاجتماعيـة فـي لبنـان.
إن وطن صغير كلبنان يقطنه شعب قليل العدد عدا مهاجريه الذين يفقون المقيمين فيه، يتألف من فسيفساء من السكان، لا يزال بسبب موقعه الجغرافي يتقبل الغزاة والفاتحين واللاجئين، منذ غابر العصور حتى يومنا هذا، من القبائل الحامية والسامية (4000 سنة قبل المسيح) الى المصريين (1500 سنة ق. م.) الى الاشوريين (القرن التاسع ق.م.)، الى الكلدانيين (القرن السادس ق.م.) الى الفرس (القرن الخامس ق.م.) الى اليونان المقدونيين والسلجوقيين (القرن الرابع ق.م.) ، الى الرومان (من القرن الثالث الى القرن السابع)  الى العرب (من القرن السابع الى القرن السادس عشر) وما تخلل ذلك من دخول الصليبيين (من أواخر القرن الحادي عشر الى اواخر القرن الثالث عشر، الى العثمانيين (من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين) وما تخلل ذلك من غزوات قصيرة النفس من قبل فرنسا (بونابرت سنة 1799) والمصريين (محمد علي باشا وابراهيم باشا، سنة 1831-1840) وبعثة الجيوش الاوروبية 1860، الى الحرب الكونية الاولى والانتداب الفرنسي (1918 الى 1943) وحلول الجيوش الحليفة في الحرب الكونية الثانية (1940الى 1945) الى دخول الجيش الاميركي في تموز سنة 1958 الى دخول الجيش الاسرائيلي والسوري تلك الفتوحات والغزوات والمداخلات الاجنبية تركت في لبنان خليطاً من الاجناس والسكان، فيهم من الاموريين والكنعانيين والآراميين والمصريين والحثيين والاشوريين والعبرانيين والعرب والفرنجة وحديثاً من الارمن والاوروبيين شرقاً وغرباً والفلسطينين ومتفرقات اخرى تكاد لا تحصى.

وعندما يكون عدد سكان لبنان على ما هو عليه، يأخذ دخول الاغراب بالكميات التي حصلت مع ما تجره من مستجدات ومستوردات خاصة ومتباينة وبالازمنة المتقاربة، دوراً نسبياً هاماً في التأثير على تركيب مجتمعنا، من النواحي القومية والنفسية والاقتصادية ، بحيث يسعنا القول إن تكويننا الاهلي لم يعرف بعد حتى جيلنا الحاضر، وعلى المدى التاريخي اللازم، الاستقرار الذي تحتاجه بلاد ما لتنعم بالانسجام لكي تثبت على حال مجتمعي مشترك وتركز على طابع وطني موحد.

الى جانب هذه الفسيفساء الاثنيّة يجمع لبنان فيسفساء اخرى دينية ولا تؤلِّف واحدة منها اكثرية المواطنين لتضفي بعددها لوناً غالباً على المجموع او طابعاً شاملاً الامر الذي يجعل من أرض لبنان ميداناً لتنافس الاقليات التي كثيراً ما ضعضعت الوحدة السياسية التي رعتها الاسر والحكومات التي تعاقبت على تدبير شؤون البلاد منذ مطلع القرن السابع عشر.

أولاً: الصراع والتنافس بين الجماعات
لعلّ التطور غير المتوازن للطوائف اللبنانية قد لعب دوراً في هذا التنافس في العملية السياسية، وعكس تنوّع الآراء والاولويات لدى الجماعات اللبنانية[14]. فالدروز والموارنة شهدوا التغيّر الطائفي والسياسي او الاثنين معاً في جبل لبنان في عهد الامارة وبعده. أما في لبنان ما بعد 1920 فإن أهم أبعاد العلاقة المارونية السنيّة بمظهريها الخلافي والوفاقي على السواء، كان متعلقاً بعروبة لبنان ما قبل الاستقلال، وهي العروبة المتغيّرة مضموناً وتفسيراً. إن تطور العلاقات بين الطوائف في لبنان مرّ بسلسلة متتالية الحلقات من التغيّر المتواصل، كما تغيّرت فيه الخلافات بسبب التطورات الداخلية من جهة وعدم استقرار الوضع الاقليمي الذي أثّر في الوضع اللبناني من جهة ثانية. ولعلّ احدث مظهر من مظاهر التحوّل الطائفي هو تبلور الوعي السياسي الطائفي وسط الطائفة الشيعية منذ أوئل السبعينات، فكانت نتيجة ذلك أن أصبح للمسلمين الشيعة برنامجهم السياسي الخاص والمتميز على الصعيد الداخلي وكذلك على الصعيد الخارجي منذ مطلع الثمانينات تحت تأثير إيران الاسلامية، فالطائفة الشيعية قبل هذا، لم تكن مرتبطة باتجاه سياسي او إيديولويجي معيّن كما كانت الحال بالنسبة الى الطائفة السنيّة، كذلك، فإن طرح الطائفة الشيعية لم يكن نتيجة علاقات طائفية وسياسية، كما كانت الحال بالنسبة الى الدروز والموارنة في لبنان ما قبل 1920، أو السنّة والموارنة بعد 1920.  إن الفرق بين الشيعة وسواهم من الطوائف، خصوصاً بالنسبة الى العملية السياسية، هو أن تعبئتهم الطائفية والسياسية والتبدلات الاجتماعية التي شهدتها الطائفة الشيعية جاءت متأخرة وفي زمن التغيّر وعدم الاستقرار السريعين داخلياً وإقليمياً.

ومما يزيد الامور تعقيداً انه منذ منتصف القرن التاسع عشر نشأت بعثات علمية وتربوية تنتمي الى العديد من الدول الاجنبية، أسست معاهد ومدارس راحت تنشر بواسطتها اللغات والعلوم والافكار المتنوعة فتزيد، الى جانب الفوائد الثقافية التي لا تُنكر – بلبلة المجتمع،  وتضارب الاتجاهات فيه او على الاقل تزيد تباينها فتشتد الحواجز الداخلية العقلية والنفسية بين فئات الوطن المتباعدة.

والى جانب الفسيفساء الدينية برزت في اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فسيفساء اخرى قومية تراوحت بين من يدعو للقومية اللبنانية وبين من يدعو للقومية السورية وبين من يدعو للقومية العربية.

مضمونها الصراع على السلطة ، فالمسيحيون يرفضون بشكل عام الانخراط في قومية ذات اغلبية مسلمة لتخوفهم من ان يكونوا من “أهل الذمة” او مواطنين درجة ثانية في المجتمع ذات الاغلبية الاسلامية ويتمسكون بلبنان كوطن مسيحي لهم في شرق مسلم.  وهذا انعكس برفض هذا الواقع (اهل الذمّة) من خلال استمداد سلطتهم من الغرب هذه السلطة التي لن يتمكنوا من الحصول عليها من الداخل العربي المسلم فلقد عاشوا قرون عديدة يعانون من الاضطهاد.

أما المسلمون بشكل عام وبعض المسيحيين الذين لهم امتداد في الداخل المسلم كانوا ينادون اما بالقومية السورية او بالقومية العربية نظراً لاستمداد سلطتهم عبر التاريخ من هذا الداخل بالاضافة الى ان انتقال السلطة في لبنان من الدروز الى الموارنة لم يكن نتيجة مستمدة من الداخل العثماني بل كان نتيجة تنصّر العائلة الشهابية الحاكمة مع أبناء الامير ملحم التي تنتمي اصلاً الى المذهب السني، بالاضافة الى الديناميّة التي تمتعت بها الطائفة المارونيّة.

فعندما تنازل الامير منصور اخ ملحم عن الحكم وخلفه الامير يوسف الماروني المذهب بدا عهد الشهابيين النصارى، وسجّل بهذا نقطة تحول في تاريخ الامارة وشكل جدلاً تاريخياً ما زلنا نعاني منه حتى اليوم ولعلّ الحدث الابرز الذي أثر في تاريخ لبنان كان سقوط بشير جنبلاط الزعيم الدرزي سنة 1825[15] الذي أعلن العصيان على الامير بشير الشهابي الثاني. على ان ثورة الشيخ بشير باءت بالفشل وبقضاء الامير بشير على منافسة القوي،  الواسع الثراء أصبح هو وحده السيد المطاع في لبنان لكنه في الوقت نفسه قضى على الزعامة الدرزية الفعالة الوحيدة في ذلك الوقت وبذلك سدد ضربة الى مكانة الدروز وهذا لم يغفره له الدروز ابداً ، وإذ ضعفوا وصاروا بلا قيادة احجموا عن التعاون الفعلي في شؤون الامارة منتظرين فرصة سانحة للثأر. ويقول المؤرخ كمال الصليبي “ولئن صح القول بأن الامير بشير المسيحي إنما سحق الشيخ الجنبلاطي الدرزي،  لا لأنه درزي بل لانه كان خصماً سياسياً عنيداً إلا أن الدروز حملوا الامر على غير محمله. وما كانت سياسة الامير بشير، في ما بعد،  إلا لتجعلهم ممعنون في النظر اليه كعدو مسيحي لطائفتهم”. [16]

ثانياً: محاولة بناء الدولة الحديثة.
وفي محاولة لبناء الدولة الحديثة اتخذ ابراهيم باشا من الامير بشير حليفاً له لمقاومة السلطنة العثمانية ولفتح بلاد الشام وتحرير البلاد العربية من النير العثماني وذلك ليقيم دولة موحدة كبرى على اسس وانظمة جديدة مستمدة من الانظمة الغربية ومن روح الثورة الفرنسية بنوع خاص ، فمنيت اول محاولة لنمذجة الدولة بالفشل فالارتباطات الخارجية لها أثمان داخلية أثارت نقمة الدروز.  لقد استطاع الامير بشير بواسطة تحالفاته مع قوى خارجية ان يتمكن من أخصامه في الداخل في ظل الاوضاع الاقطاعية واحتفظ لنفسه بإمارة لبنان اثنين وخمسين سنة لكن التزاماته وارتباطاته الخارجية ادت في النهاية الى سقوطه والى انهيار الامارة وانجراف لبنان في الفوضى ولعل في هذه التحالفات المارونية – الخارجية ما يثير القلق لدى الطوائف الاخرى حتى اليوم التي تنظر الى الداخل المسلم في استمداد سلتطها بالرغم من علاقاتها الخارجية ، فالطرح القومي لم يكن سوى انعكاس لمصالح الجماعات وكان العنوان الظاهر للصراع على السلطة والمنافسة عليها في لبنان. والخلاف على مسألة حدود الكيان لم يكن سوى واجهة حول من سيستلم السلطة داخل هذا الكيان، كما ان اي مشروع ينادى له يبقى فاشلاً في مجتمعنا الشرقي ما دام الانسان الفرد لم يتفلّت من عصبياته كشرط مسبق لنجاح اي مشرووع وبإمكان الدول العربية اذا ارادت هذا النجاح ان تبدأ كل من كيانها الخاص بتطوير الفرد لا بقمعه ، أي ضمن الامكانيات المتاحة.

لقد كانت الدعوة القومية العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بالنسبة للبنان وسوريا بشكل خاص، حركة علمانية،  إذ كان المناديين بها يرغبون في تجريد فرنسا من سلاحها الاقوى وهو وجود الاقليات المسيحية والاقليات الاسلامية المنشقة التي كانت تلجأ الى فرنسا لحمايتها.

ولقد كانت السياسة الاستعمارية التي اتبعتها دولتا فرنسا وانكلترا ، خصوصاً في سعيهما للحلول محل السلطنة العثمانية في دول المشرق، وقد لجأتا في سبيل بلوغ مآربهما الى شتى طرق الخداع،  فعملتا ظاهراً على احتضان الحركات الاستقلالية المتنامية المتنافسة في مصالحها ووعدتها جميعاً وفي آن واحد بالتأييد والمعونة.

ولقد أسفر التطور العام الذي طرأ على لبنان في عهد المتصرفية ان سعى المفكرون المسيحيون على الاخص الى إقرار بعض المبادئ التي يقوم عليها تعاون اسلامي-مسيحي وقد تبيّن لهؤلاء ان فكرة القومية التي عرفتها اوروبا بصبغتها العلمانية هي السبيل المجدي. وكانت فكرة القومية قد سبق لها ان تفشّت في أنحاء السلطنة العثمانية في النصف الاول من القرن التاسع عشر فظهرت اول الامر في الولايات البلقانية، حين ثار العرب واليونان ضد الحكم التركي مطالبين بالاستقلال، ثم اقتدت بهؤلاء شعوب البلقان الاخرى. وكانت هذه الشعوب جميعها مسيحية[17] تناضل ضد حكم إسلامي.  فاتخذت فكرة القومية عندها، بطبيعة الحال، صبغة دينية واحدثت الثورات المسيحية في البلقان ردة فعل عند المسلمين، فهبّوا للدفاع عن سطوة الاسلام وقامت الاضطرابات الدينية في مختلف الاقطار العثمانية.  مما زاد في نقمة الرعايا المسيحيين على الدولة.   وكانت الحكومة العثمانية، في هذه الاثناء قد باشرت في التنظيمات (1839-1976) وبدا لهم ان أفضل سبيل الى ذلك هو في تعزيز قومية عثمانية علمانية.  إلا ان النزعة العثمانية هذه لم تلق نجاحاً عملياً. إذ رفض غلاة المسلمين قبول مبدأ المساواة بين المسلمين وغير المسلمين الذي قامت عليه النـزعة. أما الرعايا المسيحيين فداخلهم الشك في النيّات الكامنة وراء حركة الاصلاح.  ففيما استهدف الاسلام علناً إبقاءهم في منـزلة وضيعة، أنذرت النـزعة العثمانية بحرمانهم من الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها كزمييّن ضمن النظام الملّي. لـذلك أصرّ المسيحيون في البلقان والاناضول والولايات السورية على الاحتفاظ بامتيازاتهم القديمة،  كما اصروا على المزيد من هذه الامتيازات، ومن الاستقلال الذاتي في الولايات المسيحية، الى ان تبلغ هذه الولايات الاستقلال التام.[18]

وكانت الشعوب المسيحية في ديار السلطنة على تفاوت في احوالها كما في قدرتها على تحقيق اهدافها الانفصالية فكان العرب واليونان والبلغار والرومان، في البلقان يتميزون، بعضهم من بعض باللغة والتقاليد القومية، كما كانوا يتميزون من الاتراك باللغة والتقاليد والدين.  ولما كانت بلادهم قريبة من أوروبا المسيحية، مصدر العون، سُهل عليهم نسبياً.  أن يثوروا على السلطنة وهكذا استطاعوا جميعاً مع الزمن ان يفوزوا بالاستقلال.  وكان الارمن ايضاً يتميزون، كشعوب البلقان باللغة والتقاليد والدين.  إلا أن وجودهم في كليكيا وأرمينيا، في الاناضول بين الاتراك والاكراد، جعلهم، جغرافياً، بمعزل عن اوروبا.  فلما ثاروا على السلطنة ، طالبين الاستقلال، لم يصعب على العثمانيين سحق ثورتهم. فذبحوا وشُتتوا[19] .

وكان المسيحيون في الولايات السورية في الوضع نفسه الذي كان فيه الارمن من حيث وجودهم في الجزء الاسيوي من السلطنة العثمانية ومن حيث صعوبة حصولهم على المساعدة العسكرية من أوروبا.  زد على ذلك انهم،  بخلاف الارمن والشعوب المسيحية في البلقان، لم يتميزوا من جيرانهم إلا بالدين، إذ لم تكن لهم لغة خاصة بهم بل كانوا يتكلمون اللغة العربية كغيرهم من أهل البلاد.  وكان المسيحيون في الولايات السورية يعيشون مع المسلمين في المدن والارياف،  فلم يستطيعوا المطالبة بكيان وطني مستقل، لأنه لم يكن لهم ايضاً وطن خاص بهم.  وحاولت الاكثرية المسيحية في جبل لبنان، بين 1840 و 1860 ، أن تجعل من ذلك القطر وطناً قومياً مسيحياً، بمساعدة فرنسا وغيرها من الدول الكاثوليكية، فأثارت هذه المحاولة ردة فعل عنيفة عند الدروز أدّت آخر الامر، الى مذابح 1860[20] .

واستمر الموارنة في شمال لبنان، في عهد المتصرفية في اعتبار لبنان وطناً مسيحياً قبل كل شيء وازدادوا نقمة على نظام المتصرفية الذي قضى بأن يكون المتصرف من غير اللبنانيين، ثم انهم نددوا بتصغير لبنان وأصرّوا على ان يشمل البقاع وبيروت ومنطقتي طرابلس وصيدا.  وفي 1908 وضع المحامي الماروني بولس نجيم، في باريس،  كتاباً يشرح فيه القضية اللبنانية المسيحية فقال:

” لكي يتاح للبنان ان يلعب في سوريا الدور العظيم الذي اسنده إليه التاريخ والطبيعة،  اقتضى القيام بإصلاح عملي جبار، اولّه إعادة النظر في حدوده.  فنظاما 1861 و 1864 شوّها لبنان وسلباه بعضاً من أخصب مناطقه.  وفوق ذلك كلّه، حرماه من مرفأ بيروت الكبير،  بوضع هذا المرفأ تحت إدارة الباب العالي المباشرة.  وهكذا،  فلم يعد للتجارة اللبنانية الناشطة المزدهرة منفذ الى البحر.  والباب العالي لا يسمح بإنشاء مرفأ جديد على الساحل اللبناني.[21]

وكان أن وجد اللبنانيون انفسهم،  وهم المكثارون في رقعة صغيرة تضيق بهم… فكل سنة تمر تشهد هجرة آلاف اللبنانيين من سكان الجبل.  إذاً،  هنالك مشاكل خطرة تستدعي إيجاد حلول لها.  والاصلاح السياسي أصبح ضرورة قصوى.  فالمجتمع يتطور اكثر فأكثر نحو الديمقراطية،  وباتت الحاجة ماسة الى إنشاء مؤسسات تتلاءم مع هذا التطور… وقد أصبح هذا الاصلاح ملّحاً،  خصوصاً ان جماعة “تركيا الفتاة” تسعى الى إلغاء استقلال لبنان الذاتي… فمن الضرورة ان تتدخل الدول التي ضمنت هذا الاستقلال للدفاع عنه وتنفيذ هذا الاصلاح.  لكن المشكلة الاهم والاكثر إلحاحاً هي توسيع حدود لبنان.   فقوى الوطن اللبناني الفاعلة الحيّة يجب الافادة منها في سوريا نفسها،  عوض ان توزع على أربعة أنحاء المعمورة”.  ومن أجل هذا يجب ان تضم اولاً بيروت والبقاع الخصب. ثم بلاد بشارة وعكار والحولة ومرجعيون، الى أراضي المتصرفية”[22]. وهنا اتطرق للقول الذي يتبنّى فكرة اقتطاع اجزاء من سوريا وضمها للبنان،

في الواقع لم يكن هناك من دولة سورية لكي يقتطع منها لأن الدول العربية كلها نشأت حديثاً كدول مستقلة،  علماً بأن مفهوم الدولة هو حديث في المنطقة العربية.

كما ان نظام الامارة الذي كان منذ مطلع القرن السابع عشر والذي تأثر بالحكم المعني والشهابي (أمراء الدروز)، كان قد شكّل وحدة سياسية تبسط سلطتها على منطقة تبتدئ بقمم جبال لبنان الشرقية وتمتد حتى البحر وهي منطقة لا تختلف في حدودها عن لبنان الحديث.

مع العلم ان اليونان والرومان اول من اطلق اسم سوريا على البلاد الشامية وبقي هذا الاسم مصطلحاً غربياً حتى أواسط القرن التاسع عشر،  حين دخل في المصطلح العربي والعثماني وفي 1864 صدر نظام الولايات الجديد،  فاصبحت ولاية دمشق (ولاية سوريا).  وكان العرب يطلقون اسم سورية في الاصل على القسم الاوسط من وادي العاصي (عند حمص وحماه)  دون غيره من البلاد الشامية[23] ولقد كان بين الامير بشير الثاني وبين محمد درويش باشا والي دمشق عداوة يعود سببها الى أن درويش باشا طمع في البقاع اللبناني.[24]

لكن حوادث 1860 كانت عبرة للمسيحيين في مناطق الجنوب المختلطة، إذ أدرك هؤلاء على أثر ما ألّم بهم في تلك السنة،  ان استمرار بقائهم ينطوي على تسوية وفيما رأى بعضهم ان إنشاء دولة لبنانية صالحة للبقاء يستدعي توسيع الحدود القائمة، أيقن المتبصرون منهم ان ذلك لن يجدي، في السياق الطويل، ما لم يقم تعاون وثيق بين المسيحيين والمسلمين في البلاد الموسّعة، ذلك ان المناطق المراد ضمها الى المتصرفية كانت ذات أغلبية مسلمة.

وكانت في لبنان، في عهد المتصرفية، فئات مسيحية من غير الموارنة لم تحصر همها في توسيع لبنان وضمان كيانه بل ذهبت الى أبعد من ذلك، فشمل ولاؤها الوطني سوريا كلّها،  ذلك ان الروم الارثودكس والروم الكاثوليك. من اللبنانيين كان لهم الكثير من الاخوان في مختلف المناطق السورية، كما كان للموارنة اخوان في حلب وغيرها من المدن السورية الكبرى.  وكان لكل من هذه الطوائف الثلاث نظام كنسي يرتكز على الكرسي الانطاكي المشتمل على جميع الانحاء السورية ما عدا فلسطين، التابعة لكرسي القدس.  وكان هذا وحده كافياً لتوحيد قضية المسيحيين في الولايات السورية جميعاً. لـذلـك، ففيما واصل الموارنة عموماً تكريس جهودهم للبنان ، انضم بعض النافذين منهم الى الروم الارثوذكس والروم الكاثوليك،  في اعتبار سوريا كلها وطناً لهم ومع مرور الايام،  نمت عند هذه الفئة من الوطنيين المسيحيين فكرة القومية السورية التي تخطّت الاعتبارات الدينية والطائفية لتحتضن المسلمين والمسيحيين السوريين على السواء وكان من مقاصد هذه القومية العلمانية، القائمة على اللغة العربية والتراث الثقافي المشترك بين السوريين جميعاً،  ان تضع تلك الصيغة المتوخاة للتعاون المسيحي – الاسلامي الذي رأى فيه الكثيرون الضمان الاكبر للمسيحيين في البلاد.[25]

ثالثاً: الانتماء القومي والانتماء الديني
كان لظهور الفكرة القومية صلة وثيقة باليقظة الادبية العربية التي قامت في لبنان في عهد المتصرفية.  ولعلّ اوّل من نادى بها المفكر البحّاثة بطرس البستاني.  ففي الصحيفة الاسبوعية “نفير سوريا”  التي صدر العدد الاول منها في 1860،  دعا بطرس البستاني الى التآخي بين مسيحيي سوريا ومسلميها.  وفي 1870 أصدر البستاني مجلة الجنان وجعل شعارها “حب الوطن من الايمان” وكانت عبارة “الوطن” عند البستاني ورفاقه، تعني سوريا.  لكنها كانت “سوريا” غير منفصلة عن التراث الثقافي العربي.  وهكذا التقت فكرة القومية السورية، منذ اول ظهورها، بفكرة العروبة.  وفي القسم الاخير من القرن التاسع عشر،  شدّدت الاوساط الادبية والعلمية التي نشأت حول الكلية السورية الانجيلية في بيروت،  والتي سيطر عليها فكرياً المرسل والبحاثة الاميركي كرنيليوس فانديك، على عروبة سوريا، وربما، كان بتأثير فانديك،  لعنايته العميقة بالتراث العربي،  ان تطورت “سوريا” البستاني شيئاً فشيئاً، الى عروبة المفكرين اللاحقين به من المسيحيين اللبنانيين، امثال ابراهيم اليازجي ويعقوب صروف وفارس نمر ولم يكن الا في اواخر  القرن التاسع عشر ان برزت فكرة القومية العربية وأخذت تنضج في أذهان بعض المفكرين اللبنانيين المسيحيين من الجيل الناشئ وكانت هذه الفكرة،  بمفهومها الاصلي،  لا تتميز بوضوح عن فكرة القومية السورية التي قال بها البستاني.  وكذلك، لم تتنافَ “عروبة” إبراهيم اليازجي ورفاقه مع القومية اللبنانية السائدة بين المسيحيين في لبنان، وخصوصاً الموارنة.  فالقومية العربية التي نادى بها المفكرون المسيحيون تحدّث، في ذلك الوقت، العصبية الدينية السائدة بين المسلمين، كما تحدّث فكرة القومية العثمانية التي ينادي بها زعماء الاصلاح في الاستانة، من دعاة المركزية، وحاولوا فرضها على جميع البلاد الخاضعة للسلطنة.  لكنها لم تتعرّض للقومية اللبنانية.  فلا عجب، والحالة هذه ، ان يتعاون، احياناً، دعاة القومية العربية الاوائل ، من المسيحيين، مع دعاة الاستقلال اللبناني إذ كانت الغاية من الفكرتين واحدة، وهي تعزيز مقام المسيحيين في الولايات السورية.

ومما لا يجوز قوله هو أن القومية العربية، في الاصل،  ابتكار لبناني مسيحي محض.  فالفكرة، كما دعا اليها ابراهيم اليازجي ورفاقه من اللبنانيين المسيحيين، لم تعجز عن إيجاد من يعبّر عنها لدى بعض المعاصرين من المفكرين المسلمين، وفي طليعتهم عبد الرحمن الكواكبي من حلب (1825-1902).  وبالرغم من ولاء المسلمين العرب للسلطنة العثمانية وتحسّسهم، حتى اوائل القرن العشرين، بالوحدة الدينية والسياسية مع المسلمين الاتراك، فقد كانت هناك بين الفئتين كراهية متأصّلة لم يصعب على القوميين العرب الاوائل من المسيحيين استغلالها.

لكن الظروف التي سادت أواخر القرن التاسع عشر لم تساعد على انتشار القومية العربية بين المسلمين العرب،  ففي 1875، ثار البلغار على السلطنة، بمساندة روسيا. فجاءت ثورتهم هذه برهاناً واضحاً على فشل حركة الاصلاح العثمانية في اجتذاب ولاء الرعايا المسيحيين للدولة.  وكان في السنة التالية ان تبوأ عبد الحميد الثاني كرسي السلطنة،  فأدار ظهره الى المبادئ العلمانية التي نادى بها زعماء الاصلاح، وراح يعزز من جديد العنصر الاسلامي في الدولة ليأسه من ولاء المسيحيين.  وقد شدّد على سلطته كخليفة المسلمين وتزعم حركة الوحدة الاسلامية التي كانت منتشرة آنئذ بين صفوف الشعب ثم انه ابدى عناية خاصة بالمسلمين العرب.  فقوي ولاء هؤلاء للدولة، ولم يبق هناك ما يغريهم بالتعاون مع مواطنيهم المسيحيين على تحقيق الانفصال الجزئي أو الكلّي عن السلطنة العثمانية.  وفيما ظلّ عبد الحميد الثاني سلطاناً،  ظلّت القومية العربية، في الاكثر حركة انفصالية في سوريا تحظى قليلاً ان حظيت، بتأييد المسلمين.  لكن الحال تغيّرت بعد 1908 .  ففي تلك السنة جرى الانقلاب على السلطان عبد الحميد، فأعيد الدستور العثماني الذي كان قد أُلغي في 1878[26]

وفي السنة التالية خُلع عبد الحميد، واجلس اخوه محمد رشاد مكانه، فتسلّم الحكم قادة حزب “الاتحاد والترقي”  وهم من ورثة حركة الاصلاح في القرن التاسع عشر.  وكان هؤلاء قد تخلّوا عن فكرة القومية العثمانية التي نادى بها زعماء الاصلاح الاوائل واستعاضوا عنها بفكرة القومية التركية.  فقالوا بتفوق الاتراك عنصرياً على غيرهم من الشعوب الاسلامية وغير الاسلامية في السلطنة العثمانية،  وشدّدوا على ان مهمة القيادة في السلطنة العثمانية وفي دنيا الاسلام انما تقع على عاتق العنصر التركي المتفوق. وكان من شأن هذه الدعوة أنها ابعدت الشقة بين العرب وبين الاتراك والدولة العثمانية التي كانوا يسيطرون عليها.  هذا فضلاً عن ان حزب “الاتحاد والترقي”  قد سعى ليس الى المزيد من المركزية فقط بل ايضاً الى تتدريك جميع رعايا السلطنة، مسلمين وغير مسلمين على السواء،  وسرعان ما جمعت سياسة “حزب الاتحاد والترقي” هذه ،  في الولايات السورية، بين المسيحيين والمسلمين. إذ لم يمض وقت طويل حتى بدت تباشير حركة قومية عربية بين مسلمي سوريا،  اتخذت لها مراكز ناشطة في دمشق وحلب وبيروت.  كانت هذه الحركة صنواً للحركة التي نادى بها المسيحيون في تشديدها على اللغة والتراث العربي كأساس للوحدة القومية.  لكن سرعان ما بدا لبعض المسيحيين ان هنالك صعوبات تلوح في الافق، ففيما اصرّ رفقاؤهم المسلمون، نظرياً، على علمانية الحركة القومية العربية ،  كاد ان يستحيل عليهم، عملياً، فصل العروبة عن الاسلام.

وكان من شأن التأييد الاسلامي للقومية العربية بعد 1909 انه أدخل تغييراً جذرياً على طبيعة الحركة واتجاهها.  فالحركة التي عبّرت، في طورها الاول، عن نزعة الاقليّة المسيحية في الولايات السورية الى الانفصال، وتخوفها من حركة الوحدة الاسلامية التي نادى بها جمال الدين الافغاني ورفاقه وتبنّاها السلطان عبد الحميد،  لم يكن لها حظ كبير في النجاح.  فلما تسلّمت الاكثرية الاسلامية قيادة الحركة، اصبحت القومية العربية قوة خطيرة لا يمكن لحكومة الاستانة ان لا تحسب لها حساباً وكان بعد 1909،  أن تأسست الجمعيات السرية في المدن السورية الكبرى،  فأخذت تُجري اتصالات مع الدول الاجنبية وتعد العدة لانفصال العرب عن السلطنة العثمانية وفي الوقت نفسه، توقفت القومية العربية عن الاهتمام الجدي بالمبادئ العلمانية، بعد ان اصبح المسيحيون أقلية في الحركة فكرّس القوميون الجدد جميع جهودهم ضد سياسة التتريك والمركزية التي اتبعتها حكومة الاستانة.  ثم انهم شرعوا يتطلعون الى أبعد من توحيد الولايات السورية وفصلها عن السلطنة ، فتحدثوا عن إنشاء امبراطورية عربية شاملة تضم جميع البلدان الاسلامية الناطقة بالعربية.

وإذا بدأت النـزعة القومية العربية،  بقيادة المسلمين،  تتخذ شكلها الجديد.  كان لا بد من ان يتبدل موقف المسيحيين تجاهها.

وكان بين هؤلاء من آثر الاستمرار في تأييد الحركة،  خصوصاً في المناطق التي كان المسيحيون فيها أقليّة.  أما في لبنان، فسارع المسيحيون، وهم أغلبية السكان في ذلك الوقت الى إعلان تحفظهم من حركة اصبحت القيادة فيها للمسلمين.  فمع وحدة الهدف التي جمعت في الاساس بين القوميين اللبنانيين المسيحيين والقوميين العرب، وهي مقاومة الحكم العثماني والمطالبة بالاستقلال التام، رأى القوميون اللبنانيون ان الوحدة العربية الشاملة التي هدف القوميون العرب اليها تنذر بحالة يؤثر عليها استمرار الحكم العثماني.  ففي ظلّ السلطنة- العثمانية، نعم اللبنانيون بامتيازات حرصوا اشد الحرص على التمسك بها.  فماذا كان يضمن لهم بقاء هذه الامتيازات في ظل امبراطورية عربية؟

إذاً قبل 1880 لم يكن هناك من حركة قومية عربية واسعة بمعنى انه لم يكن هناك مشاركة اسلامية فيها فلقد كانت محصورة جداً، وكان اغلبية المسلمين يتبنون فكرة القومية العثمانية حتى وصول حزب (الاتحاد والترقي) الى الحكم الذي تخلى عن القومية العثمانية التي تضم جميع المسلمين واستبدلها بالقومية التركية.

وهنا نستطيع ربط الاتجاه العربي القومي العلماني مع الفتح المصري لبلاد الشام لمناهضة الحكم العثماني،  فإذا كانت فكرة القومية نشأت في سوريا لتعزيز مقام المسيحيين في البلاد العربية،  فإن ابراهيم باشا في احتلاله لبلاد الشام حرّر النصارى، فزال “الغيار” عنهم وأخذوا ينافسون المسلمين في ميادين التجارة التي كانت فيما سبق وقفاً عليهم وحدهم، كتجارة الحبوب والماشية وهكذا قويت شعبية ابراهيم باشا عند نصارى بلاد الشام،  فيما ضعفت عند المسلمين، إذ حرص هؤلاء على ان لا يشاركهم اهل الذمة بامتيازاتهم المتوارثة.

كما أن غزوه لبلاد الشام كان يهدف الى تحرير البلاد من النير العثماني وإقامة دولة عربية موحدة كبرى حديثة على أسس وانظمة جديدة مستمدة من الانظمة الغربية ومن روح الثورة الفرنسية بنوع خاص وهذا ما قاومته الدولة العثمانية والمنضوين الى القومية العثمانية فوجد في الامير بشير الشهابي الثاني حليفا له.

ونلاحظ ان فكرة القومية اللبنانية والقومية السورية والعربية العلمانية قد بدأت تتبلور في منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بالرغم من جذورها التي تعود الى نهاية القرن الثامن عشر مع غزو نابليون بونابرت لمصر 1798.  فالقومية من حيث نشأتها هي طرح غربي وروّادها الاوائل تأثروا بالغربيين،  إذا لم نقل تقمصوا افكارهم، ألم يكن لتباشير الانبعاث الادبي العربي صلة وثيقة بجهود المراسلين الاميركيين وفي طليعتهم عالي سميث (1801/1857)  وكرنيليوس فانديك (1818 – 1895)  الذي شدّد على عروبة سوريا،  أولم يتبلور النص الكياني اللبناني في كنف النص الاستشراقي الفرنسي وهنا يجب ان نميز بين الوحدة السياسية التي كانت قائمة (الامارة) وبين الفرادة والخصوصية الواردة في النص الاستشراقي. لان الوحدة السياسيّةهي سابقة لطروحات الفرادة والخصوصيّة المنطلقة من الاستراتيجيّة السياسيّة الفرنسيّة للمنطقة بالرغم من تلاقي النص الاستشراقي والواقع السياسي.

كما يجب ان نميّز بين الوحدة السياسية وبين الانتماء القومي كما يجب ان نُظهر الاهمية التي لعبها الدين في نشوء هذه القوميات بالرغم من ان القومية التي نشأت في الغرب هي متفلّتة من العصبيات وهي نقيضة الدين ، أما في مجتمعاتنا اندمجت القومية مع العصبية حتى صحّ عندنا القول بأن الدين أفيون الشعوب.

وإذا كانت الامبراطورية العثمانية لم تستطع ان تبني النموذج الحديث وان تتفلّت من عصبياتها الامر الذي سهّل بتصدعها فإن حلول الدول الحليفة مكان الرجل المريض قد رسّخ هذه العصبيات.

رابعاً: الدولة اللبنانيّة في علاقتها بالدين
إن هذا التركيب المعقد بخلفيته التاريخية الاجتماعية والاقتصادية بالاضافة الى تكريسه في النصوص القانونية انعكس على نموذج الدولة اللبنانية.

كما ان وقوع لبنان تحت تأثير الدول الاجنبية بشكل مديد وشبه متواصل من السيطرة العثمانية الى سيطرة الدول الغربية لا سيما أثناء المتصرفية ثم الاستعمار الفرنسي ثم أيام الاستقلال بعد تفجّره، بروز مشكلة الشرق الاوسط والوجود الاسرائيلي والسوري وتدخل الدول المؤيدة لاسرائيل وتدخل اسرائيل وسوريا وتأثيرها على الشأن الداخلي كلّ هذا شكل او لعب دوراً كبيراً في تشكيل نموذج الدولة اللبنانية وفي استمراره ، كما ان انقسام البلاد الى دينين رئيسيّين متّجهين أحدهما الى الغرب والآخر الى البلاد العربية اتجاهاً إيمانياً ثقافياً وسياسياً وقيام رجال الدين بادوار سياسية حاسمة واستعداد النظام السياسي للتأثر بالنـزاعات والمصالح الطائفية لارتباطه بها، وفشل الدينين المسيحي والاسلامي في التفاعل وخلق تيار روحي ايجابي،  ونمو الانتماء الديني الطائفي الى بديل عن الانتماء الوطني كل هذا يشكّل نموذج الدولة اللبنانية.

وعلى الرغم من ذلك، ان الدولة اللبنانية لا تعتنق معتقداً دينياً معيناً فلقد رأينا في المادة التاسعة من الدستور ان الدولة في احترامها بين الاديان ولا تفضّل واحداً منها على آخر فهي ليست كعدد من الدول العربية – دولة دينية.

فإذا نظرنا الى مواقف الدول العربية من الدين نراها تعتنق رسمياً في دساتيرها ديناً معيناً كما ان الدول الملكية التي لا يوجد فيها دستور تخضع لاحكام الشريعة الدينية، فالمجتمع العربي بوجه عام سائر في خط الدعوة الدينية فالدول تتبنى دينها الرسمي في الدستور. والممالك سواء اكان لها دستور ام لا، تعلن جميعها أنها دول تسير على الشريعة الاسلامية سيراً كلياً في تصريف شؤون الحكم والرعيّة ومع ذلك الاعلان المبدئي لا بدّ من التمييز في مواقف تلك الممالك في هذا المجال فمنها المتطرف، كالسعودية ومنها المتسامح كالاردن والمغرب .

كما ان الدولة اللبنانية ليست علمانية فهي تعتمد الانتماء الديني كمرتكز لتوزيع المناصب العامة وهي تفرق هكذا بني المواطنين وحقوقهم وواجباتهم حسب انتسابهم الى هذا الدين او ذاك،  لا بل الى هذه الطائفة أو تلك من كل دين.

كما ان الدستور اللبناني – مع عدم اختياره ديناً من الاديان – يؤمن بالله ويقدم له الخضوع والاجلال فالدولة اللبنانية ليست إذن علمانية، إذ أنها غير حيادية بل تتخذ موقفاً ميتافيزيائياً بإقرارها الإيمان بوجود الله وتأدية الاحترام له وبالتالي بعدم مساواتها بين المؤمن وغير المؤمن ، وبالرغم من هذا الموقف الميتافيزيائي فإن التعددية الدينية أعطت هذا النموذج طابعاً متفلتاً مختلفاً عن الانغلاقية الاوتوقراطية ذات اللون الواحد وانعكست حرية متفلقة من الضوابط في بعض الاحيان واعطت هذا النموذج من الدول طابعاً خاصاً ، وهكذا تبدو الطائفية نظاماً دستورياً قائماً بذاته يقع بين العلمانية والتيوقراطية.  فمع مساواتها بين الاديان وعدم انتسابها الى واحد منها تعتمد الدولة اللبنانية الانتماء الطائفي لتوزيع المواطنين وتحديد حقوقهم. والدستور اللبناني إذ تخلى عن تحديد دين الولة، كما هو معتمد اجمالاً في الدول العربية إنما وقع في شرك النظام الطائفي وكرّس مبدأ “الكوتا”  الطائفية هذا من الناحية القانونية اما الواقع الاجتماعي فإن لبنان العلماني في موقفه من الاديان ابتلى بالشقاق الطائفي، فإذا بالاحزاب السياسية والمدارس الخاصة والجميعات الخيرية والخدمات الاجتماعية تخضع للاعتبارات الطائفية واكثر من ذلك ان القضايا العامة تبلى في معالجتها بالداء الطائفي فيستعصى احياناً حلّها او تنجرف الى ما هو غريب عن جوهرها وما تفرضه المصلحة العامة .

وبالرغم من أن لبنان، بفضل تكوينه البشري وانفتاحه الحضاري ، الذي يمّكنه ان يكون السبّاق في تحقيق الدولة المتحررة من القيود الطائفيّة،  إلا ان الوضع القانوني والظروف الواقعية،  أقعدته عن القيام بدوره، فلبنان مؤهل من حيث تكوينه وطاقاته البشرية والروحية والثقافية لتحقيق الدولة المتفلّتة من الطائفيّة والتحوّل الى قوة جذب كبرى تشدّ البلاد العربية الاخرى لتحقيق مثل تلك الدولة.

فكل النماذج التي اعتمدتها الدول العربية من اشتراكية ورأسمالية وماركسية لم تستطع ان تنشل هذه الدول من المشاكل البنيوية التي تعاني منها والسبب الرئيسي في هذا الفشل يعود الى رسوخ العصبيات العائلية والعشائرية والطائفية هذا الواقع الذي استطاع الانسان الفرد في الغرب التفلّت منه كشرط مسبق لقيام الدولة الحديثة.

خامساً: الدولة اللبنانية والحرية
ان عدم اقامة سلطات وبنى غربية جديدة كما كان يتمنى ذلك معظم المثقفين العرب المتشبثين بالنماذج الغربية التي لم يطبقها الغرب على بلادنا كما طبقها في أوروبا، أو على الاقل لم تتم محاولة تطبيقها، انعكس انتقاصاً من الديمقراطية، الا انه في المقابل لا يمكننا انكار الفوائد الثقافية الجمة التي نقلت الينا بالاضافة الى تعزيز ممارسة الحريات العامة التي أُقِّرت في اطار النظام الطوائفي وليس خارجه،  فإذا استثنينا العامل الطائفي والمذهبي المترسّخ في القوانين وفي الممارسة فإن كل العناصر الاخرى متوفرة لينطبق النموذج الليبرالي على نموذج الدولة اللبنانية من حرية وانفتاح ومبادرة فردية.

وهذا مترسّخ فيه منذ عهد الامارة حيث كانت الاحوال في لبنان،  على عكس ما كانت في غيره من البلاد العثمانية،  مؤاتية للتقدّم والتطور فقد ضَمنَ اللبنانيون تحت حكم الامراء،  قدراً من الحرية لم يعرفه سواهم من رعايا السلطنة العثمانية.  فكم أدهش السائح فولني،  في القرن الثامن عشر ، ان يرى لبنان،  على صغره ووعورة أرضه، يغصّ بالسكان، حتى وازت كثافتهم فيه اكثر المناطق  الفرنسية ازدهاراً وقال: ” كيف لنا تفسير مثل هذا الرخاء في أرض ضيقة كهذه؟  إنني لا أجد من سبب له، بعد التأمل والتفكير، إلاّ شعاع الحرية الذي يسطع هناك”[27].

“وشعاع الحرية” هذا كان يضمن سلامة الارزاق والاعناق لا لرعايا الامراء اللبنانيين وحدهم بل للزائرين والمقيمين الاجانب ايضاً،  بمن فيهم السياح والمبشّرون والتجار والعملاء السياسيون وهكذا اصبح لبنان اكثر اجزاء السلطنة انفتاحاً على التأثير الخارجي وكان اعتماد نصارى البلاد على الغرب ومودتهم له سبباً في تقبل افكار اوروبا وطرائق حياة شعوبها.[28]

وقد ترسّخت هذه الحرية في القوانين العثمانية والانتدابية والاستقلالية.

فصدر دستور 1876 الذي كرّس المساواة والحريات العامة لجميع رعايا السلطنة.

وصدر في تموز 1909 قانون الغى الترخيص المسبق لإصدار الصحف واستعاض عنه بالتصريح البسيط تحت طائلة العقوبات من غرامات وتعطيل.

وأيام الانتداب اكتفى القرار رقم 2464 الصادر في 6/5/1924 بإخضاع إصدار الصحف والمجلات الى تقديم بيان بذلك،  لنظارة الداخلية ودفع تأمين مالي جرياً على التقييد التشريعي الليبرالي الفرنسي. وحتى أيام الحرب، لم يغيّر المفوض السامي هذا المبدأ الليبرالي،  بل استعاض بتدابير اخرى،  كتشديد العقوبات وأحكام الرقابة.

أما دستور 23 أيار 1926 تناول موضوع الحريات بالمواد التالية:

المادة 8 : الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون ولا يمكن ان يُقبض على أحد او يُحبس او يُوقف الا وفاقاً لاحكام القانون ولا يمكن تحديد جرم او تعيين عقوبة الا بمقتضى القانون.

المادة 9:  حرية الاعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الاجلال لله تعالى تحترم جميع الاديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على ان لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن ايضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية.

المادة 10:  التعليم حر ما لم يخلّ بالنظام العام او ينافي الآداب او يتعرض لكرامة احد الاديان او المذاهب ولا يمكن ان تُسمى حقوق الطوائف من جهة انشاء مدارسها الخاصة،  على ان تسير في ذلك وفاقاً للانظمة العامة التي تصدرها الدولة في شأن المعارف العمومية.

المادة 13: حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون.

المادة 14: للمنـزل حرمة ولا يسوغ لاحد الدخول اليه الا في الاحوال والطرق المبيّنة في القانون.

المادة 15:  الملكية في حمى القانون فلا يجوز ان يُنـزع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة في الاحوال المنصوص عليها في القانون وبعد تعويضه منه تعويضاً عادلاً وقد جاء في مقدمة الدستور اللبناني الصادر 21/9/1990 ، الفقرة و – النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة .

مرّت الحرية والديمقراطية اللبنانية في مراحل متفاوتة منذ القديم وحتى اليوم وعاشت التقلبات ومع ذلك كلّه لا بدّ من القول، بكل موضوعية، بأن لبنان وبالرغم من بعض الانتقادات والمآخذ على بعض التشريعات، يبقى واحة الحرية والديمقراطية في نطاق الاطار الطوائفي، في هذه البقاع من الدنيا لكن رياح الارهاب والاستبداد تهب على هذه الواحة وتهددها بالمخاطر، فلنكن لها بالمرصاد لان الحرية والديمقراطية ليست هبة مجانية بل كسباً مستحقاً فلندافع عنه. فمن ابرز الامثلة الحية على التناقض بين لبنان ومحيطه هو موضوع الصحافة اللبنانية التي تسبّب بأزمات عديدة بين لبنان والدول العربية الاخرى،  من جراء وجود حريات صحافية في لبنان لم تعرفها دول الجوار فالصحف اللبنانية كانت تنقل الى قراء تلك الدول مواضيع سياسية واجتماعية وفنية وثقافية عن واقع بلد مختلف، فكان المسؤولون يعمدون باستمرار الى منع الصحف من الدخول، علماً بأنها بحاجة الى الاسواق العربية من اجل استمرار مورد الاعلانات للمنتوجات الاستهلاكية الاجنبية التي كان اصحابها يطمحون بالوصول اليها عبر الصحافة اللبنانية. وبالتالي لم يكن من مصلحة الصحافة اللبنانية ان تواجه قرارات المنع هذا.  فاضطر بعضها الى تقديم تنازلات لأنظمة الحكم وإقامة ارتباطات خاصة معها،  مما جعل جزءاً من الصحافة اللبنانية عشية الحرب، عام 1975، على صورة النـزاعات العربية وهي كانت عديدة وعنيفة في الستينات ومطلع السبعينات. فكان قسم منها يدور في لبنان وعبر صحافته. وكان الرئيس اللبناني، في مؤتمرات القمة العربية في تلك الفترة يُواجه من قبل الجميع تقريباً بمآخذ على الصحافة.  مما اضطر الحكومة اللبنانية الى تعديل قانون المطبوعات لجهة مساواة الرئيس الاجنبي بالرئيس اللبناني ومعاقبة التعرض له (قانون المطبوعات عام 1962).

وإذا تجاوزنا موضوع حرية التعبير،  فإن الصحف اللبنانية كانت تنقل الى القارئ صورة عن الوضع السياسي اللبناني لا يعرفها ولم يختبرها في بلاده. فكان يقرأ عن جلسات المجلس النيابي والمواجهة بين المعارضة والحكومة،  والتصريحات السياسية أو المقالات الصحافية التي تنتقد المسؤولين بعنف. وتتحدث الصحافة اللبنانية عن تغيير الحكومات وإجراء الانتخابات النيابية وانتخاب رئيس للجمهورية كل ست سنوات والتناوب على السلطة بالرغم من الشوائب الاخرى للنظام اللبناني ولممارساته وكانت الصحف تلك تنقل ايضاً صورة عن الحياة الاجتماعية اللبنانية المتحررة،  في مختلف نواحيها وهي شديدة التناقض مع المجتمعات العربية.

وما كان ينطبق على الصحافة بالامس ينطبق اليوم على البث التلفزيوني الفضائي،  علماً بأن هذا الاخير هو أخطر من الكتابة الصحافية وبخاصة في مجال التنافس والبحث عن الاثارة في عدد من البرامج، والاقتداء بتلفزيونات الغرب،  من قبل بعض معدّي البرامج اللبنانيين.

إن لبنان الستينات ومطلع السبعينات ومن جراء نتائج ازدهار اقتصادي وانفتاح ثقافي وفني وسياحي لا سابق له، وصل الى ذروة التناقض مع واقع بعض المجتمعات العربية وانظمة الحكم فيها، وإن ذلك هو واقع الحال عشية حرب حزيران 1967 وغداتها ويوم حصلت اول ازمة خطيرة مع الفلسطينين، ذات التأثير المباشر على مجمل الوضع اللبناني، وهي التي انتهت بتوقيع اتفاق القاهرة في تشرين 1969 والتي وضعت حداً لاستقالة الحكومة التي دامت سبعة اشهر. وكان ذلك هو الوضع ايضاً يوم وقعت الاصطدامات بين الجيش الاردني والفلسطينين في الاردن في صيف 1970 وتدفق المقاتلين الفلسطينيين الى لبنان، واستقرار كامل اجهزة وقيادات الثورة الفلسطينية فيه ابتداء من ذلك التاريخ، وفي وقت كان الفريق الحاكم يتبدل في لبنان في انتخابات رئاسة الجمهورية في ايلول من السنة ذاتها.

فالاستقرار اللبناني الذي بدأ بالترسخ بعد عام 1958 ومجيء فؤاد شهاب الذي حاول بناء الدولة الحديثة ما لبث ان أخذ هذا الاستقرار يتلقى انعكاسات عدم استقرار المنطقة ونزاعاتها، ليس لأن لبنان بلد مجاور لاسرائيل ومعادٍ لها فقط، بل بسبب بعض الممارسات السياسية الطائفية الداخلية بعد عام 1970 بصورة خاصة،  أسهم الى حد كبير بالوصول الى مرحلة التقصير عن مواجهة ما كان يجري.

فهل لما حصل علاقة بعدم استقرار المنطقة ونزاعاتها فقط؟  أم أن ما حصل يرتبط ايضاً بنموذج الدولة اللبنانية؟

لا شك بأن النموذج الليبرالي المبني على الطائفية يتصف بالهشاشة وقد شكّل الارض الخصبة لتفجّر الصراعات ولكن لا يمكننا ان نعتبره السبب الرئيسي المفجّر للوضع في تلك الاثناء. فبالاضافة الى الاسباب الخارجية المفجِّرة للصراع، اعتبر النموذج اليبرالي المبني على الطائفية، احد الاسباب الداخلية، المترافق مع سؤ الممارسة، التي انعكست عدم توازن في المشاركة الطوائفية على صعيد السلطة. فكلٌ يتسابق للفوز بالامتيازات وكل يحلم بان يكون هو المسيطر، فالمسيحي يريد الدولة القومية المسيحية كحق له في شرق اسلامي والمسلم يريد الدولة القومية الاسلامية وان يكون المسيحي فيها من أهل الذمة. كما ان لامتدادات العديد من الطوائف اللبنانية، خارج الحدود اللبنانية أثره السلبي، فاذا نجح بعضهم في الاستقواء بالخارج على بعض الداخل فان ذلك ينعكس سلباً على النظام الطوائفي وقد كانت في ممارسات الحرب وطروحاتها المختلفة ما يشير بوضوح الى هذه الحقيقة، حتى صحّ القول بوصفها دويلات ضمن الدولة. فلا بد لهذه الدويلات اذا ارادت الحد من المخاطر المحدقة بهذا النظام الليبرالي الطوائفي ان تنظر الى الداخل اللبناني لقطع الطريق امام العوامل الخارجية لتفجّر الصراعات، وتعزيز المشاركة الطوائفية على صعيد السلطة، لتخطي الطائفية في النظام الطوائفي.

المراجع

1-د. عصام سليمانن الفدرالية والمجتمعات التعدّديّة ولبنان، دار العلم للملايين، بيروت، 1991. ص، 255

2 كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث ، دار النهار، بيروت، 1967، ص 106

3 راجع نصي البروتوكول (1861-1864) في

Gabriel NORADOUNGHIAN, Recueil d’actes internationaux de l’Empire ottoman, t.3, e’ditions anthropos,Paris,1902,pp114-149 et 224-228

4 راجع كمال الصليبي، نفس المرجع، ص 41

5   نفس المرجع ص 78-79

 6  راجع نصي البروتوكول (1861-1864) في:Gabriel NORADOUNGHIAN, Ibid, ,pp114-149 et 224-228

7 راجع نص البيان في الصحف اللبنانبة تاريخ 26- 9- 1943.

8  راجع نص البيان في الصحف اللبنانية تاريخ 4/7/1944

9 د.عصام سليمان ،المرجع السابق، ص،169.

10  القانون الدستوري  الصادر في 21/9/1990 المادة 95

11 د. عصام سليمان، مرجع سبق ذكره، ص، 166

12 نفس المرجع، ص، 165- 166                                                                                                                                  13 نفس المرجع، ص، 168.

[14]   Georges Corm, Géopolitique du conflit libanais, Paris, Editions la Découverte, 1986, p, 59-79, Ghassan Tuéni, Une Guerre pour les Autres, ParisL J.C. Lattès, 1985, p, 63-127, David C. Gordon, Lebanon: The Fragmented Nation, London, Croom Helm, 1980, p, 74-143.

15  د. كمال الصليبي ، مرجع سبق ذكره ، ص 58

16  نفس المرجع ، ص 59

17  لم تشترك الشعوب البلقانية الاسلامية، كالبشناق والارناؤوط، في الثورات التي قامت ضد السلطنة في بلاد البلقان، بل حافظت أشدّ الحفاظ على ولائها للدولة

18  كمال الصليبي، مرجع سابق، ص. 196 .

19  نفس المرجع، ص. 197.

20  نفس المرجع، ص. 197.

21  كان اللبنانيون يطلبون إنشاء مرفأ خاص بالمتصرفية في جونيه.

[22]    M. Jouplain, La question du Liban ; étude d’histoire diplomatique et de droit international, Paris, Librairie Nouvelle de droit et de Jurisprudence,1908, pp-544-5.

23  نفس المرجع، ص. 144 .

24  نفس المرجع، ص. 56.

25  نفس المرجع ، ص. 198.

26   كان الدستور العثماني، الذي تقرر في 1876، آخر أعمال عهد “التنظيمات”.

[27]  Volney , Voyage en Egypte et en Syrie, ed. Maspe’ro, Paris, 1959, p.241.

28 كمال الصليبي، مرجع سابق، ص،160.