web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters بيار مارون/لبنان لم يُختَر بالصدفة

بيار مارون/لبنان لم يُختَر بالصدفة

19

لبنان لم يُختَر بالصدفة
بيار مارون/فايسبوك/20 أيار/2026
قبل أن تُكتب التوراة، وقبل أن تنطق الفلسفة بأول كلمة، كان لبنان حاضراً.
في ملحمة جلجامش — من أقدم النصوص الأدبية التي عرفتها البشرية، كُتبت قبل نحو أربعة آلاف سنة — لم تكن غابة الأرز مجرد خشب استُخدم لاحقًا في بناء المعابد والقصور والسفن. كانت وجهة أسطورية، موطناً للرهبة والآلهة، والغابة التي لا يجرؤ البشر على اقتحامها إلا من كان قلبه أكبر من خوفه. «لبنان» في تلك الذاكرة لم يكن اسماً سياسياً، بل اسماً للعلوّ والبياض والأرز والجبال التي تلامس السماء.
جلجامش وأنكيدو لم يذهبا إلى أي مكان في العالم. ذهبا إلى هناك.
بعدها بقرون، وقف موسى على حدود الأرض الموعودة وتضرّع لربه: «أَعْبُرْ فَأَرَى الأَرْضَ الجيدة… وَلُبْنَانَ.» لم يقل جبلاً. لم يقل غابة. قال لبنان باسمه. كأن الاسم وحده كان يكفي.
وفي المزامير: «الصديق كالنخلة يزهر، كأرزة لبنان ينمو.» وفي نشيد الأنشاد: «رائحتك كرائحة لبنان.» لبنان في الكتاب المقدس ليس مجرد موقع جغرافي — هو استعارة للنقاء والعظمة والديمومة.
وفي الوجدان الروحي، في أكثر من دين وذاكرة، لم تكن هذه الأرض عابرة. فالجبال والأشجار والمياه، حين تتحول إلى آيات، يصبح لبنان واحداً من أوضح صورها.
ثم جاء المسيح.
لم يبقَ في حدود المألوف. ذهب إلى الشمال، إلى أرض كنعان. وهناك، في ذاكرة لبنان وتقاليده، تقف قانا شاهدة على أولى المعجزات: الماء تحوّل إلى خمر. قانا ليست هامشاً في الذاكرة المسيحية — هي بداية الظهور العلني للمعجزة.
قبل كل هذا، كان الفينيقيون.
من شواطئ لبنان أبحرت السفن التي تجرأت على المجهول. ومن مدنه خرجت الأبجدية التي غيّرت مصير الكتابة. أوروبا كلها تكتب اليوم بحروف تحمل صدى بعيدًا للأبجدية الفينيقية. لبنان لم يعطِ العالم أرزاً فقط — أعطاه طريقاً إلى الكلمة.
ثم في القرن التاسع عشر، غادر أبناء هذا الجبل إلى أمريكا.
غادروا من بشري ومن بسكنتا ومن المحيدثة. غادروا تحت تصنيف إداري عثماني، وفي زمن كانت فيه كلمة «سوري» تُستخدم في السجلات الأمريكية كمصطلح واسع لكل من جاء من بلاد الشام — لا كهوية دقيقة، بل كخانة في استمارة.
لكن جبران خليل جبران لم يكن خانة في استمارة.
كتب عن لبنان كما يكتب العاشق عن حبيبته التي لا ينساها. قال: «لو لم يكن لبنان وطني، لاخترته وطناً.» ميخائيل نعيمة من بسكنتا كتب عن أوديتها وثلوجها كأنه لم يغادرها يوماً. إيليا أبو ماضي من المحيدثة حمل صخور قريته في كل قصيدة كتبها.
هؤلاء لم يرفضوا عروبتهم. ولم يكونوا خارج الذاكرة الشامية الأوسع. لكنهم كانوا يعرفون تماماً من أين جاؤوا.
اليوم، في نيويورك، نُصب تذكاري يحمل أسماءهم — ويصفهم بأنهم «شعراء سوريون.»
لا أحد يجادل في أن الحي كان يُسمى «سوريا الصغيرة.» ولا أحد ينكر أن مصطلح «سوريا» استُخدم تاريخياً بمعانٍ أوسع قبل قيام الدول الحديثة. لكن حين تختار أن تكتب اسم جبران، لم تعد تتحدث عن حي — بل عن إنسان. وهذا الإنسان كان من بشري.
ومن يحاول اليوم إعادة تصنيفه إنما يكرر منطق الموظف العثماني: يضع إنساناً في خانة لا تراه كما هو.
محو هوية جبران ليس تصحيحاً تاريخياً. هو استمرار لمنطق قديم يرى أن لبنان صغير جداً ليكون له اسم خاص به.
لكن الذاكرة تقول غير ذلك.
جلجامش قصد غابة الأرز. موسى تمنّى لبنان. المسيح مرّ في ذاكرة هذه الأرض. والفينيقيون من شواطئها علّموا العالم أن يكتب.
وأرزة لبنان — تلك الشجرة التي تتحدى الثلج والعواصف منذ آلاف السنين — لا تزال واقفة.
بعض الأماكن لا تحتاج إلى إذن لتكون مقدسة.
لبنان واحد منها

Share