web analytics
Home Youssef El Khoury Page/صفحة المخرج يوسف ي. الخوري الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/حين تُدار الحروب بالكلمات… ويُهزم لبنان بالصمت!

الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/حين تُدار الحروب بالكلمات… ويُهزم لبنان بالصمت!

22

حين تُدار الحروب بالكلمات… ويُهزم لبنان بالصمت!
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/16 نيسان/2026
في هذا الشرق، لا تُصنع الوقائع فقط على الأرض، بل تُصاغ أولًا في الكلمات. وما جرى حول الحديث عن “تواصل محتمل” بين جوزيف عون وبنيامين نتنياهو ليس تفصيلًا عابرًا، بل نموذجًا كاملًا عن كيف تُدار المعارك قبل أن تبدأ.
دونالد ترامب لا ينتظر الحدث ليعلّق عليه؛ هو يطرحه كاحتمال بصيغة تكاد تجعله حتميًا. يفتح بابًا نفسيًا، ثم يترك الآخرين يتصارعون داخله. وإسرائيل تلتقط هذا الأسلوب بسرعة: لا تحتاج إلى حقيقة، يكفيها أن تدفع الفكرة خطوة إضافية، أن تلمّح، أن توحي، وأن تترك الانطباع يتضخّم… والباقي يتكفّل به الداخل اللبناني.
وهنا، يقع اللبنانيون في الفخ، وينكشف عجز دولتهم أكثر.
منذ مفاوضات واشنطن الأخيرة بين لبنان وإسرائيل، لا نشهد إدارة دولة، بل ساحة مفتوحة: إشاعة، فوضى، تخوين، ثم انقسام. لكن هذه المرّة، الأخطر ليس الانقسام السياسي التقليدي، بل الانقسام الحاد داخل جمهور “الثنائي الشيعي” نفسه؛ جمهور يتبادل الاتهامات بشراسة، يتشكّك، ويتصدّع من الداخل. وهنا تكمن النقطة المفصلية التي تغفل عنها الدولة.
كان يفترض بالدولة أن تفصل هذا التصدّع وتستثمره، لا أن تقع في الفخّ المعاكس، فتترك إشاعة اتصال مزعوم تأخذ مجراها، فيستغلّها “الثنائي” لإعادة لملمة تشرذمه وتوحيد جبهته ضدّها، تحت عنوان التواصل مع العدو.
وهنا يحقّ السؤال:
كيف يصدّق اللبنانيون أصلًا إشاعة بهذا الحجم وينجرّون خلفها؟
كيف تتحوّل جملة غير مؤكّدة إلى مادّة تخوين وانفجار داخلي؟
خصوصًا أنّه لا يوجد أي مؤشر واضح على أنّ إسرائيل مستعدّة لوقف إطلاق النار قبل استكمال مسار نزع سلاح حزب الله؟
بل أبعد من ذلك:
كيف يُفترض أن نصدّق أنّ إسرائيل تريد سلامًا حقيقيًا، وهي تتلاعب بهذا الشكل بالسردية اللبنانية، وتترك الداخل يحترق على إشاعة؟
المفارقة أنّي كنت قد دعوت سابقًا إلى مقاربة مختلفة؛ الذهاب إلى التفاوض من موقع قوّة، على طريقة أنور السادات: الإمساك بالمبادرة بدل انتظارها. لكن ما يحدث اليوم يفرض تحذيرًا من نوع آخر:
أي تسرّع في الانخراط في “اتصال” أو خطوة رمزية من هذا النوع مع الإسرائيليين، إن حصلت، لن يُقرأ كقوة، بل سيُستخدم فورًا لتوحيد جمهور “الثنائي” ضدّ الرئاسة، بعد أن كان منقسمًا، ولفتح باب بلبلة سياسية وأمنية تستهدف موقعها تحديدًا.
الفرصة الحقيقية ليست في الردّ على الخارج، بل في إدارة الداخل.
هناك انقسام فعلي داخل البيئة الشيعية؛ انقسام يجب على الدولة أن تفصل فيه، لا أن تردمه.
أن تحتويه، لا أن تدفعه إلى التماسك ضدّها.
أن تستثمره لإعادة فرض منطق الدولة، والانطلاق تدريجيًا نحو معالجة مسألة السلاح خارج الشرعية.
الخلاصة:
القوة ليست في الردّ على اتصال… بل في معرفة متى لا تردّ.
وليست في ملاحقة إشاعة… بل في منعها من توحيد خصومك.
ومن لا يُحسن إدارة انقسام خصومه، سيجد نفسه، دائمًا، يوحّدهم ضدّه.
خلاصة اضافيّة:
ها نحن، وقبل أن أنهيت كلامي، أمام فصل جديد من المسرحية: يُحكى عن وقفٍ لإطلاق النار هذه الليلة.
إن حصل، فلن يكون إنجازًا لبنانيًا، بل دليلًا إضافيًا على أنّ قرار الحرب والسلم لا يزال خارج أيدينا، وأنّ دولتنا تُساق حيث يُراد لها أن تُساق.
ثم سنستفيق، كالعادة، على جوقةٍ تروّج لانتصارات وهميّة، تُخدَّر بها العقول، فيما الواقع يقول شيئًا واحدًا: لم نقرّر، لم نُفاوض، ولم ننتصر… بل استُخدمنا.
وعندها، إن امتلكنا لحظة صدق نادرة، علينا أن نسأل:
من أوقف إطلاق النار فعلًا؟ ولماذا الآن؟ وكم سيدوم؟
أم أنّه مجرّد استراحة في لعبة أكبر من لبنان بكثير؟
الحقيقة القاسية أنّنا لا نزال هواة في السياسة، نتخبّط في لعبة أمم لا نفهم قواعدها، ونصفّق لمن يقودنا من فخّ إلى آخر.
فليعن الله لبنان… على دولةٍ لا تُدير، وعلى شعبٍ يُصدّق، وعلى طبقةٍ تتقن كلّ شيء… إلّا أن تكون دولة…
ولا تُتقن كيف تمنع حزب الله من إعادة اشعال الجبهة.

Share