web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters شبل الزغبي/دروس لا تُقرأ … التاريخ يحكم على حروب اليوم

شبل الزغبي/دروس لا تُقرأ … التاريخ يحكم على حروب اليوم

3

دروس لا تُقرأ … التاريخ يحكم على حروب اليوم
*شبل الزغبي/25 آذار/2026

التاريخ لا يُعيد نفسه بالصدفة بل يُعيده من يأبى أن يقرأه.
ما تشهده منطقتنا اليوم من حروب وعقائد وأوهام انتصار، ليس جديداً على الإنسانية. عرفته شعوب قبلنا، ودفعت ثمنه بدمها، وتركت لنا في سجلات التاريخ ما يكفي لنفهم كيف تبدأ هذه الدورات وكيف تنتهي.
في هذه السلسلة لن نتحدث عن السياسة بلغة السياسيين، بل بلغة التاريخ، تلك اللغة الأكثر قسوةً والأكثر صدقاً. نأخذ مرآة من الماضي ونضعها أمام حاضرنا، ونترك للقارئ أن يرى ما يراه.
أربعة أجزاء، فكرة واحدة:
الشعوب التي لا تتعلم من التاريخ محكوم عليها أن تعيشه من جديد.
الجزء الأول: ثقافة الموت، حين يُصبح القبر وطناً
لا تنشأ ثقافة الموت من فراغ. إنها صناعة ممنهجة، تحتاج إلى مصنع يعمل ليلاً ونهاراً: مناهج مدرسية، خطب جمعة، أفلام تمجيدية، وأمهات يُعلَّمن أن يزغردن لا أن يبكين. اليابان الإمبراطورية أتقنت هذه الصناعة، وإيران أعادت تشغيلها بنسخة محدّثة.
في اليابان، لم يكن الكاميكاز مجنوناً، كان نتاجاً طبيعياً لمنظومة تعليمية وروحية عمرها عقود. مفهوم “بوشيدو”، أي طريق المحارب، جعل الموت في سبيل الإمبراطور أعلى مراتب الوجود. الطيار الذي يُوجّه طائرته نحو السفينة الأمريكية لا يرى نفسه يموت بل يرى نفسه يولد من جديد في مجد أبدي. هذا ليس شجاعة، هذا برمجة أدمغة مُتقن.  في طهران وضاحية بيروت، تتكرر الآلة ذاتها. الطفل يُعلَّم قبل أن يقرأ أن الشهادة جنة، وأن الحياة لا تساوي شيئاً أمام “المقاومة”. تُزيَّن عملياتُ الانتحاريون بصور تُوزَّع كبطاقات أفراح. والأم التي تفقد ابنها تتلقى التهاني لا التعازي. المشهد مؤلم لأنه حقيقي وخطير لأنه يعمل.
لكن ثمة فارق جوهري يكشفه التاريخ: ثقافة الموت لا تهزم العدو، بل تستنزف أصحابها أولاً. اليابان أرسلت زهرة شبابها إلى البحر وهي تسمي ذلك انتصاراً. وحين انتهت الحرب، وجدت نفسها أمام ركام بشري واقتصادي لا تُعوّضه أجيال. إيران اليوم تُصدّر شبابها إلى جبهات العراق وسوريا واليمن ولبنان، وتُسميه “محور المقاومة” بينما الداخل الإيراني يختنق اقتصادياً وديموغرافياً. الموت لا يبني أوطاناً. والتاريخ لم يحفظ اسم كاميكاز واحد إلا كشاهد على مأساة، لا كبطل أسس حضارة. ثقافة الموت تنتهي دائماً بطريقة واحدة: بحساب مؤلم يدفعه الأحياء عن الموتى.

*عضو مجلس القيادة المركزية لحزب حراس الأرز

Share