web analytics
Home رسائل رأي عام/Public Opinion Letters شبل الزغبي/دروس لا تُقرأ … التاريخ يحكم على حروب اليوم

شبل الزغبي/دروس لا تُقرأ … التاريخ يحكم على حروب اليوم

79

دروس لا تُقرأ ، التاريخ يحكم على حروب اليوم
شبل الزغبي/27 آذار/2026
التاريخ لا يُعيد نفسه بالصدفة ، بل يُعيده من يأبى أن يقرأه.
أربعة أجزاء، فكرة واحدة:
الشعوب التي لا تتعلم من التاريخ محكوم عليها أن تعيشه من جديد.
الجزء الثاني: وهم الانتصار …حين تُصبح الهزيمة خبراً مزيفاً
أغرب ما في الحروب العقائدية ليس عنفها، بل كذبها. ليس الكذب على العدو فهذا تكتيك مشروع في كل حرب، بل الكذب على النفس. وهذا النوع من الكذب هو الأشد فتكاً، لأنه يُعطّل الحساب ويُؤخر القرار حتى يصير الثمن فلكياً.
في أغسطس 1945، كانت هيروشيما رماداً وناغازاكي تحترق، وكانت البحرية اليابانية في قاع المحيط الهادئ، والقوات البرية تتراجع في كل جبهة. لكن ما كان يسمعه المواطن الياباني العادي على الراديو الرسمي كان مختلفاً تماماً: الجيش يتقدم، الأمة صامدة، النصر قريب. الفجوة بين الواقع والخطاب لم تكن سهواً، كانت سياسة ممنهجة خشي فيها المسؤولون من كلمة واحدة: الهزيمة.هذه الفجوة ذاتها تعيشها إيران وخط الممانعة اليوم بتفاصيل مثيرة للدهشة. حين تُضرب منظومة الدفاع الجوي، يُعلن الحرس الثوري أن الصواريخ “اعتُرضت” وأن الأضرار “محدودة”. حين يُصفّى قيادي بارز، تُحوّله طهران فوراً إلى شهيد وتعده انتصاراً معنوياً. حين تنهار عملتها وتصطف طوابير المواطنين أمام المخابز، يتحدث المرشد عن “الصمود الأسطوري للشعب الإيراني”.
وهم الانتصار ليس غباءً إنه ضرورة بقاء للأنظمة العقائدية. لأن الاعتراف بالهزيمة يعني الاعتراف بأن العقيدة “كذبة”، وهذا ما لا يستطيع أي نظام ثيوقراطي أن يتحمله. ترومان ناشد الشعب الياباني مباشرةً وطالبه بالاستسلام حقناً للدماء، فلم يُجبه أحد، لا لأن الشعب لا يريد الحياة، بل لأن الآلة الإعلامية أقنعته أن المناشدة ذاتها دليل على ضعف العدو لا قوته. اليوم تتكرر النداءات الدولية لإيران بنفس الأسلوب وبنفس الصمت. والدرس الذي لم يتغير منذ ثمانين عاماً هو أن وهم الانتصار لا يتبدد بالمنطق ولا بالمفاوضات، بل بصدمة واقع لا يمكن إخفاؤه. وصدمة كهذه، حين تأتي، تأتي دائماً بثمن باهظ كان يمكن تجنبه.
*شبل الزغبي/عضو مجلس القيادة المركزية في حراس الأرز

دروس لا تُقرأ … التاريخ يحكم على حروب اليوم
*شبل الزغبي/25 آذار/2026

التاريخ لا يُعيد نفسه بالصدفة بل يُعيده من يأبى أن يقرأه.
ما تشهده منطقتنا اليوم من حروب وعقائد وأوهام انتصار، ليس جديداً على الإنسانية. عرفته شعوب قبلنا، ودفعت ثمنه بدمها، وتركت لنا في سجلات التاريخ ما يكفي لنفهم كيف تبدأ هذه الدورات وكيف تنتهي.
في هذه السلسلة لن نتحدث عن السياسة بلغة السياسيين، بل بلغة التاريخ، تلك اللغة الأكثر قسوةً والأكثر صدقاً. نأخذ مرآة من الماضي ونضعها أمام حاضرنا، ونترك للقارئ أن يرى ما يراه.
أربعة أجزاء، فكرة واحدة:
الشعوب التي لا تتعلم من التاريخ محكوم عليها أن تعيشه من جديد.
الجزء الأول: ثقافة الموت، حين يُصبح القبر وطناً
لا تنشأ ثقافة الموت من فراغ. إنها صناعة ممنهجة، تحتاج إلى مصنع يعمل ليلاً ونهاراً: مناهج مدرسية، خطب جمعة، أفلام تمجيدية، وأمهات يُعلَّمن أن يزغردن لا أن يبكين. اليابان الإمبراطورية أتقنت هذه الصناعة، وإيران أعادت تشغيلها بنسخة محدّثة.
في اليابان، لم يكن الكاميكاز مجنوناً، كان نتاجاً طبيعياً لمنظومة تعليمية وروحية عمرها عقود. مفهوم “بوشيدو”، أي طريق المحارب، جعل الموت في سبيل الإمبراطور أعلى مراتب الوجود. الطيار الذي يُوجّه طائرته نحو السفينة الأمريكية لا يرى نفسه يموت بل يرى نفسه يولد من جديد في مجد أبدي. هذا ليس شجاعة، هذا برمجة أدمغة مُتقن.  في طهران وضاحية بيروت، تتكرر الآلة ذاتها. الطفل يُعلَّم قبل أن يقرأ أن الشهادة جنة، وأن الحياة لا تساوي شيئاً أمام “المقاومة”. تُزيَّن عملياتُ الانتحاريون بصور تُوزَّع كبطاقات أفراح. والأم التي تفقد ابنها تتلقى التهاني لا التعازي. المشهد مؤلم لأنه حقيقي وخطير لأنه يعمل.
لكن ثمة فارق جوهري يكشفه التاريخ: ثقافة الموت لا تهزم العدو، بل تستنزف أصحابها أولاً. اليابان أرسلت زهرة شبابها إلى البحر وهي تسمي ذلك انتصاراً. وحين انتهت الحرب، وجدت نفسها أمام ركام بشري واقتصادي لا تُعوّضه أجيال. إيران اليوم تُصدّر شبابها إلى جبهات العراق وسوريا واليمن ولبنان، وتُسميه “محور المقاومة” بينما الداخل الإيراني يختنق اقتصادياً وديموغرافياً. الموت لا يبني أوطاناً. والتاريخ لم يحفظ اسم كاميكاز واحد إلا كشاهد على مأساة، لا كبطل أسس حضارة. ثقافة الموت تنتهي دائماً بطريقة واحدة: بحساب مؤلم يدفعه الأحياء عن الموتى.

دروس لا تُقرأ، التاريخ يحكم على حروب اليوم …التاريخ لا يُعيد نفسه بالصدفة، بل يُعيده من يأبى أن يقرأه.
*شبل الزغبي/29 آذار/2026
الجزء الثالث: اللحظة الحاسمة، حين يُجبر الواقع العقيدة على الصمت
لكل حرب عقائدية لحظة انكسار ، لحظة واحدة يصطدم فيها الخطاب بالواقع اصطداماً لا تتحمله حتى أكثر الأيديولوجيات تصلباً. لكن المأساة أن هذه اللحظة لا تأتي مبكراً أبداً. تأتي دائماً متأخرة. ودائماً مُكلفة.
في الثاني من سبتمبر 1945، وقف ممثلو اليابان الإمبراطورية على ظهر السفينة الأمريكية ميسوري وأمضوا وثيقة الاستسلام. لم يكن ذلك قراراً عسكرياً، كان انهياراً منظومياً. الإمبراطور هيروهيتو نفسه خرج عن صمته التاريخي وخاطب شعبه بصوته للمرة الأولى، طالباً منه “تحمّل ما لا يُحتمل”. لم تسقط اليابان لأنها نفدت منها الإرادة، بل لأنها نفدت منها الأرض الصلبة التي تقف عليها.
اللحظة الحاسمة لا تُصنعها قنبلة واحدة ولا معركة واحدة. تصنعها تراكمات خسائر بشرية لا تُعوَّض، اقتصاد لا يتنفس، شعب يعيش فجوة مروّعة بين ما يُقال له وما يراه بعينيه. في اليابان استغرق ذلك أربع سنوات من الحرب المفتوحة وقنبلتين نوويتين. الثمن كان أكثر من مئتي ألف روح في يومين.
إيران اليوم تسير على الطريق ذاته، لكنها لم تبلغ محطتها النهائية بعد. منظومتها العسكرية تتآكل، اقتصادها يتداعى، وكيلاها الأكثر تكلفة “حزب الله وحماس “، مُنهكان ومُجوَّفان. والشعب الإيراني الذي خرج مرات في الشوارع يعرف الفجوة بين الشعار والواقع أكثر من أي خطيب في طهران.
السؤال الذي يطرحه التاريخ ليس “هل ستأتي اللحظة الحاسمة؟” بل “كم ستكلف حين تأتي؟” اليابان اختارت أو اضطُرّت أن تدفع ثمناً رهيباً قبل أن تستيقظ. وبعد الاستيقاظ بنت في خمسين عاماً ما لم تبنه في خمسة قرون.
التاريخ لا يعاقب الشعوب على هزيمتها، يعاقبها على تأخير اعترافها بها. وكلما طال التأخير، عمّقت الجراح، وطالت طريق النهوض.

*عضو مجلس القيادة المركزية لحزب حراس الأرز

Share