الجنوب العزيز وصمود الأهل
الكولونيل شربل بركات/17 آذار/2026
أمس وأثناء زيارة القاصد الرسولي لبلدة عين إبل وأخواتها لفتني بعض الصبية يتراكضون حوله محاولين تقليد الكبار بأخذ صورة للزائر الكريم بواسطة أجهزة السلفون التي يلعبون بها. ومن ثم وأثناء القاء الخطب في داخل القاعة كانت أصواتهم، وهم يلعبون في ساحة الشهداء بين الكنيسة والقبر، تظهر جلية في تسجيلات الصحافيين لوقائع لعبة الكبار. وهذا ما شدني للإيمان بأن مجتمعا، يُسمِع فيه الصغار أصواتهم حتى في ظل أجواء الحزن المخيمة على البلدة وانقطاع الطرق، وتوقف شريان الحياة، وبين ضجيج القذائف والصواريخ، لا يموت لأن أجيالا جديدة، تتعلم أن تنغرس بهذه الأرض الطيبة وتطبع الألم في ذاكرتها بألوان الحياة، ستدافع عنها بدون شك وتتعلق بترابها مهما قست الظروف.
في السنوات القاسية، يوم تقلّص الوطن بين ضهر العاصي وباب الوعرة وصار القصف والرصاص قوتنا اليومي، اخترع الصغار من بقايا حشوات قذائف الهواوين العابهم التي تشبه لعبة الحرب، ومن ثم صاروا “أولاد الحنتوش” ينقلون الذخائر ويملأون أكياس الرمل ويهتمون بترتيب مخزن التموين ويتعلمون حب الأرض والدفاع عنها. وذهبت الحرب وسقط الحنتوش شهيدا بعد كل الجهود التي قام بها لمحو آثار الأيام القاسية تلك، وقد فتح المطعم والمسبح وقاعات الاحتفال ليعلّم الأجيال الطالعة حب الحياة بعد أن كان ساهم مع الكل ببناء مدينة رياضية وملعب كرة القدم وكرة السلة وكرة المضرب التي طالما تمنينا أن يكون عندنا مثلها. وبالرغم من تفاعله مع المحيط ومحاولاته محو ذكريات الحرب والتباعد، قامت جماعة الحقد بقتله بقرب البيت الذي بنى بالجهد، بدم بارد لخوفهم من تمسّكه بالأرض وتعلّق الكثيرين بعنفوانه وشجاعته. لكنهم سقطوا كلهم بعد اقل من سنة، ولحقوا برجال عرفات الذين سبقوهم بالغي والتعدي بما يقرب النصف قرن. ومن تبقى منهم اليوم يريدون قتل كل أمل بالصمود بالأرض التي نحب، والتي رواها الرفاق وآخرهم الحنتوش. وعلى سطح بيت الحنتوش قتل اخوتنا الثلاثة في آخر قافلة شهداء لأنهم أرادوا الصمود، لا أن يحملوا فراشهم ويرحلوا، ثم يحمّلوا العالم مسؤولية اعادتهم واعمار بيوتهم المهدمة بسبب زعماء، اقل ما يقال بهم أنهم باعوا الوطن من أجل حفنة من الدولارات، وتلطوا تحت عمائم لا تعرف معنى للدين أو الحكمة ولا لمحبة الأرض والدفاع عنها، بل تاجروا بابناء القرى التي آوتهم من أجل تنفيذ أوامر أسيادهم ملالي إيران، الذين يسقطون اليوم بسبب عمى البصر والبصيرة وقصر النظر والكبرياء، التي عاشوا يحلمون معها بالسيطرة على الجيران وفرض الخوات على الآمنين.
أطفال عين إبل ودبل ورميش والقليعة ودير ميماس وغيرها من القرى المنغرسة في تراب هذا الوطن يتعلمون بالتأكيد درسا جديدا في معاني الصمود والانتماء، فالوطن ليس حقيبة نحملها ونرحل يوم تتغير الظروف، ولا هو نزوة نفرح خلالها بقضاء فترة من الأنس ثم نغادر، ولا هو مكان معتم لا حياة فيه ولا فرح بل مآساة مستمرة تتابع فصولها وتتلاحق بدون أن يكون لنا اي دور في رفعها أو تغيير المسار. لا يا سادة إن الوطن قصة جميلة تحكيها سواعد الأمهات، وتزينها ضحكات الأطفال وملاعب الصبية وحقول العمل والانتاج، وهي أعياد تتالى ومناسبات تُنتظر، ولكنها أيضا مواقف تسجّل وأيام تتطلب الرجولة والقرار والتحلي بالمسؤولية. فلن يحمنا أحد أذا لم نحم نحن بيوتنا. ولن يسألنا أحد عن رأي إن لم نحصّن وجودنا بالرأي الصائب والقرار الموزون. وإن لم نعرف أن نبني الجيرة الحسنة ونميّز بين من يبني ومن يهدم لن يكون لنا الحق بالحياة. فلهذه الأرض قوانينها وقواعدها وعلينا أن نتعلمها لكي نبقى.
إن جنوب لبنان سيقوم من غفوته هذه ومن زمن الخراب والذل الذي يعيشه عندما يرحل دعاة الحروب وموزعوا الحقد ويأتي البناة الحقيقيون، الذين يعرفون حدود التفاهم والتعاون وأصول الانفتاح المنضبط.
وستكون هذه آخر الحروب إن عرفنا كيف نبني الجسور ونحافظ على قواعد الجيرة ومن بينها حقنا بالحياة الكريمة وحق الآخرين بها كذلك. فلماذا لا يكون الجنوب بعد رحيل الحزب إلى جهنم لاحقا باسياده الحاقدين واحة استقرار وطمأنينة ومكان تلاقي بكل مجالات الحياة؛ اجتماعيا وثقافيا وحضاريا واقتصاديا، ولماذا لا يكون هو المكان الذي يتطلع إليه كل اللبنانيين من أجل الاستثمار والبناء، فهو مدخل لبنان من ناحية أفريقيا وبلاد العرب مرورا باسرائيل الدولة الأكثر تطورا وثراء بصناعاتها ومعاهدها ومصالحها الممتدة بكل الاتجاهات، وهو مدخل هؤلاء نحو أوروبا وسواحل البحر الأبيض المتوسط الشمالية والبحر الأسود حتى روسيا، ولا ينقصنا سوى السلام الذي سيأتي بكل ثقله والاستقرار الذي سيلحق بكل بهائه.
فهل يسمع الأخوة الشيعة لصوت العقل؟ وهل يقوم بينهم من يطالب بالحق ويسعى له؟ فقديما عرفناهم بشيعة الحق ولكن الحق غاب عنهم يوم تعلّموا الاستجداء وقبول الذل مع تقديمات نظام الملالي والسم الذي دسوه في مآكلهم وتلك الحوزات العلمية التي لم تعلّم إلا الشر والحقد والتبعية. وهم قتلوا الامام الذي حاول أن ينادي بالعدل ولا يزالون يتاجرون بدمه ويقبضون من كل حدب وصوب، وزعيمهم قد انتفخت أحشاؤه من سرقة الوطن ولم ينطق بالحق مرة بل لم يزل يتمسك بالمراوغة سبيلا لؤد الوطن ومنع قيامته ومشاركة كل من يتاجر بدماء ابنائه وسرقة ثراه.
إن الله يمهل ولا يهمل ولسوف نرى هؤلاء الذين تسببوا بمعاناة الناس يعانون هم أنفسهم ويذلون أمام الناس. وقد قالها مرة شاعرنا يوسف حبوب:
لم القى شعبا يرجي هدم موطنه ليبني الغير من أنقاضه دولا
شعب كهذا جدير إن مررت به أن تسدد الأنف من نتنٍ وتنعدلا