الفصل التاسع-الحلقة الثانية، وهو الفصل الأخير من كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك” مع روابط كل حلقات الكتاب

188

الفصل التاسع-الحلقة الثانية، وهو الفصل الأخير من كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك” مع روابط كل حلقات الكتاب
28 كانون الأول/2020

#Madamek_Charbel_Barakat

ومن روم يطل البحر على مداه واسعا ممتدا وينفرج الأفق لتظهر التلال المتدرجة من جبل صافي نزولا إلى صيدا، وتتداخل فيها خضرة الأحراش وألوان البيوت والصخور وزرقة المياه التي لا يمكن تفريقها عن لون السماء في آخر الأفق في أكثر ايام السنة…
وقف شريف مطلا على “أنان” حيث البركة التي تستقبل مياه الليطاني، قادمة من البقاع عبر نفق يمر تحت “التومات”، وقد كان نفذ من ضمن “مشروع الليطاني”، لتتدفق منها إلى معمل “بسري” لتوليد الطاقة الكهربائية والذي يقع في الوادي الشمالي بعد “أنان”. واسم أنان قديم قدم الحضارة، و”آن” هو اله الآلهة عند السومريين في ما بين النهرين، وهو نفسه “آنو” و”آنان” وأنون” ومنه “لب- أنان” أو “لب-آن” أي قلب الله، والذي يعني اللون الأبيض النقي كقلب الله، وقد بقي في لغات قديمة كثيرة يدل على البياض، ففي العبرية “لبان” أو “لفان” تعني الأبيض، وفي العربية “لبن” وتعني الحليب الذي أخذ اسمه من لونه الأبيض كقلب الله، وقد بقي مصورا في اسم “لبنان” الذي كان دائما في اساطير وتقاليد شعوب الشرق الأوسط القديم هيكل الله وقلبه الأبيض كبياض ثلجه الناصع…
وبعد معمل “بسري” الذي يقع في مجرى نهر الأولي تكمل المياه طريقها لتولد الطاقة في معمل آخر هو معمل “جون” ويقع أيضا في المجرى نفسه قبل أن تتابع لتروي بساتين صيدا وتصب في البحر عند مدخلها الشمالي.
ثم تطل “صفاريه” وبقربها “فيلات” من القرميد الأحمر والحجر متشابهة بالكبر والشكل وحسن المظهر، هي قرية الأطفال النوذجية S.O.S حيث يعيش عدد من الأيتام ضمن عائلات تألفت من بينهم، تخدمهم شابات قبلن أن يصبحن كل منهن أما لإحدى هذه العائلات فتعيش كباقي الناس وتنمي المحبة والتعاون بين هؤلاء الصغار الذين فقدوا زويهم لتعيد لهم شيئا من عاطفة الأهل.
و”صفاريه” قرية أعطت زعامة جنوبية في “بيت سالم” وكانت تربطهم بأبناء عين إبل علاقات خاصة وطويلة. تذكر شريف “نقولا سالم” الذي عرفه وكان لا يزال صغيرا يوم عرس ريمون في 1957، فقد كان “نقولا بيك” اشبين العريس الذي قدم في سيارة بيضاء، لم يكن شاهد شريف أو أترابه مثلها، وقد خرجت القرية كلها لملاقاته وعلى راسها العريس. وكان منهم أيضا “يوسف سالم” الذي كان وزيرا سابقا و”الزعيم سالم” الذي كان رئيسا للاركان الجيش في مرحلة ما. وقد باع “بيت سالم”، الذين كانوا من كبار الملاكين، أرضا في “كفرفالوس” لأحد مغتربي صيدا، وكان جمع مالا في عمله في السعودية، وقد حاول هذا اقامة مجمع سكني فيها ضم مستشفى وفرع لجامعة القديس يوسف ومساكن للطلاب وملاعب وغيرها. وعند انسحاب الاسرائيليين وحدوث الهجمة على المنطقة المسيحية في شرق صيدا أصبحت كفرفالوس منطقة الاشتباكات وشكلت الحدود بين ما بقي تحت سيطرة جيش لبنان الجنوبي وما وقع تحت سيطرة الجماعات الاسلامية والفلسطينية وملحقاتها…
تذكر شريف تلك الواقعة بعد أن انسحب جماعة القوات اللبنانية الذين كانوا قدموا من بيروت بعد خروج الاسرائيليين من صيدا لحماية شرق صيدا، وكان هؤلاء من جماعة جعجع الذين كانوا قاتلوا في الشوف وخسروا عددا لا يستهان به من رفاقهم في معركة غير متوازنة جعلتهم يواجهون حلفا من الفلسطينيين والسوريين واليساريين والدروز وقيل أيضا بعض المرتزقة من أوروبا الشرقية التي كان جماعة “حلف وارسو” يحاولون بهم اعادة التوازن الذي خلّفه دخول الاسرائيليين إلى لبنان والقضاء على قواعد الفلسطينيين فيه، وكان من جرائه دخول حلف شمالي الأطلسي إليه تحت غطاء القوات المتعددة الجنسيات. وكانت دول حلف وارسو وعلى راسها الاتحاد السوفياتي تعاني من مشاكل داخلية وبخاصة اقتصادية جعلتها على حافة الانهيار ما دفع بها إلى تبني نظرية خوض معركة غير معلنة في لبنان ضد حلف شمالي الأطلسي قد تعيد السيطرة على الأوضاع الداخلية تحت شعار “محاربة الأعداء وعملائهم الداخليين” من جهة، وتكسب على الصعيد الخارجي بعودة حاجة الدول الصناعية الغنية لخدمات دول هذا الحلف في مجالات عديدة منها مكافحة الارهاب وحماية مصالحها في العالم من جهة أخرى. وقد كان حلف وارسو عوّض دمشق عن كثير من الأسلحة التي خسرتها في معركة لبنان في 1982، وكانت خسرت في المعركة الجوية فوق البقاع حوالي خمس وثمانين طائرة في يوم واحد وكل قواعد الصواريخ المضادة للطائرات التي كانت تركزها في لبنان اضافة إلى كمية كبيرة من الدبابات والآليات التي تركت في المعركة أو قصفت أثناء تقدم الاسرائيليين، وكان تقدير عدد القتلى في جانب القوات السورية يزيد على الثمانية آلاف بحسب بعض التقارير الواردة من البقاع والتي اشارت الى وجود أكياس من الجثث مجمعة على جانبي طريق الشام بين شتورا والمصنع بانتظار نقلها إلى البرادات السورية كي لا تسلّم دفعة واحدة إلى ذويها فتؤدي بشكل أو بآخر إلى تحرك ضد الحكم بسبب الاشمئزاز من الوضع الناجم عن التدخل في لبنان، وكان الرئيس الأسد، على ما يبدو، يخاف من أن يؤدي انتشار أخبار كهذه بين السوريين إلى زعزعة حكمه وهذا ما دعاه إلى التمسك بعدم الانسحاب من لبنان إلا بعد مرور سنوات تعيد له اعتباره ولا تظهر مدى الكوارث التي سببها دخوله إلى هذا البلد وتدخله في سياساته الداخلية. وقد كان عناصر سمير جعجع من القوات اللبنانية تربطهم علاقة أبناء المنطقة الواحدة وتجمعهم أيديولوجية الدفاع عن المسيحيين وحقوقهم والتضحية في سبيل هذا الهدف، ولكنهم بعد معركة الجبل شعروا بدناءة مواقف السياسيين الذين تركوهم يذبحون في مواجهة غير متكافئة وكأنهم يريدون التخلص منهم، وهذا ما جعلهم ينسحبون من منطقة شرق صيدا عندما رأوا أن مصيرا مشابها قد ينتظرهم، فموقف السياسيين المسيحيين لم يكن يساندهم وموقف القوات الغربية قد سبق لهم أن ذاقوا طعمه، فهذه القوات قصفت أطنانا من القنابل في معركة الجبل دون فائدة وكأنها كانت تقصف قنابل فارغة أو قصفا صوتيا ليس إلا، بينما كانت الجهة المقابلة تتقدم تحت غطاء موجع من القصف لم يفرق بين امرأة وطفل ولا بين مقاتل وعجوز، فدمّر القرى والبيوت بعد أن قتل أهلها، وقد رأوا في تلك المعارك حقيقة نظرية “المحدلة الروسية” وفعاليتها في الحرب. وقد لامهم الكثيرون وحمّلوهم فوق خسارتهم وتضحياتهم مسؤولية تهجير المسيحيين الذين كانوا يحاولون الدفاع عنهم. وهكذا وخوفا من الوقوع في نفس الأوضاع، وقبل وصول طلائع اللواء الثالث عشر من الجيش اللبناني، وعندما أعلنت الدولة عن نيتها إرسال هذا اللواء، أمر سمير جعجع قواته بالانسحاب وتجنب “فخ الجبل”.
كان شريف قد حذّر “نازو”، مسؤول القوات في الجنوب، وجماعته مرارا من الوصول إلى موقف كهذا، ونبه أيضا من تصرفات البعض الشاذة والتي تنمي الحقد بين ابناء المنطقة، وقد سأل في مناسبات عدة عن خطط “نازو” وجماعته هؤلاء لمواجهة انسحاب الاسرائيليين، وهل انهم على استعداد للدفاع عن المنطقة؟ أو هل أن الأهالي جاهزون لحماية قراهم أثناء التغيير الذي سيحدث ولحين تنجلي الأمور؟ وكان الجواب دائما أنهم قد درسوا كافة الاحتمالات وهم جاهزون لكل الحالات. وكان الجنرال يخاف من أن تصل الحالة في شرق صيدا إلى ما وصلت إليه في الجبل، وهو ابن الشوف الذي عرف جيدا ما عاناه الأهالي هناك، ولذا فقد قرر إبقاء جنوده في تلة “المشنقة” بين كفرفالوس وروم كي لا يحدث ما حدث في الشوف ولكي يستطيع المحافظة على منطقة جزين في حال تعرض جماعة شرق صيدا للضغط. وكان المطروح أن الدولة سوف ترسل اللواء الثالث عشر من الجيش اللبناني الذي شكلته خصيصا لحماية المنطقة بعد خروج الاسرائيليين ومنع وقوع اي مشاكل فيها، وكان الجنرال قد قرر التعاون مع الدولة وتسهيل دخول الجيش اللبناني وتسليمه المواقع التي يقدر أن يحميها لكي تصل سلطة الدولة إذا كان ذلك ممكنا، إلى أقصى مدى. وكان قرار سمير جعجع ايضا تسليم الجيش اللبناني المنطقة، ولو لم يكن يؤمن بأنه الحل، متناسبا مع قرار الجنرال. لكن اللواء الذي أرسل انحل سريعا، وأصبح عناصره وآلياته راس الهجوم على شرق صيدا، بدل أن يكون عنصر التوازن والاستقرار، وبقي الأهالي وحيدين في محاولة الدفاع عن قراهم، وقد افتقدوا للقيادة وللخبرة في القتال في منطقة لم تجر فيها معارك حقيقية طيلة الأحداث ولم يكونوا هم في اي مرحلة منها جزءً من المقاتلين، ولذا فقد بدأ الهرب من هذه القرى باتجاه منطقة جزين، ففوجيء الجنرال بما جرى وطلب إلى شريف، يومها، الذهاب إلى جزين لتقييم الوضع عن قرب.
ذهب شريف وسعيد وبعض المرافقين بقصد التقييم الفعلي للوضع واعطاء الجنرال صورة واضحة لاتخاذ القرار المناسب، وبعد أن وصل إلى ثكنة جزين، حيث اطلع على العديد المتوفر في المنطقة من الجنود ومن بقايا القوات المحلية ومن مقاتلي الأحزاب، وقد كان يعول على مجموعة “الحمصية” حيث كانت تقع قيادة “نازو”، عرف بأن “بشرى” قائد الكتيبة قد سيطر على ثلاثة مواقع حول كفرفالوس لم تكن من ضمن مخطط الدفاع الأساسي عن المشنقة حيث تتمركز إحدى سراياه، ولكنه قام بهذه الخطوة لكي يمنع عملية السلب التي بدأت تتعرض لها ثكنة الجيش اللبناني الموجودة في كفرفالوس والتي أصبحت دون قيادة بعد أن انحل اللواء الثالث عشر الذي كانت تبعت له. لم تكن خطوة “بشرى” خاطئة من الناحية المعنوية أو الوطنية، ولكنها كانت كذلك من الناحية التكتية لأنها أجبرته على الدفاع عن منطقة كفرفالوس بأكملها والتي تصلها ثلاثة محاور تتجمع فيها في محور واحد مكشوف لتكمل باتجاه المشنقة، وهكذا وبالعديد الموجود لديه قدّر شريف، أن الدفاع سيصبح أصعب لأنه سيواجه تقدما على أكثر من محور. ولكنه كان يعلم أن الطلب إلى بشرى القيام بسحب جنوده من هذه المراكز الجديدة لم يكن مقبولا معنويا، فالجنود والأهالي سيفسرون هذا الموقف ضعفا وتراجعا في أول مواجهة لهذا الجيش وحيدا مع العدو، ولذا كان عليه أن يطلب من نازو المساعدة في دعم الجبهة الجنوبية من اتجاه جباع بالعديد أو بالتغطية برمايات الهواوين التي كان يملكها هذا الأخير، ولكنه رفض المشاركة باي نوع من القتال مدعيا عدم رغبة عناصره أو حماسهم لذلك، لا بل طلب من شريف أن يتسلّم الجيش الجنوبي الأعتدة والأسلحة التي يملكونها. وهكذا فقد شكل هذا الوضع والتخوف من هجوم على الجبهة الجنوبية قلقا لشريف، ولذا فقد طلب من الجنرال ارسال بعض الدعم من القيادة والسماح باستعمال المدفعية لتغطية الجبهة في كفرفالوس بستار من الرمايات في حالة الهجوم. في هذه الأثناء كان بعض أهالي جزين يحمّلون سياراتهم تحضيرا للرحيل في حال حدوث هجوم كبير، وعند رؤية شريف لمنظر “الفرش” التي تعلو السيارات قام بزيارة النائب السابق جان عزيز الذي كان بقي في جزين وكان الوضع يشغل باله؛ فهل أن الجيش الجنوبي سيدافع عن المنطقة أم سينسحب كما فعل جماعة القوات اللبنانية؟ وكانت زيارة شريف لعزيز بمحلها، فقد أعطاه معنوية بالحديث عن أوامر الجنرال وموقفه بعدم التخلي عن أي منطقة لا تستطيع الدولة حمايتها، وأنه لن يسمح بأن تحدث مجازر أو تعديات أو تهجير. أراح هذا الحديث جان عزيز وأعطاه ثقة بأن الأمور ليست بهذا السؤ ولذا فقد سمعه شريف يكلم “أسامة سعد”، الذي حل محل شقيقه مصطفى في قيادة جماعة صيدا وشارك بالهجوم على قرى شرق صيدا، عندما أتصل به هاتفيا ليعرض خدماته، يكلمه بكل ثقة وينصحه بعدم محاولة الاشتباك مع قوات الجنرال والعمل على تهدئة الأمور “فنحن لا نريد خلق مشاكل كبيرة بين أبناء المنطقة وأبناء صيدا وما جرى حتى الآن قد جرى، وقد يمكن تفهّم صعود البعض من “جماعتكم” إلى “عبرة الجديدة” حيث لهم هناك أملاك، ولكن ما هو الدافع لكي يستمر صعودكم إلى القرى الأخرى حيث لا مبرر لكم إلا التعدي على الناس، ولا أنصحك بمواجهة لحد وقواته.. وأترك الأمر لنسويه بروية..” كان هذا الكلام كافيا لشريف ليطمئن بأن الوضع المعنوي للسكان سوف يتحسن، ولذا فقد ترك السيد عزيز وذهب ليكمل التحضيرات المطلوبة لتأمين الجبهة.
كان شريف بعد ذلك اجتمع يقيادة الكتيبة والمسؤولين عن الجبهة في “المشنقة” وقدر أن المطلوب هو الصمود اليوم وأن المواجهة ستقتصر على ضربة وحيدة “يجب أن نعلمهم بها بأننا جديين في قرارنا وأننا جيش منظّم ولسنا مجموعة هواة”، لذا قرر الابقاء على مجموعة “جوزيف” التي كانت تتألف من آليتين لنقل الجند وخمسة عشر عنصرا، كأحتياط تدخل للقيام بهجوم معاكس في حالة قيام العدو باختراق أحد المواقع الأمامية، ثم توجه إلى مربض المدفعية حيث كان “روكز” قد جهز بعض الأهداف فأعطى أوامره باقامة سد من النيران في حالة أي هجوم على الجبهة، وهكذا فقد طلب منه تركيز كافة المدافع الثقيلة باتجاه كفرفالوس.
في هذه الأثناء كانت ثلاث شاحنات من المتطوعين من منطقة جزين، وقد كانوا يقومون بالتدريب في معسكر المجيدية، تدخل الثكنة بعد أن أصدر الجنرال أوامره لهذه الغاية، وقد أراح منظرهم أهل البلدة فشعروا بأنهم ليسوا متروكين وبأن هذا الجيش جاد في قراراته، ولكنهم أراحوا شريف أكثر لأنه وجد من يدعم به الجبهة الجنوبية التي كانت تشكل نقطة ضعف ومنطقة يمكن أختراقها بسهولة لقلة العناصر فيها، وقد ابعد وصول هؤلاء هذه المخاوف، فأمر شريف “جريس” بأن يشرف على توزيعهم على المراكز القتالية على الجبهة الجنوبية على الفور بعد أن كان قدمهم له فور نزولهم من الشاحنات فأفهمهم بكلمة موجزة أهيمة الوضع ودقته ورفع معنوياتهم وشدد على تنفيذ المهمات المعطات لهم لأن فيها مستقبل المنطقة والأهل. فتم ذلك بكل السرعة والدقة وبدون اي تأخير.
في الساعة الرابعة حدث الهجوم المتوقع، وكان على المرتفع الجنوبي المواجه ل”عين المير”، وكانت ردة فعل الجنود كما توقع شريف، فبالرغم من استشهاد “طوني” أحد عناصر وحدة “أرنب” بقذيفة “أر بي جي” عند بدء الهجوم، إلا أن البقية قاموا بالرد كما يجب، وقد أقامت المدفعية ستارا من القذائف قطعت الهجوم وأربكت العدو بينما كانت مجموعة “جوزيف” وعناصر “النصار” يقومون بالهجوم المعاكس فيقضون على فلول الأعداء. كان هذا الهجوم درسا لن يجرؤواعلى تكرار محاولتهم بعده، فقد خسروا عددا من القتلى والجرحى وذاقوا طعم نيران الجيش الجنوبي وبسالة قتال هؤلاء القرويين ساعة يتطلب الدفاع عن بلدهم ذلك وحين تتوفر لهم قيادة حكيمة…
عند المساء زار الجنرال جزين وتفقّد العسكريين وأطمأن على الجبهة، وكان ينوي البقاء طيلة الليل هناك إلا أن شريف أقنعه بأن لا حاجة لذلك فمعنويات الجنود عالية وهو سوف يبقى معهم تلك الليلة، وقد أظهر بشرى عن مستوى في القيادة وضبط العناصر. وكانت هذه الواقعة هي التي حددت مكان الجبهة في كفرفالوس، فأصبحت نقطة تراشق وعمليات خربت كثيرا من المباني وغيرت الوضع فيها وفي القرية التي تقع إلى الغرب منها، وقد كان شريف متأثرا لما آلت إليه هذه المنشآت بالرغم من أن البعض كان قد فسر مشروع الحريري بأنه، وهو السعودي الهوى والتوجه، متعصب أكثر من “الجماعة الاسلامية” وهو يريد أسلمة الأرض طالما لم يستطع اسلمة الانسان، ولذا فقد زرع في وسط هذه المنطقة المسيحية ما سيصبح مدينة سنية تأكل ما حولها شيئا فشيئا، وعندما يصبح المسيحيون دون أرض سيواجهون أحد حلين فإما أن يهاجروا ويتركوا بخاطرهم هذه البلاد وإما أن يبقوا عملة وأجراء عند أصحاب الأرض الفعليين…
نظر شريف إلى هذه المنطقة الجميلة الممتدة يمينا وشمالا والتي يفصلها عن الساحل بضعة كيلومترات، وتذكّر سفرته بالأمس من بيروت على تلك الباخرة في بحر لا يُعرف حاله، فكم من مرة خرجت السفينة عدة ساعات وعادت لأن “البحر كبير”، وكم من مرة أعادها الاسرائيليون من صور وبعد سفر ساعات طويلة، وكم من مرة تعطلت فتأجّل ذهاب الناس وأيابهم، ولماذا يُفرض على ابن روم أن يذهب حتى الناقورة لكي يركب البحر إلى بيروت بينما لا يفصله عن الساحل أكثر من ربع ساعة يصل بعدها إلى بيروت باقل من نصف ساعة، فهو يستطيع، لو أتيح له، الوصول إلى بيروت عبر هذا الطريق، قبل أن يصل إلى مرجعيون. فهل كتب عليهم الشقاء إلى زمن طويل؟ أم أن الأيام القادمة سوف تغيّر المعطيات فيتمكن الزعماء المسيحيون من التوصل إلى تفاهم مع الجانب الآخر حول مستقبل البلاد؟ وهل سيكون هناك دور لهذه المنطقة عندئذٍ؟ أم أن الجنوب “المحروم” سوف يدفع ثمن أمن الوطن كله كما دفعه أيام الفلسطينيين، ولن يجرؤ من في العاصمة على التحدث عن سلام على الحدود قبل أن يقبل آخر عربي في “جزر القمر” بالحلول، وسيستمر هذا الشعب بدفع فاتورة الجهل والتعصب والحقد من دماء بنيه وستنكر عليهم وطنيتهم وتعلقهم بأرضهم واستشهادهم في سبيل الحفاظ على الوطن وحدوده؟
فكّر شريف لو أن الجهد الذي يعطى للتخريب في بلادنا يعطى نصفه للعمل والانماء وتطوير المناطق هذه، لكنا استطعنا استيعاب مهجرين بدل تصديرهم، ولتنافس زعماؤنا على أيجاد أسواق التصريف بالتعاون مع المحيط الذي يتكامل بدل أن يتقاتل. فهل أن الأيام القادمة وسرعة التطور الآتي من البلاد المتقدمة واطلاع اللبنانيين المهاجرين إلى العالم على أساليب الانتاج والعمل وكيف تعيش الشعوب، التي كانت متناحرة لآلاف السنين، متجاورة اليوم، وقد ألغت حتى أشكال الحدود بينها، وهي تفتش عن مشكلة الكوكب الهرم هذا الذي نحيا عليه بدل أن يفكر البعض باقتلاع البعض الآخر أو فرض قوانينه البالية على الأجيال القادمة لقهرها وعدم استغلال طاقاتها وطموحاتها للتقدم ومنافسة شعوب الأرض الواسعة؟…

***********
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة التمهيد والحلقة الأولى (طريق البحر) من كتاب الكولونيل شربل بركات “المداميك”
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثانية

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الرابعة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الخامسة

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثانية
* ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثانية
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الرابعة

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الخامسة
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الرابع/الحلقة الأولى/سيطرة المنظمات
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الرابع/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الخامس/الحلقة الأولى/الجدار الطيب
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الخامس/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السادس/الحسم والحصار/الحلقة الأولى
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السادس/الحسم والحصار/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السابع/الخطف/الحلقة الأولى
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السابع/الخطف/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السابع/الخطف/الحلقة الثالثة

ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثامن/الحقيقة والحلم/الحلقة الأولى
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثامن/الحقيقة والحلم/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل التاسع/جزين/الحلقة الأولى
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة الفصل التاسع-الحلقة الثانية، وهو الفصل الأخير من كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”