كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل التاسع/جزين/الحلقة الأولى

147

كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل التاسع/جزين/الحلقة الأولى
24 كانون الأول/2020

#Madamek_Charbel_Barakat

وصل شريف إلى مرجعيون ودخل إلى ثكنة الجيش التي كانت مقر اللواء الأول قبل الحرب وقد اصبحت اليوم مقر قيادة جيش لبنان الجنوبي وقيادة وحدة الارتباط الاسرائيلية. وعندما وصل مكتب الجنرال لم يكن الأخير قد عاد بعد من زيارته، فدخل أمانة السر واستفسر من “سهيل” عن الاحوال والمستجدات. وكان “سهيل” أحد ضباط الصف المشهود لهم في الادارة، وقد ضبط كافة الأوراق والمستندات المتعلقة بالتجمعات وبنفس الوقت بجيش لبنان الحر، زمن الرائد حداد، والذي اصبح اسمه، مع الجنرال، الجيش الجنوبي. في هذه الأثناء وصل الجنرال فخرج شريف للقائه وقد كان مقطب الجبين رصينا كعادته، ولكنه ابتسم عندما راى شريف واعتذر عن عدم ذهابه إلى المنطقة الغربية ودخل إلى مكتبه فلحقه شريف ودخل خلفه، وبعد أن جلس الاثنان كل على مقعد، سأل الجنرال شريف عن سفرته وعن الأوضاع في بيروت واستفهم منه عن معاناة الناس من السفر بالبحر وعن “القضية” التي كان سافر من أجلها، ثم وصل إلى بيت القصيد فطلب منه الذهاب إلى جزين لدراسة وضع سكانها والمهجرين فيها ورفع تقرير عن الجبهة وحاجاتها، فهو لم يرد أن يتساهل في وضع هذه المنطقة، ولم يبد الاسرائيليون اهتماما بها، كونهم كانوا قد حددوا ما أسموه “المنطقة الأمنية” بالنسبة لهم، أي ما يساهم في تأمين حدودهم ليس الا، أما ما تبقى من المنطقة فللجنرال حرية القرار في تحديد عمقها وعدد الجنود فيها وتسليحهم وما إلى هنالك على أن يتحمل هو مسؤولية الأمن فيها، وهم لن يتدخلوا لا من قريب ولا من بعيد، فمجلس الوزراء عندهم كان قرر عدم التدخل في لبنان مهما حصل إلا ضمن مدى التأثير على حدودهم الشمالية.
ذهب شريف باتجاه جزين متخذا طريق الدلافي الصريرة، فهو أقرب واسهل. وعندما واجه تلة “الشريقي” التي تقع مباشرة فوق مفرق الخيام، دارت في رأسه تلك الموقعة التي جعلت من هذه التلة نقطة اللارجوع يوم سقطت بلدة الخيام مجددا بيد الفلسطينيين وأعوانهم فصارت المركز الأساسي للدفاع عن مرجعيون وسكانها طيلة السنتين. وقد كان قائد ثكنة الخيام اتصل بعسكريي تجمع القليعة وأقنعهم على مساعدته لتحرير الثكنة من سيطرة جيش لبنان العربي والفلسطينيين بعد تحرير ثكنة مرجعيون فأمدوه بالرجال وسيطروا على الثكنة والبلدة ولكنهم لم يحاولوا التدخل بشؤون الناس فيها ولكن الفلسطينيين عادوا بعد عدة أشهر من التحضير فتسللوا بين السكان وهاجموا الثكنة التي لم يكن عناصرها يتصورون أن يعاود هؤلاء مهاجمتهم فسقطت الثكنة وأكمل المهاجمون الذي وصلتهم أعدادا وعُددا من القيادة الفلسطينية وبنيتهم اسقاط مرجعيون ولكن أبناءها وعسكريي التجمع استبسلوا في الدفاع عنها خاصة في تلة “الشريقي” حيث سطروا خطوط المجد. وبقيت هذه التلة منطقة معارك حتى دخول الاسرائيليين في عملية الليطاني سنة 1978 حيث هرب الفلسطينيون وأخليت البلدة…
وتمر طريق الصريرة هذه في منطقة شبه فارغة من القرى والسكان، وتمتد من مرجعيون باتجاه سحمر ويحمر حتى القرعون، وهي منطقة جرداء لا شجر فيها وقليل من البشر، قدّر شريف لو أن سكانها كانوا من المبدعين، أو أن طريقة عيشهم توجهت نحو الخلق بدل الانتظار، لكانت هذه المنطقة، أقله، أحراش من الصنوبر أو كروم من الزيتون والعنب والتين إذا لم تكن أيديهم قد حفرت قناة أوصلت مياه النهر الهادر إلى السفوح فحولتها إلى بساتين وجنات. وعندما وصل إلى جسر الدلافي الذي كان الفلسطينيون بنوه في فترة سيطرتهم على المنطقة وقصفه الاسرائيليون ثم أعادوا ترميمه بعد دخولهم في 1982، وهو لم يزل جسرا عسكريا اي من عمل سلاح الهندسة، وقد وصل خطين من الشقيف الصخري الذي يرتفع حوالي أكثر من خمسين مترا عن الوادي حيث يهدر في قعره نهر الليطاني الذي يبدون في هذا الموقع، خاصة في فصل الشتاء، نهرا قويا غزيرا يخيف بقوته وسرعة جريانه المارة على الجسر، حتى أن الكثيرين لم يكونوا ليجرؤوا على النظر إلى الأسفل.
بعد الجسر يبدأ الطريق صعوده نحو “لوسي” و”الصريرة” حيث يلتقي الطريق العريض الذي يتجه شمالا فيصل إلى “ميفدون” و”عين التينة” وثم مشغرة التي تطل على بحيرة القرعون إحدى أجمل الأماكن السياحية في لبنان، أو يدور جنوبا حول مرتفعات تفتح أفقا جميلا يطل على جبل الشيخ في الشرق وينزل باتجاه مرجعيون فجبال الريحان في الغرب. ويمر هذا الطريق بالقرب من مزرعة “شبيل” ويشرف على مزرعة “علم الدين” التي يملكها رئيس مجلس ادارة شركة طيران الشرق الأوسط سابقا وقد زرعها بأنواع من العنب والأشجار المثمرة وبنى فيها بيتا يشبه القصر من بعيد في شكل بنائه وموقعه ومحيطه، كان يقضي فيه بعض فرصه ايام العز. ثم تصل الطريق إلى “القطرانه” التي كان تهجّر أهلها المسيحيون زمن السيطرة الفلسطينية فوصل بعضهم إلى مرجعيون. وعند مفرق “كفرحونة” التقى شريف ب”نبيل” وسلّم عليه، وقد كان نبيل معلم مدرسة تعرّف عليه شريف ايام الامتحانات الرسمية التي كانت تجري في الناقورة، وكان من أبناء العيشية، وقد قتل والده وشقيقه في الهجوم على البلدة في 1976، وكان توجه إلى بيروت مع العائلة وعاد بعد 1982 ليعيد بناء البيت ويسهم في الدفاع عن البلدة هو واخوته وقد أقسموا ألا يتركوا العيشية مهما جرى حتى لو اضطروا أن يرووا ترابها كما كان فعل الوالد من قبلهم ، وقد كان التحق في حينه بالجيش ولم يعد يسأل عن وظيفة ومدرسة؛ “فالاسرائيليون ينسحبون ولا دولة تتسلم الأمن حتى الآن ولن نقبل أن نهجّر ثانية”، كان هذا لسان حاله كلما التقى شريف ولكنه كان يبدو مرتاحا، هذه المرة، لقرار الجنرال البقاء في جزين.
أكمل شريف طريقه إلى جزين وقد مر في كفرحونة أمام ذلك النبع الذي يقع في مدخلها، حيث وضع أهل البيت المجاور ابريقا يشرب منه المار بعد أن يملؤه من ماء النبع ويعيده إلى مكانه، وكان هذا التصرف يدل على عمق حضاري انساني ونبل أخلاقي عند هؤلاء، فمن يرى الماء الجاري لا بد أن يعطش، وكثيرون لا يقدرون على أن ينحنوا إلى مستوى السبيل حيث الماء الجاري، ولكن بوجود الأبريق يمكن للمار أن يملأ قدر ما يشاء من الماء ويشرب، والملفت للنظر، براي شريف، أن كل الذين يشربون كانوا يعيدون الأبريق إلى مكانه أمام المنزل. وبعد مفرق الدير في آخر البلدة حيث يعبر طريق صغير يصل إلى مشغرة، بدأت صخور الجرد، التي تغطيها الثلوج عادة أكثر من شهر في كل سنة، تتناثر هنا وهناك باشكالها المختلفة ولونها الموحد، وأطل جبل صافي في الغرب بينما كانت كفرحونة بمئذنتها وصليبها تختفي خلف الصخور، فكفرحونة من الضيع القليلة المختلطة بين الشيعة والمسيحيين وهي كيارون وتبنين وبرعشيت والخيام يتجاور أهلها في حيين منفصلين ولكن في قرية واحدة تقع غالبا على الحدود بين منطقة قرى شيعية ومنطقة قرى مسيحية. ثم ظهرت “عين مجدليه” في سفح تومات جزين وهي تقع في الجرد ويعتمد أهلها على بعض الزراعات ورعاية الماعز. وبعد أن دارت الطريق إلى الشمال والغرب ظهر “قصر سرحال”، وقد كان قصرا بكل معنى الكلمة.
كان الطبيب “فريد سرحال” بدأ ببناء ذلك القصر منذ أكثر من عشرين سنة حيث استقدم نحاتين من ايطاليا لنحت الرخام والحجارة، وهو قصر كبير يوجد فيه الكثير من التحف الفنية المحفورة بالرخام أو الحجارة أو الخشب المزين بالوان ورسومات، ويتوزع على صالونات وقاعات وغرف كبيرة وعديدة وقد بنيت كلها بالحجارة الجزينية الصلبة، وعمل فيه جزينيون تعلموا من “الطليان” أسرار المهنة وفنونها، وقد عمل الآباء ثم لحق بهم أبناءهم حتى أصبحت المهنة مهنة العائلة، وفي النهاية صار هناك مهندسون من جزين تخصصوا بأعمال الحجارة في الهندسة المعمارية والديكور، وأصبح عندهم، بفضل الدكتور سرحال وقصره، “صناعة متطورة” يعيش منها عدد من العائلات. وسوف يصبح القصر، الذي قد لا يسكنه هو، معلما لا بل أثرا تشتهر به جزين أكثر من شلالها وحرفة السكاكين الجزينية التي تفخر بها اليوم. ولو قُدّر لكل مدينة أو قرية لبنانية “فريد سرحال” يعلم الناس، على حسابه، مهنة، موادها الأولية من أرضهم وقيمتها الفعلية من خلق أفكارهم وإبداعهم، لعمرت القرى وكثرت خيراتها وعظم عدد سكانها فلا تعود بحاجة إلى النزوح أو الهجرة.
وفي جزين الرابضة فوق شلالها الأخاذ والمكومة على صخور شيرها الطويل يستقبل الآتي من الغرب تمثال هو نسخة مصغرة عن تمثال سيدة حريصا يحرس ذلك المدخل الضيق ويشرف على الوادي المنفرج شمالا حيث تتربع “بكاسين” وكنيستها الرائعة التي تذكرنا بروعة وشجاعة أهلها بخاصة “أبو سمرا غانم” أحد أبطال الثورة ضد “ابراهيم باشا”، و”آل الخوري” الذين كان منهم ملاكين كبار في كل الجنوب وفلسطين من يافا إلى حيفا إلى صور وصيدا وقد ساهموا في وقفيات للكنائس والأبرشيات حلت مشكلة أبرشية صور والأراضي المقدسة في بداية هذا القرن، وقد زين ثلاثة من بنيها كراسي المطرانيات المارونية وبخاصة مطرانية صور. وتشتهر جزين بشلالها أو بشلالاتها، ففي الشتاء والربيع يندفع أكثر من شلال يبقى منهم في الصيف واحدا على الأقل يرطب جوها ويضفي رونقا على مناظرها التي تكللها الخضرة من كل الأنحاء؛ بساتين من الفاكهة والعنب، وغابات من الصنوبر الممتد على مساحات شاسعة، هي مصدر رزق، ومجال عمل للسكان هنا، وقطاف الحرش وفرط حياته وتكسيرها مجال عمل أيضا. وهذه المنطقة التي يكثر فيها الماء وتكثر فيها البساتين التي تتطلب أياد عاملة وتدر على مالكيها خيرات تعفيهم من كثير من الحاجات وتجعلهم ينغرسون في الأرض ويتعهدونها؛ صيانة ودفاع، محبة واندفاع.
وتفخر جزين بصناعة السكاكين التي تنفرد بها، وهي صناعة فاخرة تطعّم فيها أيادي السكاكين وأدوات المائدة الأخرى المصنوعة من القرون الحيوانية، تطعم بالفضة والنحاس الأصفر المشغول بأشكال كأنها طيور لأعراف ومناقير ملونة ومزخرفة، ولو أن تطوير هذه الصناعة المتقنة والتي حافطت على جودتها ورونقها مدة طويلة حتى زاعت شهرتها في كل لبنان، لو أنها تعطى أكثر من الاهتمام لتكبر ويفتح لها اسواق تنافس المنتجات العالمية وتزيع شهرتها إلى أوسع من لبنان، لكانت أيضا تضيف عددا من الصناع والعاملين إلى أولئك المتجذرين في أرض الجنوب الخيرة وتستوعب نشاطا من القرى المحيطة ويتماثل بها الكثيرون.
وقد أعطت جزين بطريركا سموه في 1958 بطريرك المسلمين، ولكن المسلمون والعروبيون ينسون الجميل بسرعة، فلا فضل ولا جميل لغير المسلم إلا عند الحاجة إليه، ولا حق ولا رأي له مهما عظم عطاؤه إلا إذا كان هذا الراي يصب في خانة الاستسلام والاستزلام، وقد تجد في ايام البحبوحة من يتكلم بانفتاح ويساند مقولة التساوي وغرس هذه القيم لتصبح من التراث لا بل قاعدة لبناء الوطن ورص الصفوف، ولكنه عند أول مشكل أو تعنت من أحد المتطرفين تراه يتراجع ليصطف في صف الغلبة، أو أنه لا يعود يجرؤ على الكلام فينسحب من الساحة تاركا غير المسلم أمام حل من إثنين لا ثالث لهما، إما أن يقاتل ويناضل ضد كل ما كان قاله أو نادى به، أو أن يقبل بتنازل جديد يلام فيما بعد على أنه هو الذي قبل به.
أكمل شريف طريقه بعد أن اجتاز ساحة جزين حيث السراي القديم ومنزل “أل كنعان”، وقد كانوا من زعماء المنطقة أيام “مارون بيك” وحيث تعلو أرزة كبيرة تزين الساحة منذ أجيال، وتقع المقاهي التي تجاور الشلال على ضهر الشير حيث يطل الوادي الشمالي الذي ينتهي بجبال الشوف وتلال “مطلة الشوف” و”غريفة”، وعلى الجانب الأيسر من جهة الشرق يقف “شقيف تيرون” الذي كان فخر الدين الثاني التجأ إليه وأختبأ في مغارته، وتختفي نيحا الشوف في لحفه الشمالي. وقد تذكر شريف الخوري “ابراهيم” الذي كان قدم من عين إبل لخدمة المطعونين في نيحا في بداية القرن الماضي زمن المير بشير، وكان المير يمنع الدخول والخروج من القرى التي يظهر فيها المرض خوفا من انتقاله إلى قرى أخرى. فدخل الخوري إلى البلدة وهو يعلم أنه لن يخرج منها، وقد توفي بالفعل بعد خدمته أبنائها مدة ودفن فيها وبقي قبره معروفا ومكرما من الأهالي حوالي مئة سنة، وهو والد المونسينيور “يوحنا دياب” الذي توفيت والدته أيضا وكان له من العمر تسع سنوات فتربى في بيت جده الخوري يوسف وأصبح فيما بعد أول خوري على كنيسة مار مارون في بيروت، وقد ساهم في إنشاء مدرسة الحكمة ودفع لذلك من ماله الخاص، وقد أعطى هذا البيت أيضا الخوري “بطرس” المشهور ب”بطرس العينبلي”، وهو أحد مشاهير مدرسة “عين ورقة” وقد بقيت له يعض المؤلفات والكتب المترجمة من اللاتينية والطليانية وهو ساهم بانشاء رهبنة المرسلين اللبنانيين “الكريمية”، ويعتقد أهالي عين إبل أن إبنة عمهم “رفقة” التي ترهبت في دير “حراش” وقيل أنها عملت “عجائب”، بحسب ما ذكر المونسينيور يوحنا، هي نفسها القديسة التي نسبت إلى حملايا.
وفي الجهة المقابلة من الشرق فوق الساحة، وتحت مرتفع “كروم الأرز” يقع منزل “جان عزيز”، وقد كان نائبا سابقا له كل الاحترام والتقدير بقي في جزين في الأيام العصيبة يوم تهجرت قرى شرق صيدا وكان له موقف الزعماء الذين يفتقدون في الملمات، ولا يزال شريف يذكر تلك المحادثة الهاتفية مع “اسامة سعد” حول ما كان يجري في قرى شرق صيدا…
تحت منزل عزيز وبقرب الكنيسة يقع فندق “وهبي” الذي اعتبر من الفنادق القليلة في المنطقة وهو اشبه ب”فيلا” من الحجر الأصفر والقرميد الأحمر يشرف على ساحة المدينة وعلى مقاهي الشلال، وقد كان ينزل فيه المونسينيور “بوهيغاس” المبعوث البابوي الذي أرسل إلى جزين كبادرة شخصية من قداسة البابا يوحنا بولس الثاني دلت على بعد نظر وتعلق بهذه المنطقة المسيحية التي كان لا بد من المساهمة بمنع تهجيرها ولو برسول محبة وصلاة. وفي الجهة الغربية من الساحة وخلف منزل آل كنعان كان يقع منزل النائب والوزير السابق “ادمون رزق” الذي كان كتائبيا مناضلا طرد من الحزب مع رفيقه “لويس ابو شرف” لأنهما انتخبا “كامل الأسعد” لرئاسة مجلس النواب بعد أن كان الأخير ساهم في وصول الشيخ بشير والشيخ أمين من بعده إلى رئاسة الجمهورية، ولكنه كزعيم جنوبي كان يهمه اعادة الأمن والاستقرار لمنطقته سيما وأن منطمة التحرير الفلسطينينة كقوة عسكرية أساسية كانت قد رحلت عنه بعد 1982، وصار همه أن يؤمن اتفاقا مع الاسرائيليين يمكن من انسحابهم، فقد كانت مصر زعيمة العرب صالحت الاسرائيليين لاستعادة أرضها في سيناء ولا بد أن يسعى السوريون أيضا لاتفاق يعيد لهم الجولان، فلماذا يرفض للبنان سعيه لاستعادة سيطرته على أرضه في الجنوب. ولذا فهو ساهم باقرار اتفاق السابع عشر من ايار في مجلس النواب ما أغضب السوريون ليطالبوا بتغييره، فشروط الرئيس السد للاتفاق بين اسرائيل ولبنان كانت واضحة، وهو لا يريد أن يربط انسحاب الاسرائيليين من لبنان بأي شكل بانسحاب الجيش السوري منه، ولكن الاسرائيليين أصروا على ضمانة أميركية لسحب السوريين بعد خروجهم هم، ولم ترد أية اشارة إلى خروج السوريين في اتفاق السابع عشر من أيار، كما كان طلب السوريون، ولكن الأميركيين، يومها، وقعوا على رسالة جانبية، اعتبرها “جورج بشير” في كتابه “امراء الطوائف” “الرسالة المخرج المأزق “، حيث وعد فيها الأميركيون بسحب السوريين من لبنان بعد خروج الاسرائيليين بحسب اتفاق السابع عشر من ايار، فقامت قيامة السوريين وقلبوا الطاولة ورفضوا تمرير الاتفاق وكان غضبهم على كامل الأسعد شديدا لأنه ساهم في اقراره بمجلس النواب بالرغم من تعليماتهم، وقد رضخ الرئيس الجميل يومها مجددا لطلب دمشق وقرر عدم التجديد للرئيس الأسعد فكان ما كان.
أكمل شريف باتجاه صباح حيث تلة النبي “ميشا” والذي يقال بأنه قد يكون “ميخا” أو “موخوس” الفينيقي المشهور نفسه، صاحب أولى المدارس الفلسفية التي تعلم فيها “طاليس” و”فيثاغور” وعلى غرارها أنشأ كل منهما مدرسته في بلاد اليونان، وقد بقي أثرهما ماثلا في الفكر البشري حتى يومنا هذا. وكان “موخوس” هو الذي قال بنظرية الذرة ولكنه قال ايضا بامكانية تجزئتها، ثم جاء “ديمقريطس” صاحب المدرسة “الذرية” اليونانية ليقول بالنظرية عينها ولكن بعدم تجزئة الذرة… وبقرب هذا المقام الذي استمر وقفا يرعاه ابناء “بنواتي” السنة دلالة على أهميته حتى في التراث الأسلامي، يقع دير سيدة مشموشة حيث تخرّج أجيال من المتعلمين من كافة المناطق الجنوبية، وكان فيه فرع داخلي يستقبل الطلاب من القرى البعيدة، وقد وصل إليه أبناء المنطقة من عين إيل ودبل ورميش وتعلموا فيه.
بعد مفرق مشموشة تطل عليك أودية وقرى ويبدأ البحر بالظهور من بين التلال، فهنا ينفتح الأفق الغربي وتبدو “الحمصية” و”عازور” وبينهما تلة “روم” بكل جلالها حيث ترتفع في وسطها مئذنة الجامع وقبة الكنيسة، ففي روم حي للشيعة كونها تجاور في الجهة الجنوبية قرى الشيعة في شرق صيدا التي تبدأ شرق “القرية” وتسير على خط مواز للقرى المسيحية حتى “جباع” و”عين بوصوار” المستندة إلى جبل صافي، ثم تدور حدودها إلى الجنوب فالشرق بعد “جرجوع” المختلطة أيضا في قرى متداخلة ك”اللويزة” و”مليخ” و”عرمتى” لتصل إلى كفرحونة التي سبق ذكرها.
وصل شريف إلى روم ووقف قرب الفندق الذي يزين ساحتها ويواجه إلى الشمال “فيلا” رفع عليها علم “فرسان مالطة”، وقد كان لفرسان مالطة هؤلاء سفارة في بيروت وممثلية في روم وهم يقومون بمشاريع انسانية تتعلق بالطبابة والمستوصفات. وإذا ب”ابو عجاج” صاحب الفندق ورئيس البلدية والمقاول الذي يملك جرافات وشاحنات بقيت تؤمن له المردود المطلوب بعد توقف عمل الفندق والمطعم بسبب الأحداث، وهو رجل ضخم الجثة طيب اللسان كريم بالفطرة لم يزل يحافظ على موقعه في المنطقة بالرغم من تقلب الظروف وقد كان يتابع موضوع المهجرين ويشارك في اجتماعات اللجنة التي شكلت لهذا الغرض، فطلب منه شريف كل المعلومات التي لديه حول هذا الموضوع والحاجات المطلوبة مع كل ما تم حتى الآن من عملية اسكانهم وإيوائهم وفرص العمل الممكنة لبعض منهم كي يتمكنوا من التكييف مع الظروف الجديدة وما هي الأمور الممكن أن يوفرها الجيش بحسب اقتراحاته…

*********************
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة التمهيد والحلقة الأولى (طريق البحر) من كتاب الكولونيل شربل بركات “المداميك”
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثانية

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الرابعة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الخامسة

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثانية
* ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثانية
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الرابعة

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الخامسة
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الرابع/الحلقة الأولى/سيطرة المنظمات
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الرابع/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الخامس/الحلقة الأولى/الجدار الطيب
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الخامس/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السادس/الحسم والحصار/الحلقة الأولى
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السادس/الحسم والحصار/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السابع/الخطف/الحلقة الأولى
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السابع/الخطف/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السابع/الخطف/الحلقة الثالثة

ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثامن/الحقيقة والحلم/الحلقة الأولى
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثامن/الحقيقة والحلم/الحلقة الثانية