كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الأول..الحلقة الثانية

90

كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الأول..الحلقة الثانية
16 تشرين الأول/2020
أما على الجسر حيث لسعت أشعة الشمس بعض النائمين، وبدأت حركة هنا وتململ هناك يقطعان الصمت والهدوء السائدين حتى الآن. فقد كان سعيد لا يزال غائصا في نومه ولم تعد تقلقه ازاحة الغطاء عنه. فقد ساد شيء من الدفء يلذ أستغلاله بعد برد الليل وقبل أن تزداد حدة الشمس. كانت تنام بجانبه سيدة في أوائل العشرينات من العمر ترتدي فستانا أسودا طويلا وتربط شعرها ببساطة خلف راسها وقد نام على يدها اليسرى طفل دون السنتين، بينما جلس أخوه الذي يكبره بسنة على الأكثر في حضنها، لافا يده حول خصرها وقابضا على قنينة “الصحة” باليد الأخرى وكأنها كنزه الثمين. أما من الجهة الثانية فقد جلس كهل وزوجته، “يبلكشان” في صرة جمعت كثيرا من الأغراض غير المعروفة، بين ثياب وأحذية وأشياء ملفوفة ببعضها أو باكياس من النايلون. كان الرجل في أواخر العقد السادس من العمر وقد تربّع على الجسر بقرب زوجته التي كانت تستند إلى صندوق كبير من الكرتون لا يبدو أنه يخصها. فكانت كلما أحست بحركة تنظر إلى القادم وإلى الصندوق كأنها تريد الأعتذار. كان الزوجان قد استيقظا منذ أول الغسق ف”بوحنا” مزارع ينهض في العادة قبل الفجر اذا كان نائما في بيته، فكيف وهو لم يغمض له جفن ولم يزل يتذكر ذلك الموقف المذل في اثناء الانتظار في “الحوض الخامس”.
فقد كان زوج ابنته “يوسف” الذي يقيم في عين الرمانة أوصلهم في الساعة العاشرة مساء إلى “الحوض الخامس”، ولم يسمح له عناصر الأمن هناك من البقاء أو مرافقتهم إلى حيث سينتظرون موعد الاقلاع. فنزل”بو حنا” وحمل بعض الأغراض بيديه وحملت “ام حنا” الصرة وتوجها بمحازاة قسطل ممدود افقيا على ارتفاع الخصر يمنع دخول السيارات إلى الرصيف، حيث تقف بعض الزوارق، وقلما يرفع ليسمح بدخول المميزين بسياراتهم.
دخل “بوحنا” و”ام حنا” إلى باحة صغيرة أمام ما ظنه غرفة منامة الحرس، ولم يشأ الانتظار هناك رغبة منه في عدم الازعاج. وكان شعر بتلك الروح العدائية المسيطرة على المجتمع باسره في زيارته هذه لبيروت، وهو الذي لم يكن يحب المدن ولا “العجق” ولا أحس مرة بالانتماء إلى هذا المجتمع. ولولا مشكلة “تريز” والحاح “ام حنا”، لما كان تحمّل كل هذا العناء بانسلاخه عن بيئته وانغماسه في هذه المصاعب، وبخاصة في هذه الأيام.
كانت “تريز” ابنته الصغرى قد تزوجت شاب سرياني من “الكتائب” وصل إلى المنطقة مع جماعة “المنشر” في بداية الأحداث وقد تعرّف ب”تريز” وأحبها وتزوجها بالرغم من أن هذه الزيجة لم تكن على خاطر “بوحنا”. فالشاب يبدو “آدمي” ولكن لم يكن لديه عمل ثابت، ولو أنه “معلم مخرطجي عقد الدنيا”، كما يقول، فأين سيعمل في هذه الأيام؟ ولكن تعلّق البنت فيه، وأصرار أمها أن “نصيبها قد أتى ولا يجوز أن نقف بدربها”، و”حديث النسوان” كل ذلك جعل “بوحنا” يقبل على مضض. وها هي قد تزوجت ونزلت معه إلى بيروت وسكنا في عين الرمانة، وقد رزقت بصبي وفرح الجميع. ولكن الفرح في هذه الأيام لا يدوم. فقد أصيبت “تريز” بشظية أثناء القصف الشهر الماضي، وأدخلت المستشفى، ما جعل “ام حنا” تصرّ على “بوحنا” للذهاب معها إلى بيروت “لتشق” على ابنتها و”تخدمها كم يوم” حتى تصبح قادرة على خدمة بيتها.
فتش “بوحنا” عن موضع لينتظر فيه، أو عن أحد ليستفسر منه، ولم “يهن” عليه العودة إلى حيث ذلك الحارس “الجفص”، ففضل أن يبحث بنفسه عن مطرح لا يسببان فيه ازعاجا لأحد. فنزل وتجول في المكان. لم يكن أي من الركاب قد قدم بعد. فلا يمكن أن تنطلق الباخرة قبل منتصف الليل. لكن توق “بوحنا” واستعجاله للخروج من هذا الجو، ورغبته في العودة السريعة إلى ضيعته، وبخاصة أنه لم يفرّك الكرم، وقد كان أوان التفريك، وربما لم يستطع “ابو عيسى”، الذي اتكل عليه، أن “يتني” له الملكيات، فزيتونات “الخلة” خطرين لأنهم “قبال الجماعة” وإذا ” حدثت حركة أو وقع قصف، ما حدا بعود يسترجي يوجه لهونيك”. كان هذا الموضوع يشغل باله كثيرا، بالأضافة إلى مشكلة ابنه “سليم” الذي عاد فالتحق بالجيش، وأولاد المرحوم “حنا” وكيف تتدبر أمهم وهي “المجبورة” أن تذهب قبل الفجر إلى عملها في اسرائيل. فقد ترك المرحوم “حنا” خمسة أولاد. فمن يعيلهم في هذه الظروف؟.. كانت هذه الأمور كلها تدور بذهنه وتحثه على الاسراع في العودة. لذلك كان أصرّ على “يوسف” صهره ليوصلهم إلى “المينا عبكير”.
نزل “بو حنا” من تلك البوابة المؤدية إلى الرصيف وتمشى، وزوجته تتبعه، حاملة صرتها على رأسها، ولم يلتق باي شخص ليرشده إلى مكان الانتظار. ولكنه عندما تقدم قليلا رأى من الجهة الثانية رصيفا آخر تقف قبالته عدة بواخر. فتذكر أن إحداها تشبه الباخرة التي جاءوا فيها. فتقدم باتجاهها وتخيل أن أفضل مكان للأنتظار هو الباخرة نفسها ولما لا؟ فقد يجد مكانا مريحا يستقر به فيضمن رحلة أفضل من وقت القدوم.
وصل “بو حنا” إلى الرصيف الذي ترسو عليه الباخرة. لم يخب ظنه. كانت هذه فعلا الباخرة التي قدموا بها وكان على متنها بعض البحارة يعملون على التحضير للسفر، فتقدم “بو حنا” و”ام حنا”، فأذ هناك خشبة بعرض “لاطتين” ممدودة من الباخرة إلى الرصيف، فوقف وانتظر أن يظهر أحد من البحارة ليسأله عن أمكانية الصعود. فلم يرَ أحدا في تلك الأثناء. فاستحسن أن يصعد إلى السفينة بالرغم من اعتراض “ام حنا” التي كانت تشعر أن ما يقومان به قد يكون غير مقبول على أولئك الحراس الذين واجهاهم عند الباب. ولكن اندفاع “بو حنا” جعلها تصمت. صعد “بو حنا” ووضع ما بيديه على الجسر. وعاد فتناول الصرة من “ام حنا” بيد ومد لها يده الأخرى ليساعدها على الوصول إلى الجسر، وتقدما إلى سطح العنبر فأودع “بو حنا” الأغراض هناك وقال ل”ام حنا”:
– الهيئة مسرحة هالمرة، فيكي عاد، توخديلك غطة للصبح، ما قلتلك الجينة بكير أفضل هيانا لاقينا أحسن محل.
فتمتمت “ام حنا” بالأيجاب مع أن قلبها كان، لا يزال، “ناقزها”، وتعربشت على سطح العنبر، فوجدت هناك صندوقا كبيرا من الكرتون ارتكت عليه ووضعت صرتها بجانبها ثم جاء “بو حنا” بالأغراض الباقية وجلس بقربها.
لم يكن هناك الكثير من الضوء على الباخرة. فقد كان الرصيف عادة قليل الانارة في ايام الحرب تلك، ولا سيما في هذه الجهة منه. أما السفينة فقد أشعل في الجهة الخلفية منها لمبة واحدة تكاد لا تنير محيطها القريب. ولم يكن على الجسر إلا الضوء المنبعث من باب المطبخ، والذي يغطي جهة واحدة من الممر الجانبي بين الحافة الخارجية للسفينة وظهر العنبر، حيث جلس الرجل وزوجته. وهكذا فقد كانوا في شبه ظلام ولم يشعر البحارة بوجودهم.
مرت حوالي الساعة و”ام حنا” متكئة على صرتها تحاول أن تنام، بينما سرّح “بو حنا” نظره في السماء وكانت صافية. رأى فيها لأول مرة منذ مجيئه إلى بيروت، النجوم التي ذكرته بنجوم “دبل”، فأخذ يحاكيها ويتنقل بينها، من وسط القبة صوب الشرق، حتى ظهرت له أشباح التلال المشرفة على بيروت، يزين سوادها كومة من الأنوار المتقطعة هنا وهناك. وما هي إلا لحظات حتى قطع ذلك السواد لمعان في الأفق، تلاحق بسلسلة من اللمعات الأخف منه، ثم سمع بعض الدوي الناتج عنها. كان هذا من المناظر اليومية التي تذكر بالأشتباكات في الجبل حيث يواجه السوريون وأعوانهم قوات الجيش. ثم سهت عينه قليلا، فلم يشعر بالسيارة التي تحركت على الرصيف، ولم يفق إلا عندما اقتربت من الباخرة وبهر ضوؤها ناظريه، ففتح عينيه وإذا بها تقف أمامهم وينادي صوت منها على البحارة. فنظر ليرى سيارة جيب يظهر من شباكها نصف شاب في مقتبل العمر يرتدي ثيابا عسكرية وينادي، فيجاوبه صوت من قرب حجرة القيادة. ويسأل العسكري إذا كانوا رأوا أحدا على الرصيف، أو إذا دخل أحدهم السفينة. فيجيب “جورج” بأنهم يعملون في الداخل ولم يشاهدوا أحدا… شدت “ام حنا” على يد “بو حنا” الذي كان يهم بالوقوف، أن يسكت، ووضعت يدها على قلبها خوفا من الأسوأ فهي تعرف زوجها، وقد رأت شباب اليوم، خاصة المسلحين. فهم لا يوقّرون أحدا، و”بو حنا” عنده من نفسه ولا يقبل الإهانة. لكن “بو حنا” لم يطاوعها وسحب يده قائلا:
– اتركيني يا مرا…
ونزل إلى الممر، مقتربا من الضوء الصادر عن باب المطبخ، فلمحه “جورج” وقال:
– مين؟
فقال “بو حنا”:
– هيدا أنا، عشو داير؟
فنهره العسكري:
– هيدا انت؟ إنزل لهون… إنزل… أحسن ما إطلع دعوسك… وين الحرمة الكانت معك؟
فأحس “بو حنا” بالإهانة، ولكنه تذكر ما قالت له زوجته، من أن “هيدا الجيل ما بيعرف يحكي غير هيك”، فحاول أن يتماسك، وارتد إلى الوراء ليحضر “ام حنا” والأغراض، فما كان من ذلك العسكري إلا أن نزل بسرعة من السيارة وخرطش سلاحه ووجهه إلى “بو حنا” قائلا:
– استرجي فط فطة.. قلتلك إنزل .. بتنزل .. وإلا بطلع بنزلك متل الكلب.
فوثب “بو حنا” وقد ثار غضبه ونزل كالأسد على تلك الخشبة ليصل إلى ذلك الفتى الذي لا يعرف كيف يحترم الناس ويلقنه درسا، غير آبه بالبندقية التي يحملها، ولكن قدمه زلت، إذ تحركت الخشبة تحته، فوقع، وما كان من ذلك الشاب بالزي العسكري إلا أن بادره بضربة من عقب بندقيته على ظهره، فتحملها “بو حنا” وحاول النهوض، ولكنه أحس برجله تخونه، وتكاتر عليه من في الجيب، فحملوه وزجوه داخل السيارة. وكانت “ام حنا” قد نزلت لمساعدة زوجها فوضعوها هي الأخرى بجانبه واقتادوهما إلى المكتب.
كان “بو حنا” يحاول التأكد من إصابة قدمه، فيحركها ويدسدسها، بينما صمتت “ام حنا” وتمسّكت بطرف الكرسي لأن السائق كان مسرعا وكأنه هارب من معركة، وكان رفيقه يتمتم بجانبه موجها الحديث إلى “بو حنا” :
– بدك تعمل مراجل أيه.. هلق بفرجيك..
بينما وقف الثالث على الباب الخلفي متمسّكا بيد وقابضا باليد الأخرى على بندقيته. وما هي إلا لحظات حتى توقف الجيب بالقرب من “المكتب”. كان “المكتب” تلك الغرفة التي مر عليها “بو حنا” و”ام حنا” عند دخولهنا واعتقداها غرفة منامة الحرس، ولكنها كانت مضاءة هذه المرة وتعج ساحتها بالمسافرين. فقد كانت الساعة حوالي الحادية عشرة النصف وكان كل المسافرين قد حضروا تقريبا. توقف الجيب وترجل الشاب الذي ضرب “بو حنا” وتوجه إلى الباب الخلفي وكان صاحبه الواقف في الخلف قد نزل وفتح البابين.
تجمع الركاب، عندما رأوا الجيب يدخل مسرعا وينزل من فيه على هذا الشكل، ليستطلعوا الأمر. تطلع “بو حنا” وبهت من هذا المنظر وأحس بالذل أكثر، إذ نهره ذلك الفتى إلى الداخل. لم يستطع أن يميّز أحدا بين الناس، إلا أن “ام حنا” رأت “بو فادي” وكانت تسمع أن له مركزا بال”قوات”. وكان “بو فادي” رجلا منظورا في المنطقة، يعرف الجميع أهميته عند “اليهود” وعند “القوات”، فركضت إليه مسرعة وأرتمت بين يديه صارخة:
– يا “بو فادي” إلحق “بو حنا” ..
تطلع “بو فادي” إلى “ام حنا” وكان القلق والخوف يغلفانها، فتذكرها يوم اختفاء ولدها المرحوم “حنا” في بداية الأحداث. فقد اختطف بين “حانين” ودبل. وكانت الدولة قد غابت عن المنطقة لتطلق يد “فتح” وزلمها. وتدخل “بو فادي”، حينها، ومن تدخل من الوجهاء، مع جميع المنظورين، من “علي بزي” النائب والوزير السابق، إلى “عبد اللطيف” نائب المنطقة يومها، إلى الوجهاء والمحازبين في القرى المجاورة، وكل من له صلة ب”فتح”، ولم يستطيعوا أن يردوه إلا جثة هامدة بعد ثلاثة ايام من خطفه ورفيقه المرحوم “جورج”. تأثر “بو فادي” لصرخة “ام حنا” فتقدم منها مستفهما:
– شو السيرة يا “ام حنا”.. شو السيرة؟..
– دخلك يا “بو فادي”.. الحقو.. الزلمي ما بيحمل إهانة..
عندها تدخل أحد الشباب ووشوش “بو فادي” ففهم الموضوع واستدار متوجها إلى المكتب وقال ل”ام حنا”:
– ما عليكي يا “ام حنا”.. ما بصير إلا عقد خاطرك..
دخل “بو فادي” إلى المكتب وتجمّع كثيرون حول “ام حنا” وبخاصة أولاد البلدة، فكلهم معرض لمثل هذا الموقف. ولولا وجود بعض الذين لا يزالون يخدمون في “القوات” أو يعرفون المسؤولين ولهم كلمة معهم مثل “بو فادي” لكان الجميع تعرضوا للأهانة. ففي هذا الوقت تتحكم المليشيات بالناس دونما قانون أو رادع. وهؤلاء العناصر لا يمكن ضبطهم في أغلب الأحيان. وهذا ما تنبّه له أخيرا قائد “القوات” الجديد، الذي يقال بأنه يحب الشعب كونه ابن الجبل وهو يمضي الكثير من أوقاته في أحد الأديرة حيث يصلي متأملا من حين إلى آخر بأمور الناس ومشاكل البلد من ناحية مسيحية. وقال “أبو فادي” أن هذا القائد قد بدأ بتدريب عناصر “القوات” على الانضباط وتشكيلهم في سرايا منظمة على غرار الجيش، وقد يمكن عندها التأمل بنوع من العدل أو الانضباط في تعاملهم مع الناس وليس كما هي الحال اليوم.
دخل “بو فادي” الغرفة، فساد هدوء، ثم حديث بدأ يعلو شيئا فشيئا، وبعد قليل فتح الباب وخرج “بو حنا” وظل صوت “بو فادي” يلعلع.
مرت عشر دقائق تقريبا والجميع مكوّم حول “بو حنا” يحاول الاستفهام عن سبب المشكل، و”بو حنا” لا يجاوب. ثم فتح الباب من جديد ليخرج أحد العسكريين ويبدأ عملية إنزال الركاب إلى السفينة. في هذا الوقت إنزوى “بو حنا” مع زوجته جانبا وانتظرا حتى لم يبقَ هناك الا القليل من الركاب. فسار و”ام حنا” باتجاه الباخرة حيث وجد أمتعته وجلس “بدون نفس كل الليل” وهو يفكر بهذه الحالة “والأيام التي وصلنا إليها حتى أصبح القاصي والداني يتحكم بنا”.
– يتبع –

ملاحظة/*اضغط هنل لقراءة التمهيد والحلقة الأولى (طريق البحر) من كتاب الكولونيل شربل بركات “المداميك”