على موقعنا سوف ننشر كل أجزاء كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/نبدأ اليوم بالتمهيد وبالفصل الأول

133

الفصل الأول من كتاب مداميك للكولونيل شربل بركات
الحلقة الأولى/طريق البحر

لمن لم يتثن له قراءة كتابنا “مداميك” الذي طبع ونشر في آب سنة 1999 سوف نحاول اعادة نشر بعض فصوله على حلقات ونتمنى أن ينال اعجاب القراء
الكولونيل شربل بركات/16 تشرين الأول/2020

كتاب مداميك
تمهيد
الكولونيل شربل بركات/16 تشرين الأول/2020
مداميك اسم قد يتساءل القارىء ماذا يعني هنا ولماذا سميت هذه القصة بهذا الأسم؟
مداميك تعني الجمع من مدماك والمدماك هو صف من الحجارة المعمرة في اي بناء. وإذا كان الوطن بناء شامخ فهو يتألف من عدد من المداميك. وقصتنا هنا عن أحد الحيطان الخارجية التي تؤلف سياج الوطن وهو الحائط الجنوبي. وهذا الحائط يتحمل عبء الوطن منذ أكثر من قرن من الزمن. وهو لو لم تكن حجارته صلبة ومتماسكة لكان انهار منذ زمن طويل لكثرة ما واجه من المشاكل والصعاب.
ولكن مقالع هذا الوطن متنوعة وحجارة هذا الحائط لا تختلف عن حجارة الحيطان الباقية، وهي أيضا متنوعة بألوانها وصلابتها وحساسيتها وتجانسها. ولكنها مشقوعة “بمداميك” متجانسة وهذا ما يضيف صلابة ومتانة وجمالا على البناء.
أنواع الحجارة هنا هي أجناس وشعوب وقبائل، وهي مشارب ومذاهب وطوائف، وكلها قد أسهمت بشكل أو بآخر وفي مرحلة من الزمن بثبات هذا الوطن وجعله مختلفا عن غيره من المحيط وإلا فما هي ضرورة وجوده.
وبقدر ما تبدو مختلفة ومتنافرة أحيانا، فهذه المداميك متجانسة ومتماسكة في الأغلب. ولكن عندما ندّعي أنها من نوع واحد ومن جنس واحد ومن لون واحد، نكون مخطئين في تعاملنا معها ما يؤدي إلى نتيجة غير محببة تجعل أحد المداميك، الذي عومل بطريقة قد تناسب مدماكا آخر ولا تناسنه، ينفر أو ينهار فيؤثر على الحائط كله بشكل مباشر وبالطبع يعيب البناء، إن من حيث المتانة أو من حيث المظهر.
وإذا ما كانت الحجارة هي الشعب الذي يؤلف الوطن، ف”المداميك” هي القرى والأحياء والمجموعات التي تجانست وتماسكت وتراصت خلال قرون وأجيال. وهي تعرف حدود تعاملها مع “المداميك” الأخرى، وقد جاورتها لأزمنة طويلة. وكلما عرفنا تاريخ العلاقات بين هذه “المداميك” وحساسية بعضها تجاه بعض ووجوه تعاونها وقدرتها على التحمل ومواجهة الصعاب الخارجية، كان لنا حائط متين وجدار قوي وبناء متماسك. وإذا ما حاولنا طلاء كل “المداميك” بقشرة من لون واحد، معتقدين أنها بذلك تتوحد أجناسها وأنواعها، نكون قد وضعنا أساسا لمشكلة مستقبلية لأننا لا نعود نعرف نقاط ضعفها وقوتها ومواضع تجانسها وتنافرها.
وفي قصتنا هذه قد لا يوافقنا الكثيرون من حيث النظرة إلى الأمور. ولكن هذه النظرة بالذات تعطي فكرة عن جزء من المعاناة، لبعض من “المداميك”، التي لا تزال واقفة، محافظة على لونها، ومتصلبة في دفاعها عن الوطن، ومتشددة في تعاملها مع الآخرين، الذين يرون في اختلاف نظرتها إلى الأمور، أحيانا، مادة صراع لطمس آراء الآخرين أو مواقفهم. أو نتنكر لكل التضحيات التي يقوم بها جزء من الشعب لأنها أختلفت في حين عن مفاهيمنا.
ونحن هنا لا نريد أن يتبنى أحد مواقف هذه “المداميك” أو تلك، ولا أن يحاكم الناس على اساسها، ولكننا أردنا أن ننشر للآخرين جزءا من معاناة وتطلعات هذا الشعب الذي يتاجر به، ويضغط عليه، ويقتل بنوه كل يوم، دون أن يسأل عن رايه، ودون أن يؤخذ يظروفه الحاضرة أو نظرته إلى المستقبل.
ويا ليت الذين يجلسون على الكراسي ويديرون الأمور يقرأون بكل تأن هذه المعاناة، ويضعون أنفسهم في مكان كل من هذه الحجارة، ومن ثم يحاولون أن يفهموا واقعها، لا أن يستوردوا الحلول الجاهزة ويفرضوا المواقف المعلبة ويحمّلوا المواطنين شعارات وآراء، ويزجونهم في أوضاع أو حالات لم ينتقوها ولم يسألوا عنها أو يخيّروا بها، ثم يحارب بهم ويقتل باسمهم وهم بعيدون كل البعد عن أصحاب القرارات، وتختلف همومهم كثيرا عن هموم اولئك الذين يتصدّرون الصحف وقنوات التلفزيون ويملأون الأرض ضجيجا وصخبا لا يخدم الوطن ولا أبنائه. فنقول مع الرحابنة، بكل اسف ساعتئذ، “طلع المنادي ينادي ما فيهاش افادة الرعيان بوادي والقطعان بوادي”…
في هذه القصة تعمّدنا اختيار شخصيات واقعية قد يتعرّف عليها بعض القراء ولكن قد تكون الأسماء في بعض الأحيان مختلفة عن الواقع وفي أحيان أخرى تكون الشخصية أو الحوادث متغيرة بعض الشيء عن المعروف ولكن السياق بمجمله واقعي يقترب حتى يلامس هذا الواقع فنتحسسه ونعايشه في تنقلات الأشخاص وتفاعلاتهم ومشاعرهم.
ولقد تعمّدنا الحديث عن أحداث العشرين بشكل معيوش وحسي ذاكرين حوادث معروفة وشخصيات ووقائع عبرت على مسامع الناس مرات ومرات سعينا إلى تدوينها كي تبقى قدر الامكان مستندا أو مرجعا لقياس التحاليل التاريخية، وقد تعمّدنا ذكر بعض الأسماء بما عرفت به فيما بعد وكما يعرفها الناس في هذه الأيام للتشديد على التواصل في الأحداث التي ترسم ولا تزال منذ أكثر من قرن تاريخ هذه المنطقة وبالتالي تاريخ لبنان الذي نحن هنا جزء أساسي منه.
وإذا كنا شددنا على مثلث عين إبل رميش ودبل وأسهبنا في ذكرها فلا يعني ذلك تقليلا من أهمية المناطق والقرى الأخرى ولكنه يعني كثيرا لأبنائها لكي لا تضيع بعض جوانب حياة هذه القرى التي دفعت ولا تزال ضريبة الدم في سبيل أن تبقى وتستمر مرفوعة الرأس لها على الوطن أكثر مما له عليها في كثير من الأحيان، ونحن نعتذر من أبناء القرى الأخرى التي لها علينا حق الجيرة وحق الاحساس معها ومع مشكلاتها ومعاناتها وتدوينها كي لا تنسى.

الفصل الأول من كتاب مداميك للكولونيل شربل بركات
الحلقة الأولى
طريق البحر
تحرك سعيد في مكانه وقد داعيه نسيم الفجر، فحاول أن يجذب شيئا من الغطاء الذي كان يتقاسمه مع شريف، وهو لم يكن إلا بعضا من قطعة شادر، كانت تستعمل لتغطية البضائع، في تلك الباخرة التي لا تصلح في بلاد العالم لنقل الحيوانات، وقد كانت لهم العون الوحيد، ووسيلة الاتصال والسفر من وإلى العاصمة بيروت. فعالمهم هو شريط من الأرض، لا يزالون يدافعون عنه منذ أكثر من عشر سنوات. وقد قاسوا أهوال السنين الأولى في الحصار داخل قراهم واحدة واحدة، ودافعوا بكل فخر عن تلال، لم تشبعهم يوما رغيف الخبز، ولكنها أشعرتهم بالمحبة والانتماء، وأعطتهم صخورها صلابة المواقف، وشموخ سندياناتها عزة النفس، وقد جبلوا ترابها، كما الأجداد، بالعرق والدم…
هذه الأرض الضيقة الواسعة التي حوت تلالا من الطموح، وربت أجيالا من المغامرين الذين لم يقف جهدهم عند حدود الوطن، ولم تحط من عزائمهم قلة الوسائل ولا فقر المحيط أو عداوته. هذه الأرض قد علمتهم الكثير، وليس أقل ما يقال بها أنهم يعبرون البحر على هذه الباخرة ليعودوا إليها، في زمن يهرب الناس من الوطن بلا رجعة، ويعجب الغرباء كيف لا يزال هناك من يعيش في ظل حرب هي أشرس الحروب ضراوة وأقسى الظروف إذلالا…
جذب سعيد الغطاء فأيقظ شريف من حلم كان يغط فيه، وقد تداخلت الأحداث بحيث لم يكن يميز المكان الذي كانوا قد حوصروا به، ولا من من الرفاق كان بجانبه، ولكن تحريك الغطاء أنقذه من ذلك الموقف وأعاده إلى الباخرة، وإلى رائحة المازوت التي تطغى على كل شيء. فهم على الجسر يزيد عددهم عن الثلاث مئة شخص، صغارا وكبارا، نساء وأطفالا، يتقاسمون غطاء العنبر الخشبي في باخرة الشحن تلك، التي تنقلهم من بيروت إلى الناقورة، لتحمل بعض الخضار أو الموز أو البيض من اسرائيل لصالح أحد تجار بيروت الشرقية، وفي رحلة العودة، أيضا، تحمل معها بعض الركاب، كحالتهم.
فتح شريف عينيه فرأى بعضا من الضوء يلوح في الشرق ملونا سواد الليل بقليل من الليلك والأحمر وقد خف بصيص النجوم في تلك الناحية وبدت أطراف قمم الجبال ترتسم شيئا فشيئا.
كان البحر في أروع حالاته هدوءا تحسه في انسياب تلك الباخرة الهرمة دونما تمايل كبير، ما جعل أكثر المسافرين يرتاحون من عناء دوار البحر الذي يرافقهم في كل رحلة.
كان الصمت يلف الباخرة إلا من صوت المحرك الهادر ووشوشة الماء المتفور من حفيفه بالفراش. جلس شريف ليصلح من جانبه المتيبس من قساوة الخشب، وإذا بسعيد يتكوم قربه دون غطاء. وكأنه أحس بالذنب لكونه نام أكثر منه، فغطاه ونزل عن سطح العنبر إلى الممر ليتمشى قليلا كي لا يشعر بالبرد.
كانت الساعة تقارب الرابعة والنصف في بداية شهر أيار، وكان من لم يجد مكانا على سطح العنبر يجلس هنا وهناك، على السلم أو بقرب باب المطبخ. سار شريف قليلا وإذا ببعض الذين غلبهم النعاس قد ناموا في الممر وسدوا الطريق، فاضطر إلى الرجوع.
كان ينوي الوصول إلى مقدمة الباخرة ليتمتع برؤية البحر الهاجم عليها، تشطره فيحضنها مداعبا جسدها بحركة مستمرة. كان ذلك أفضل موضع له ساعة ينشد الوحدة. فالمكان يبدو شاهقا، والبحر في كل حالاته، حتى في هيجانه، رائعا. وقد كان يستمتع بالوقوف هناك عندما يكون البحر عالي الموج، فالباخرة ترتفع وتهبط والمياه تبدو كالتلال والوديان المتدافعة صوب السفينة، مع أن البحارة كانوا يمنعونه من المكوث هناك طويلا.
عاد شريف باتجاه سعيد وإذا بمكانه قد أخذ، فعندما رآه أحد الذين شغلوا الممر وقد تركه، استغل الفرصة وأندس بقرب سعيد بحثا عن الدفء ورغبة منه في أخذ قسط من النوم. لم يتضايق شريف بل أكمل طريقه. فكلهم متعبون ورحلتهم هذه لم يكونوا ليسلكوها لو كان لهم طريقا غيرها، ولولا رغبتهم في البقاء في أرضهم والدفاع عن حقهم في الحياة، هذا الحق الذي كان الدافع الأساسي لهم جميعا، ولذا فتقاسم الحلو والمر كان مفروضا كتقاسم الدفء على سطح العنبر بين المسافرين.
أكمل شريف طريقه باتجاه حجرة القبطان وصعد السلم، فإذا بصوت عذب ينبعث من الجهة الخلفية. تقدم ليجد عجوزا منزويا يواجه البحر ويردد لحنا جميلا فيه من رقة جداول أودية لبنان وسحر أنغام عصافيره، وفي بحة صوته شيء من الحزن. فوقف بعيدا لئلا يقطع اللحن، وأسند يديه إلى الحافة وأصغى وهو ينظر إلى البحر. كان اللحن قريبا من إلحان “الصافي”. وكان العجوز يجيد الغناء، أو أن غناؤه كان نابعا من القلب ليأتي بمثل هذا الإتقان. كان ينظر إلى البعيد باتجاه اليابسة، سارحا، وكأنه يناجي شيئا ما في الأفق. حاول شريف أن يسمع الكلمات، فقد بدا وكأنها من ابداعه. كان يغني محتجبا بصوت المحرك فلم يستطع أن يفهم الكثير، وعندما حاول الاقتراب، شعر الرجل بوجوده فتوقف، وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد…
كانت السماء قد بدأت تزرق وفلول الليل تنسحب حثيثا، وقد ظهرت الجبال واضحة، وشيئا فشيئا أصبح بالامكان تمييز الأشخاص على ظهر الباخرة.
وقف شريف يتأمل تلك الصورة من قرب حجرة القيادة، فقد بدت أشباح الركاب الساكنة تختلط على سطح العنبر وتتداخل مع الأمتعة، فهذا يسند ظهره إلى حقيبة ثياب، وذاك يضع راسه على صرة، واسندت تلك الفتاة راسها إلى صندوق كرتون، ونام صبي على كتف أمه، وهناك تداخلت الأرجل مع الرؤوس، والأكتاف مع الأقدام، وفي مكان آخر من نام جالسا، وكثيرون اتخذوا من أجساد رفاقهم وسادة لرؤوسهم، وفي كل الأحوال لم يكن أحد يستطيع تحريك ساقه أو قدمه أو تغيير وضعه، فالمكان أشبه بعلب السردين.
دخل شريف إلى حجرة القيادة وكان دخولها ممنوع على الركاب. فقد يضيق المكان ويزعج القبطان أو مساعده، كما قد يجلس أحد هؤلاء على الكرسي الوحيد في الغرفة أو على طاولة العمل، حيث من المفروض أن توضع الخرائط البحرية وجهاز الاتصال. أو قد يدخل من أفقده التعب زوقه إلى غرفة منامة القبطان، فيستعمل السرير الذي يتناوب عليه مع مساعده، وأحيانا مع التاجر الذي استأجر الباخرة لنقل بضاعته. كان على التاجر، هنا، أن يرافق الباخرة ليشرف على استلام بضاعته وتحميلها ويؤمن خروجها إلى البحر ووصولها السليم إلى “الحوض الخامس” ومعاملات إنزالها وتفريغها. وهذه المراحل لم تكن لتخلو من المخاطرة، وأحيانا من المذلة، وغالبا من “التشبيح”، ولكنها، لم تكن، على ما يبدو، تخلو من الربح الذي يجعل جميع المصاعب تهون أمام مغامرين أغلقت بوجوههم أبواب كثيرة.
دخل شريف إلى الحجرة ولم يكن هناك إلا ثلاثة أشخاص. كان الأول واقفا خلف دولاب كبير له عدة مماسك يديره يمنة ويسرة وتختلف سرعة الدورة وكبرها في كل مرة، تلك هي دفة السفينة، وهذا الواقف الصامت كان يبدو، من لون بشرته السمراء وغلظ شفتيه وشعره الأسود المجعد، إنه بحار مصري.
كان يجلس على الكرسي الوحيد شاب في الثلاثينات يظهر، من شكل ثيابه وحقيبته الجلدية التي لا تفارقه، ومن الاهتمام الذي احاطه، من كاس الشاي الفارغة بقربه وزجاجة المرطبات وبعض بقايا أوراق السندويشات، أنه التاجر. وكان مستلقيا في الكرسي ويده على الحقيبة وقد تدلت نظارته الشمسية، المربوطة بسلسلة حول عنقه، على صدره حيث تستقر مجموعة من الأشكال الذهبية، ميز منها شريف، صليبا وأيقونة وخنجرا وأرزة وحرفا، لم يستطع قراءته، وغيرها من الأشكال معلقة كلها بسلسلة أخرى طويلة من الذهب المجدول تزيد سماكة عن “قضيب الستة ميلي”.
وكان الثالث شابا لم يتجاوز العشرين من العمر، مقتول العضلات، تدل قصة شعره وحدة نظرته وعبوس وجهه أنه من جماعة “الأمن”. وقد جلس على الطاولة بقرب الجهاز ساندا ظهره إلى الجدار. وبينما تدلت احدى ساقيه والتفت بده اليمنى حول ركبته الأخرى، بانت قبضة مسدسه من خلف ظهره وأسندت يده اليسرى عقب ال”م16″ الممدودة بموازاة الجدار.
لم يكلمه أحد من الثلاثة إلا أنهم نظروا إلى القادم الجديد كل بطريقته، فالمصري البحار بشيء من الحذر، المتردد بين الترحاب والتساؤل عن هوية هذا الزائر، والممزوج بابتسامة خجلة خشية أن يكون من المهمين أو أصحاب المشاكل. وبينما رمقه الفتى بنظرته الحادة وكأنه يحاول أن يفهمه ألا يطيل المكوث، تحرك الرجل الغائص في كرسيه وكأن دخوله أيقظه فعدل من جلسته وتطلع إليه بشيء من التعالي ثم قطع الصمت موجها سؤاله إلى البحار قائلا:
وين صرنا يا سي أحمد؟
فرد البحار بكل سلاسة أهل النيل:
– بعتقد يا استاذ “جميل”، وقد نظر إلى ساعته، على علو “صيدا”، ما احنا بقالنا حوالي الخمس ساعات تاركين المينا… ولفينا راس بيروت من تلات ساعات… دا البحر اليوم عال العال والمكن، والحمد لله، ماشي تمام… المعلم “جورج” جاب لنا ميكانيكي صلحو البارحة وغيرلو تنين “بيستون”. دا الميكانيكي اللي معانا بعدو جديد وما عندوش خبرة كبيرة… وما كانش فيه قطع غيار… “البيستون” دا مش كل يوم يغيروه… دي الوقت احنا ماشيين على خمسة، ومع الحمولة نقدر نمشي على تمانية، مش زي المرة اللي فاتت، كنا ماشيين بالحمولة على تلاتة وكان البحر، الله ينجينا!.. وكان معانا ميتين وخمسين، ما وصلش منهم واحد مش دوخان، كنت تشوفهم متشلقحين كده بشكل يقطع القلب… شوف دي الوقت هم نايمين زي أيه؟.. بتخيلهم فاكرين نفسهم بال”لف-بوط”… بس دي الوقت اما تطلع الشمس حينشوو… وخاصة إن كان الكابتن “رافي” بعدو مش جاي حنبقى نوقف، الله يعلم قد أيه…
وهكذا فقد بدا وكأن “سي أحمد” كان ينتظر إشارة ليبدأ حديثه الطويل الذي لا ينتهي، وكأن الصمت الذي عايشه قبل أن يصحو “الاستاذ جميل” كان شيئا غير طبيعي، وقد تابع واصلا موضوعا بآخر غير آبه لجواب أو تعليق. ويبدو أن “الاستاذ جميل” اعتاد هذا النمط من الحديث…
وأكمل “سي أحمد”: “اما يبقى يوعى الأبطان حانزل أجيب القهوة، وإن كنت عاوز حاجة تاكلها حابقى صحي “طرفة” يعملها لك”.
وقاطعه صوت جهاز اللاسلكي وهو ينادي “حيفا ريديو… حيفا ريديو…” فصمت الجميع ولم يعد “سي أحمد” ينطق بكلمة. كان المنادي إحدى البواخر القادمة إلى ميناء “صور” وكانت تطلب إذنا للدخول وقد فهم من المحادثة أنها لا تزال على بعد ستة عشر ميلا من صور وهي قادمة من مرفأ أوروبي وتحمل شحنة من السيارات المستعملة. وبعد أن طلب منها الانتظار سأل الاستاذ “جميل”:
– شو هيدا قدامنا؟
وأجاب “سي أحمد”
– أيوا مهو جاي من الغرب واحنا من الشمال… بس دلوقت يوقفوه… حاتشوف بعد شوي يطلعلو “ازرايلي نيفي” وينادي عليه وبعدين يبقو يجوم يتبرمو حوالينو ويفحصوه… دي عملية طويلة حتاخد يجي ساعتين تلات وأكتر قبل ما يسمحولو يكمل باتجاه “صور”… أما احنا محظوظين قد إيه لازم يكون الله راضي على الركاب دول… اذا كان ال”نيفي” دا قريب يمكن ما ينطرناش كتير…
وفتح باب الحجرة الجانبية ليقطع على “سي أحمد” حديثه. كان القبطان الذي ينام في الغرفة المجاورة قد سمع الجهاز فاستفاق من نومه ليرى بأن النهار بدأ يطلع، فنور الشمس قد قوي ودخلت خيوطها الأولى لتضيء حجرة القيادة وينعكس بعضها من شق الباب غير المقفل إلى حيث ينام. وزادت ثرثرة “أحمد” واسترساله بالحديث، فتنبه إلى سرعة الباخرة والوقت، فخرج وبادر ب”صباح الخير”، ثم توجه إلى النافذة وتطلع باتجاه البر. لم يكن يرى سوى القمم لأن الشمس كانت تسطع في أول خروجها من خلف الجبال فلا تمكنه من رؤية الشاطيء. ثم عاد نحو عجلة القيادة حيث يقف “أحمد” فألقى نظرة على البوصلة ودار صوب جهاز مغطى باسطوانة من المطاط وضع عينيه داخلها مقلبا بعض الأزرار، ثم استدار إلى “أحمد”، الذي لم يعد ينبث ببنت شفة، قائلا:
– خفف المكن دا احنا ماشيين عشرة، نزلو للسبعة تمانية صرنا فريبين من “الصرفند”، مش عاوزين يوقفونا مدة طويلة.
فقبض “أحمد” على عتلة بيده اليسرى وأرجعها إلى الخلف باتجاهه فخف صوت المحرك وأخذت الباخرة بالتباطؤ، عندها أستلم القبطان الدفة وقال ل”أحمد”:
– انزل هات لنا قهوة.
ترك “أحمد” الدفة ودار باتجاه السلم المؤدي إلى الأسفل، وقبل أن ينزل جمع بيديه بقايا أوراق السندويتشات وحمل فناجين الشاي والزجاجات الفارغة وهبط درجات ذلك السلم العامودي الضيق.
كان شريف لا يزال واقفا بقرب الباب، واضعا يده اليسرى على الرف الخشبي، حيث ترتكز الواجهة الزجاجية الأمامية لحجرة القيادة، سارحا بنظره إلى البعيد. فنور الشمس بدأ يسطع في الخارج وقد انقشع الأفق البعيد في الغرب وظهرت في الشرق بعض التلال التي لم يستطع تمييزها ولو أنه معروف بدقته في التوجه ومعرفة الأرض وتضاريسها.