الكولونيل شربل بركات/(04 من 04)مجزرة بلدة عين إبل 05 أيار سنة 1920 والتي كان من نتائجها سقوط حكم فيصل واعلان دولة لبنان الكبير

501

الكولونيل شربل بركات/(04 من 04)مجزرة بلدة عين إبل 05 أيار سنة 1920 والتي كان من نتائجها سقوط حكم فيصل واعلان دولة لبنان الكبير
01 أيار/2020

وصل أغلب أهالي عين إبل إلى قرية كفربرعم المارونية على الحدود داخل فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني. وأكمل بعضهم إلى قرية الجش القريبة. ونزلوا عند الأصدقاء والأقارب.

وفي صباح اليوم الثاني وصل أمر من الحاكم العسكري في صفد يطلب إلى جميع المهجرين الانتقال إلى مدينة صفد. وهناك كانت حضرت لهم أماكن للسكن المؤقت في المدارس. وقامت بعض الجمعيات اليهودية بالتبرع بتزويدهم بالطعام والشراب لكامل المدة التي أمضوها هناك. وفي اليوم الثالث حضر الحاكم العسكري وطلب الاجتماع مع ممثلي البلدة ومنهم المخاتير والكهنة والناجون من زعماء العائلات. فرحب بهم وسأل عن حاجاتهم وما يقدم لهم من مساعدات. وأظهر تاثره بالأحداث التي جرت.

وكان رد الجميع بأنهم  يتمنون العودة إلى قريتهم باسرع وقت. فاقترح عليهم توقيع التماس إلى حكومة جلالة الملك جورج طلبا للحماية وعندها يمكن العمل لاعادتهم إلى قريتهم فورا بحماية الجيش البريطاني. وكان رد ممثلي الأهالي شكر حضرة الحاكم على كل ما قدم من المساعدات والرعاية ولكن فيما خص توقيع الالتماس بالحماية البريطانية فإن لنا مشورة في ذلك ولا نستطيع تقديم إي طلب قبل حصولها. عندها أمر الحاكم بنقلهم إلى حيفا تحضيرا لعودتهم بواسطة الزوارق إلى صور. وفي حيفا قام المطران حجار باستقبال المهجرين ومساعدتهم على الاقامة ريثما يعودون إلى لبنان.

بقيت عين إبل مدة ثلاثة أسابيع عرضة للنهب والحرق ولم يقم أحد من سكان المنطقة باستنكار الحادث ولا بالعمل على اعادة المهجرين أو حتى دفن الموتى. وفي هذه الأثناء قام الجيش الفرنسي بارسال قوة من 1000 جندي بحرا إلى صور وضعت تحت قيادة الكولونيل “نيجر”. وبدأت هذه القوة منذ أوائل حزيران تنظيف المنطقة من فلول العصابات.

وقد تبخرت القوات المعادية تماما ولم يجرؤ أحد على مواجهة القوة الفرنسية. وفي هذه الاثناء بدأ أهالي عين إبل بالوصول إلى صور بحرا. ومن ثم أنتقل بعض الشباب إلى البلدة لدفن الموتى ومحاولة تأمين أماكن لعودة السكان. وعلى صعيد آخر نقل عن “كامل بيك الأسعد” وعند لقائه صدفة أحد أبناء عين إبل بعد حوالي شهر على الحادثة قوله “أن عين إبل خسرت بالفعل أبناءها ولكن الشيعة خسروا شرفهم”.

أما على الصعيد السياسي فقد كان رئيس الوزراء في حكومة الملك فيصل “علي رضا الركابي” قد قدم استقالته في الثالث من ايار، اي قبل يومين من مجزرة عين إبل، احتجاجا على حماس الخط المتشدد الذي كان يدعو لمواجهة الفرنسيين بالقوة واعتقاده بأن استعمال القوة ليس من مصلحة المملكة العربية. فعين “هاشم الأتاسي” رئيسا للوزراء مكانه وبقي “يوسف العظمة” وزير الحربية وصاحب نظرية المواجهة يحضر الأرض ويحشد المتطوعين لمحاربة الفرنسيين.

وبعد مجزرة عين إبل بدأ “العظمة” جولته على الشمال السوري لحشد المتطوعين، خاصة من منطقة حلب، واثناء زيارته لحلب اتصل بجماعة الأناضول من جيش “اتاتورك” محاولا التنسيق والحصول على المزيد من الاسلحة والذخائر ولكنه لم ينجح في مسعاه على ما يبدو ولا حتى في تطويع عدد كبير من السوريين لتأليف جيش يمكنه مواجهة الفرنسيين التي أصبحت جدية هذه المرة.

بعد الاحداث التي جرت في جبل عامل وسيطرت القوات الفرنسية على الأرض حتى الحدود السورية تقريبا وبعد أن عاد “العظمة” خائبا من جولته في الشمال السوري واتصاله بالأتراك نزلت قوات فرنسية جديدة في بيروت وبدأت بالتوجه إلى البقاع اللبناني. في الرابع عشر من تموز 1920 أعطى الجنرال “غورو” انذارا للملك “فيضل” لحل الجيش العربي والقبول بالانتداب الفرنسي وإلا فعليه مواجهة القوات الفرنسية وذلك في مهلة تنتهي في 22  تموز 1920 أي بعد ثمانية ايام من صدور الانذار. في 18 تموز 1920 وافق “فيصل” وكل أعضاء الحكومة ما عدى وزير الحربية “العظمة” على الشروط الفرنسية ويقال بأن “فيصل” أمر بحل القوات التي ترابط في عنجر.

ولكن جماعة “يوسف العظمة” حركت الشارع وقامت بمظاهرات شكلية للضغط على الحكومة.  فلم يبلغ “فيصل” الجنرال “غورو” بالموافقة مع أنه كان هناك ضابط ارتباط فرنسي يقيم في دمشق من أجل أمور كهذه. وقيل بعد ذلك أن فيضل ابلغ ضابط الارتباط في 20 تموز بقبوله الانذار ولكن ” غورو” لم يتلقى الرد الا في 21 تموز. عندها استدرك “فيصل” خطورة الأمر وحاول استعطاف الجنرال “غورو” فأرسل وزير التربية “ساطي الحصري” و”جميل الأولشي” الممثل السابق للحكومة العربية في بيروت لمقابلته في عاليه واقناعه بوقف الزحف إلى دمشق. قبل الجنرال غورو تمديد الانذار ليوم واحد ولكنه اضاف شرطا جديدا وهو أن يتم انشأ بعثة فرنسية صغيرة في دمشق لمراقبة تنفيذ بنود الانذار. أسرع “الحصري” إلى دمشق في نفس اليوم ونقل مطالب “غورو”.

دعى الملك “فيصل” الحكومة للاجتماع في 23 تموز للنظر في الشروط الجديدة وفي اثناء الاجتماع قاطع الكولونيل “كوس” ضابط الارتباط الفرنسي الجلسة بناء على طلب من الجنرال “غورو” للسماح للقوات الفرنسية بالتقدم باتجاه ميسلون حيث يوجد كثير من آبار المياه. كانت خطوة الكولونيل الفرنسي بمناسبة اشارة بالنسبة للسوريين بأن القوات الفرنسية قادمة فقاموا برفض الانذار. وهكذا فاز تيار وزير الحربية “يوسف العظمة” بفرصته لمواجهة الفرنسيين.

من الطبيعي أن ينتصر الجيش الفرنسي المجهز بالدبابات والذي تسانده المدفعية والطائرات على قوات “العظمة” المؤلفة من بقايا جنود أتراك وبعض الخيالة العرب ومتطوعين بسيطي التسليح. وقد استبسل وزير الحربية حتى الاستشهاد في هذه المعركة. وكانت النتيجة دخول الجيش الفرنسي إلى دمشق وسقوط الحلم “بالمملكة العربية”.

ولكن هل يمكن القول بأن “يوسف العظمة” بتعنته وقتاله الفرنسيين ترك في قلوب السوريين خاصة تلك الروح الرافضة التي لا تزال إلى اليوم ترافقهم في كل تحركاتهم. ما جعل بلاد الشام بؤرة للمعارضة والحقد على كل المشاريع التي تعرض. فهل هذا ما أراده “العظمة”؟ وماذا كان سيحل بالمنطقة لو أن الملك “فيصل” كان قبل بشروط الفرنسيين وبنى رويضا “مملكة سورية” الفدرالية ونظمها تحت اشراف فرنسا وبريطانيا. وهل كان بالامكان تجنب كل الصراعات التي نشأت لاحقا من حروب فلسطين إلى الانقلابات المتكررة في سوريا والعراق إلى حرب لبنان وحتى ما يسمى “بالمقاومة الإيرانية” اليوم ونتائج تدخلها واعادة تفتيت سوريا وفتح شهية تركيا “اردوغان”؟

بعد سنة من المجزرة عادت عين إبل لتنطلق من جديد وتجمع بنيها في احتفال مهيب بمناسبة الخامس من ايار وتقوم بتدشين قبر الشهداء الذي بني بهمهم ومساعدة أخوتهم المهاجرين في الأرجنتين وقد شاءوا له أن يكون كبيرا بكبر الماساة وبقرب الكنيسة التي كانوا افتخروا ببنائها وسقفها بالقرميد قبل حدوث المجزرة. وهم خسروا حوالي المئة شهيد كتبوا اسماء بعضهم على لوحة من الرخام في الجهة الخلفية من القبر بينما زينت واجهته لوحة نقشت عليها أبيات شعر كان قالها أحد الشعراء اللبنانيين في مناسبة الاحتفال بذكرى المجزرة وتقول:

يا سائرا عج بالضريح تكـرمـا             وأذرف دموعـا حســرة وتـألـما

وقل السلام على رفات شبـيـبـة            قد ضمهـا رمـس تـدّرج بالـدمـا

حي العذارى والشيوخ ورضعا             وأراملا بل حي هذي الأعـظمـا

هذي ضحـايا أنشبـت أنيـابـهـا             فيها ضواري قد ابت أن ترحما

شهداء قد بلغ السماء صراخهم           فـالله يـفـعـل فـي جـنـاة مـثـلمـا   

وقد بقيت عين إبل تحتفل بذكرى شهدائها طيلة المئة سنة الماضية بمسيرة إلى ساحة القبر لطلاب المدارس وببعض الكلمات التي تنوه بالبطولة والتضحية أمام المجتمعين من أبناء البلدة وقد اقتصرت هذه المناسبة بعد الحرب على وضع أكاليل الزهور والقاء النشيد العينابلي من قبل عناصر الكشافة (ربطا كلمات هذا النشيد).                     

الملاحق:
عدد القتلى خلال الحرب العالمية الأولى:
المانيا 1800000
روسيا 1700000
فرنسا 1150000
النمسا 1016000
بريطانيا 744000
ايطاليا 460000
تركيا 305000
استراليا 61000
كندا 56000

 نشيد عين إبل:
حبذا قريتنا      فخرنا بهجتنا
عزنا منيتنا     ومهب الكـرم
فلنكن نحن الشباب في حماها أسد غاب
في وئام ووثاب  عند دفع النقـم
ويروي قريتي    منبع الحرية
بالنفوس الحرة   والابا والشمم
وبأم النور قد     أمنت كل نكد
وهي فيها للأبد   مشعل في علم
ومقر الشهداء    من فدوها بالدماء
هكذا كل علاء     اسه سفك الدم
فبعين ابل افخروا  يا بنيها واكبروا
ومعانيها انشروا    فوق كل الأمم
فلتعش أوطاننا     وليصن لبناننا
أرزة استقلالنا   في أعالي القمم

*اتفاقية فيصل ووايزمان التي وقعت من قبل الأمير فيصل بن حسين بن علي مع حاييم فايتسمان رئيس المنظمة الصهيونية آنذاك وأول رؤساء إسرائيل لاحقا في مؤتمر باريس للسلام 1919 م للتعاون بين العرب واليهود في الشرق الأوسط.[8]
«إن الأمير فيصل ممثل المملكة العربية الحجازية والقائم بالعمل نيابة عنها والدكتور حاييم وايزمان ممثل المنظمة الصهيونية والقائم بالعمل نيابة عنها، يدركان القرابة الجنسية والصلات القديمة القائمة بين العرب والشعب اليهودي ويتحقق أن أضمن الوسائل لبلوغ غاية أهدافهما الوطنية هو في اتخاذ أقصى ما يمكن من التعاون سبيل تقدم الدولة العربية وفلسطين ولكونهما يرغبان في زيادة توطيد حسن التفاهم الذي بينهما فقد اتفقا على المواد التالية:
1- يجب أن يسود جميع علاقات والتزامات الدولة العربية وفلسطين أقصى النوايا الحسنة والتفاهم المخلص وللوصول إلى هذه الغاية تؤسس ويحتفظ بوكالات عربية ويهود معتمدة حسب الأصول في بلد كل منهما.
2- تحدد بعد اتمام مشاورات مؤتمر السلام مباشرة الحدود النهائية بين الدول العربية وفلسطين من قبل لجنة يتفق على تعيينها من قبل الطرفين المتعاقدين.
3- عند إنشاء دستور إدارة فلسطين تتخذ جميع الإجراءات التي من شأنها تقديم أوفى الضمانات لتنفيذ وعد الحكومة البريطانية المؤرخ في اليوم الثاني من شهر نوفمبر سنة 1917.
4- يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مدى واسع والحث عليها وبأقصى مايمكن من السرعة لاستقرار المهاجرين في الأرض عن طريق الاسكان الواسع والزراعة الكثيفة. ولدى اتخاذ مثل هذه الإجراءات يجب أن تحفظ حقوق الفلاحين والمزارعين المستأجرين العرب ويجب أن يساعدوا في سيرهم نحو التقدم الاقتصادي.

*اضغط هنا لقراءة الحلقة الأولي من الدراسة التي في أعلى
*أضغط هنا لقراءة الحلقة الثانية من الدراسة التي في أعلى
*أضغط هنا لقراءة الحلقة الثالثة من الدراسة التي في أعلى
*أضغط هنا لقراءة الحلقة الرابعة من الدراسة التي في أعلى

الأمير فيصل مع حاييم فايتسمان
الجنرال غورو
أدهم خنجر وصادق حمزة
اعلان لبنان الكبير من قصر الصنوبر
البطريرك الماروني الياس الحويك
قبر الشهداء في ساحة الكنيسة
جريدة البشير سنة 1920
صورة عن رسالة عين إبل إلى لجنة كينغ – كرين الأميركية