الياس الزغبي/ في الإرهاب المقارَن

253

 في الإرهاب المقارَن
الياس الزغبي
07 أيلول/14

يبذل الثنائي نظام الأسد – “حزب الله” جهوداً متصاعدة لسحب صورته عن الوجه الآخر لعملة الإرهاب، بعدما بيّنت تطوّرات الوضع في لبنان وسوريّا والعراق تكامل الوجهين وتطابقهما في الوسائل والأهداف. النظام يستميت لتقديم أوراق اعتماده في الجبهة الإقليميّة – الدوليّة العتيدة لمواجهة “داعش” وأقرانها، و”حزب الله” يستميت في محاولة تقديم نفسه منقذاً للبنان بشيعته وسنّته ومسيحيّيه ودروزه وعلويّيه! والإثنان يوظّفان مأساة عرسال ومخطوفي الجيش لإعادة الدولة اللبنانيّة، عبر حكومتها السلاميّة، إلى حضن النظام. ولا يوفّر “حزب الله” مناسبة إلاّ ويستخدمها لنفي تشبيهه ب”داعش”، سواء في وسائل إعلامه، أو عبر حلفائه، أو في الندوات والنقاشات التلفزيونيّة، أو حتّى على ألسنة “وسطيّة” وسيطة مثل وليد جنبلاط وسواه. لم يكن “حزب الله” والنظام في حاجة إلى هذه الحملة المركّزة لو كان ذاك الدخان بدون نار! المقارنة بين الإرهابَيْن ليست مجرّد ترف فكري سياسي، ولا فقط نتيجة استخدام الوسائل نفسها: “داعش” بقطع الرؤوس بالخناجر، والثنائي بالإبادة الجماعيّة عبرالفتك الجوّي والبرّي، وقطع رؤوس الخصوم.

بل هي في الأهداف أيضاً: إقامة بيئة مذهبيّة صافية يتحوّل فيها الآخرون (سنّة ومسيحيّون ودروز..) إلى محميّات بشريّة راضخة، على قاعدة نظام أهل الذمّة، وبسط الحمايات. هذا ما فعلاه ويفعلانه من حمص إلى القصير إلى القلمون وريف دمشق وصولاً إلى عرسال والبقاع الشمالي، بما يُشبه المسح الذي قامت وتقوم به إسرائيل في فلسطين، وبما يُشبه ما قام به نازيّو وفاشستيّو أوروبا منذ ثلاثة أرباع القرن. ولم يَعُدْ مشروع الدولة العلويّة الشيعيّة من اللاذقيّة إلى الناقورة مسألة تبصير أو تخمين. هو في طور الترسيم. أمّا حظّه من النجاح والاستكمال ، فمسألة أُخرى قابلة للنفي والشك. وقد باتت الحلقة اللبنانيّة من المشروع في طور الاختبار العملي، ليس فقط عبر مسألة عرسال والتلميح إلى عكّار وطرابلس.. بل في الأداء السياسي الرفضي الموصوف، وتكفير كلّ خطوة إيجابيّة أو مبادرة.

هكذا واجهوا الخطاب التاريخي التأسيسي للرئيس فؤاد السنيورة في مؤتمر “لقاء سيّدة الجبل”. قال إنّ المسيحيّين في الأشرفية ولبنان يشبههم ويشبهونه، وهم أقرب إليه من ولاية “داعش” وولاية “الفقيه”، فسفّهوه وكفّروه، مستأجرين ألسنة مسيحيّين معقودة عندهم.

وقبل ذلك سفّهوا وكفّروا مقولة “لبنان أوّلاً”، وشعار تحييد لبنان عبر “إعلان بعبدا” وكفّروا مطلقه الرئيس ميشال سليمان ويلاحقونه إلى ما بعد بعد بعبدا، كفّروا(ضمناً ومواربةً) البطريرك الراعي، كفّروا كلّ من يسعى لإطلاق المخطوفين بحجّة عدم التفاوض مع إرهابيّين، كأنّما تفاوضهم مع إسرائيل حول الأسرى والجثث طهر وقداسة!  وكفّروا أخيراً مبادرة “14 آذار” للخروج من المأزق الرئاسي.

أليس كلّ هذا التكفير “داعشيّة” موصوفة تكمّل الوجه الآخر لحقيقة الإرهاب الواحد؟ لا تكتمل محاربة الإرهاب إلاّ بضرب وجهَيْه، وما يسعى إليه حلف شمال الأطلسي في تشكيل جبهة واسعة لمكافحة “داعش” يبقى مبتوراً إذا لم يتمّ عزل البيئة الحاضنة.

وخلافاً للتفسير الرائج أنّ السنّة هم هذه البيئة الحاضنة، فقد بات واضحاً أنّ الإرهاب نشأ وترعرع ونما في كنف الإسلام السياسي الحديث الذي أطلقته “الثورة الإسلاميّة” في إيران قبل 35 عاماً، وفي كنف الرعاة القدماء والجدد مثل نوري المالكي وبشّار الأسد وسائر فروع “فيلق القدس”! وليس صحيحاً أنّ المسلمين باتوا أسرى وجهَي التطرّف والإرهاب: سنّة وشيعة في حرب قدريّة مفتوحة، وفي صراع أئمّة وخلفاء لا ينتهي، ويسحقون الأقليّات تحت سنابك خيولهم.  تكفي معاينة لقاءات جامعة ومؤتمرات عُقدت وستُعقد، من طرابلس إلى بيروت وآربيل والقاهرة وواشنطن، وأصوات تنادي بالاعتدال والحكمة والانفتاح، كي نرى العشرات بل المئات من أهل العقل والتنوّر يُنعشون الأمل بالحياة المشتركة ومواكبة العصر. وكان “لقاء سيّدة الجبل” إحدى العيّنات الواعدة والخلاّقة، في ما شهده من مداخلات وتفاعل المذاهب والأديان. والخطاب الأخير للعاهل السعودي عيّنة أُخرى شديدة البلاغة.

بين “داعش” الخناجر و”داعش” البراميل، بين “داعش” الأشرفيّه و”داعش” حائط مار الياس في الميناء، بين “داعش” قطع رؤوس الجنود والصحافيّين، و”داعش” قطع رأس لبنان وتدمير آماله، لا مجال للمفاضلة، ولا خيار بين سيّء وأسوأ. كان لنا زمن الأدب المقارَن ببعده الإنساني الحضاري، فأصبحنا في زمن الإرهاب المقارَن بوجهَيه. وتبقى بين الموتَيْن، مسافة للقيامة.