الياس الزغبي/في الداعشيّة السياسيّة

302

في الداعشيّة السياسيّة
الياس الزغبي
24 آب/24

أسوأ ما يصل إليه تنظيم أو جسم سياسي، حزب أو تيّار، هو البحث الدائم عن شعارات تغطّي مأزقه أو أزمته، في هروب مستمر إلى الأمام، حتّى لا يبقى هناك أمام، ويُصبح كلّه وراء، كطيف سياسي عَبَر.

هذا هو واقع تيّار العماد ميشال عون، وهذه هي حقيقته المرّة، التي لا يريد أركانه الإعتراف بها، أو هم يعرفونها وليس أمامهم سوى قَدَر متابعتها، في تذكرة ذهاب بلا إياب!

منذ أكثر من ربع قرن، طَحَنَ عون دزّينة، على الأقلّ، من هذه الشعارات: يطوي واحداً ويخترع آخر، بما يشبه الحركة السيزيفيّة المحكومة بالخيبة. هذه الخيبة كانت دائماً نتيجة عطل في صاحبها وليس في شعارها وأحقّيته.

بدأ بشعار السيادة والاستقلال والحريّة، واستهلك عناوينه الأخرى، بما فيها الحداثة، وضرب الإقطاع،و”الإصلاح والتغيير”، ومكافحة الفساد، و”الإبراء المستحيل”، والشراكة، و”المشرقيّة”، والحجّ إلى أرض مارون، والسيبة الثلاثيّة… وصولاً إلى الانتخاب المذهبي رئيساً ونوّاباً، والآن آخر أرانبه: “الداعشيّة السياسيّة”!

وليس صعباً اكتشاف مدى خواء كلّ هذه الشعارات والعناوين من مضمونها الحقيقي، بل تطبيق عكسها: فالسيادة والاستقلال واجههما بالالتحاق والتسليم بهما لعدوّيهما، “حزب الله” ونظام الأسد، والدولة القويّة بالجيش القوي ركّب عليها السلاح الحزبي، والفساد ضرب حضنه وبطانته، والشراكة جعلها مطيّة لطموحاته الشخصيّة مع ذريّته، و”المشرقيّة” حوّلها دعوة مفتوحة لتأييد الديكتاتوريّة الدمويّة وتكريسها، والحداثة صارت عنده توريثاً وتمنّعاً عن بناء حزب ديمقراطي عصري، والإقطاع السياسي بات نهجاً في إدارة تيّاره.

أمّا المثالثة فهدف خفي، خانه التعبير مراراً في التستّر عليه، طالما أنّها يمكن أن تطوّبه زعيماً ورئيساً “أوحد”. ولم يكن طرح ثلاتيّته الإنقاذيّة( هو والحريري ونصرالله) سوى إعلان صارخ عنها.

وبعد تهاوي كلّ هذه الشعارات، ارتأى “الأفذاذ” حوله ابتكار أشدّ الشعارات تغرّباً عن الواقع وحقائق السياسة: إنتخاب الرئيس من الشعبَيْن! والتهويل ب”الداعشيّة السياسيّة”.

ومن السهل تصوّر المصير ذاته للشعارات السابقة، طالما العطل كامن في صاحبها ومستشاريه القدامى والمستحدثين.

في انتخاب الرئيس من “الشعبين”، واضح كم أنّه يجافي الحقيقة، والأشدّ وضوحاً رهان أصحابه على الكتلة الشيعيّة الحاسمة في التصويت. فمن يضمن بقاء هذه الكتلة متراصّة في الاستحقاقات المقبلة وتبدّل التحالفات، ومن يضمن عدم صبّ أصوات المسلمين مع الأقلّ تمثيلاً للمسيحيّين بين الإثنين الأوّلَيْن؟ المخزي في الأمر أنّ حساب أهل هذا الطرح لا يبلغ سوى المدى الزمني والجغرافي القصير(ليس أبعد من الأنف) خدمةّ لفرصة صاحبهم الأخيرة. أمّا استنباط شعار “الداعشيّة السياسيّة” فهو لا يتعدّى اللعبة اللفظيّة، تماماً كما ألعاب الكلام في عصر الانحطاط. فمن هم “داعشو السياسة” في لبنان؟

إذا كان القصد سعد الحريري وتيّار المستقبل، فهرولة أصحاب الشعار نحوهما من أجل الرئاسة تنقض الأمر، إضافةً إلى إنكارهم وجود بيئة حاضنة للإرهاب، والتي تاجروا وفاجروا بها طويلاً. والأكيد أنّ تهمة “الداعشيّة السياسيّة” سيرفعونها سريعاً عن فريق الحريري إذا وافق على انتخاب عون رئيساً. ألم يفعلوا ذلك في لحسهم “الإبراء المستحيل” وحملتهم على الحريريّة السياسيّة، إبناً عن أب؟ وقبلها قصّة أجراس الجبل مع وليد جنبلاط؟ وقبلهما لعنة سلاح “حزب الله” ونظام آل الأسد؟ وإذا أصرّ هؤلاء على شعار “الداعشيّة السياسيّة” فلن يجدوا تطبيقاً له إلاّ عند حليفهم(قائدهم) “حزب الله”.

أليست “الداعشيّة” تعني تخوين الآخر وتكفيره تمهيداً لإلغائه؟ أليس هذا ما ارتكبه في 7 أيّار وفي إطاحته حكومة الحريري بالقوّة المسلّحة، و من منبر عون نفسه؟ أليس “داعشيّة” حجب مواقع إداريّة مهمّة عن المسيحيّين والاستيلاء على عقاراتهم ومراقبة عاداتهم وتقاليدهم، والتغلغل المسلّح في عمق مناطقهم؟ المشكلة أنّهم يحاولون تلبيس الجريمة لضحيّتها: هذا ما فعلوه في اغتيال رفيق الحريري، وفي إلغاء قادة من 14 آذار، وفي المحكمة وشهود الزور، وفي “فتح الإسلام”، والآن في “داعش”. قد يكون أفذاذ الشعار الجديد الذي أطلقوه في البكائيّة الأندلسيّة الأخيرة، لم ينتبهوا إلى وقوعهم في فخّ التهمة الذاتيّة، لأنّها لا تنطبق على تيّار المستقبل وقوى 14 آذار عموماً، ولا على الفريق الوسطي برمزيه ميشال سليمان ووليد جنبلاط. فمن يكون إذذاك “الداعشيّون” الفعليّون؟ حين يُعمي الطموح الشخصي الأبصار، وتضرب الجهالة تائهيّ السياسة، تكون النهاية باتت على قاب قوسين. وماكينة توليد الشعارات الخاوية يأكلها الصدأ.