والتر راسل ميد/ هل الأسد في طريقه إلى المغادرة؟

246

 هل الأسد في طريقه إلى المغادرة؟
والتر راسل ميد/السياسة/02 أيار/15

كانت النتيجة المباشرة لسياسة الولايات المتحدة في السنوات القليلة الماضية هي ان وجود بشار الاسد او خروجه سوف يسبب فوضى, ورغم ذلك فان سقوطه قد يمثل بداية لعملية اعادة توازن حاسمة في منطقة الشرق الاوسط.

تصعب رؤية الاحداث بوضوح في هذه الاجواء الملبدة بغيوم المعارك, لكن السفير الاميركي السابق في دمشق روبرت فورد وهو احد المراقبين المطلعين ممن لهم رؤى واضحة حول الحرب السورية بدأ يرى بعض العلامات المهمة على الانهاك الذي اصاب نظام الاسد, وبالتحديد الانشقاق الذي حدث داخل هذا النظام.

هناك اربعة اجهزة امنية سرية تشكل قوة النظام وفي منتصف مارس الماضي اعلن النظام ان رأسي اثنين من قادته قد اطيحا فاقصاء مدير الامن السياسي رستم غزالة ومدير المخابرات العسكرية السورية رفيق شحادة كان عملا غير مسبوق وهناك تقارير غير مؤكدة عن ان غزالة وشحادة قد سقطا بسبب اعتماد النظام على ايران, وهناك تقارير غير مؤكدة ايضا من ان غزالة قد تعرض لاعتداء جسدي دخل على اثره المستشفى للعلاج.

دلائل نفاذ موارد النظام
في حرب استنزاف: رغم اعلان قوى المعارضة المسلحة خطتها لمهاجمة مركز محافظة ادلب قبل اسابيع من سقوطها افتقر النظام للقوات التي تكفي لتحصين المدينة وتأمينها وقد سقطت في 28 مارس الماضي اي بعد اسبوع واحد من بدء المعركة ومنذ ذلك الحين شرع النظام في اعادة تجميع قواته لشن هجوم مضاد لكن مكاسبه كانت محدودة, وفي الجانب الاخر من البلاد, وبالقرب من الحدود الاردنية فقد النظام معقلا اقليميا هو بصرى الشام في 25 مارس الماضي, وبعد ذلك معبر نصيب الحدودي المهم في الثاني من ابريل الماضي, وهو اخر المعابر المفتوحة مع الاردن, وتم دحر الهجمات المضادة التي شنها النظام في تلك المناطق, واجمالا يبدو ان النظام اصبح في موقف دفاعي وسيطرته على غرب حلب غير مأمونة بسبب حشاشة خطوط تموينية.

دلائل تعب قاعدة دعم النظام
من ويلات الحرب
بعد عشرات الالاف من الخسائر في صفوف جماعة العلويين التي انهكتها المعارك وتريد الخلاص ولما لم تلق اساليب التجنيد الاجباري التي يطبقه االنظام في اللاذقية ودمشق تأييدا جماهيريا بل نسمع في المقابل قصصا لعائلات تسعى الى اخراج ابنائها من سورية على النقيض من الشيعة العراقيين الذين استجابوا بقوة لنداء اية الله السيستاني الذي دعاهم للتعبئة العامة لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق علاوة على ان حركة صرخة الوطن وهي حركة نشأت بين اوساط طائفية العلويين ما زالت حية رغم جهود النظام لاقتلاعها في اعقاب الخسائر الفادحة التي تكبدها النظام بعد ضياع مطار الطبقة الجوي في صيف العام 2013 .

ان الحاق الهزيمة بالاسد هي افضل ما يمكن حدوثه في الشرق الاوسط في ظل الازمة ويحمل دلالات بان هزيمة ايران في قلب المنطقة سوف تساعد على الحفاظ على توازن القوى بين السنة والشيعة كأساس لنظام اقليمي جديد.

اذ عندما سقط نظام صدام حسين الديكتاتور العلماني كان اسميا يحمي هيمنة الاقلية السنية في العراق سقطت العراق في يد المعسكر الشيعي وما كان ذلك ممكنا لو ان الولايات المتحدة كانت لديها الرغبة في التمسك بالعراق ومساعدته على ايجاد طريق يضمن عدم اصطفاف العراق مع ايران ولكن عندما انسحبت ادارة اوباما قبل الاوان تاركه البلاد من دون بديل حقيقي سقطت البلاد في فلك ايران ما عرض التوازن الاقليمي للفوضى كما تسبب مثل الولايات المتحدة ناحية ايران في فقدان العالم السني لاستقراره وادى الى اضعاف تحالفات كانت قد صمدت طويلا مع الولايات المتحدة بل تصاعد التعاطف مع الجماعات السنية المتطرفة مثل تنظيم الدولة الاسلامية داعش واستعد العرب السنة لخوض غمار حرب طائفية.

هنا يصبح تغيير النظام في سورية ذات فائدة فنظام بشار الاسد هو صورة مقابلة لنظام صدام حسين, فهو اسمي علماني, لكنه في الحقيقة يضمن هيمنة طائفة العلويين الشيعة الصغايرة على غالبية اهل سورية من السنة لذلك فان سقوطه سيكون له تأثير اللطمة في لبنان, حيث ستضعف الحركة السياسية للشيعة الموالين لايران الى حد كبير من خلال انهيار من كان يحميهم زمنا طويلا وحليفهم في دمشق, مما سيقطع شوطا طويلا نحو اصلاح عدم التوازن الطائفي في المنطقة لان الشيعة والايرانيين اذا سيطروا على كل من العراق وسورية, فانهم سيسطرون على لبنان ايضا وسوف يقلق كثير من السنة ولكن اذا تعزز السنة في سورية فان الامور ستتوزان تقريبا.

عند هذه النقطة, قد تفلح السياسة الابداعية والسياسات الذكية في بدء التهدئة في المنطقة على اساس الحقائق الجديدة, ولن تندلع الحروب الطافية المريرة بين عشية وضحاها,لان مثل هذه الحروب حالما تندلع نادرا ما تنتهي سريعا, وبشكل غير مأسوي وفي سورية نجد ان داعش والجماعات الموالية لتنظيم القاعدة هي الاقوى من اي جماعات اخرى ممن ظل الغرب يغازلها سنوات طويلة ما نتج عنه فوضى حقيقية مرعبة.

ينبغي ان نتخلص من الوهم بشأن ما ينتظرنا من مشكلات فعدم تحرك الولايات المتحدة ساعد على خلق اكثر البيئات السياسية المسمومة في سورية وسوف تستمر معنا هذه العواقب لوقت طويل.

ان الحاق الهزيمة مبكراً بالاسد في الحرب كان سيجعل الثوار اقل راديكالية وتطرفا واقل ميلا للانتقام عما كانوا عليه خلال سنوات القتال المريرة كما يعني سقوط الاسد شيئا اكثر سوداوية اليوم عندما تصبح بدائل الاسد كريهة بشكل كبير.

ومع ذلك فان اي شيء يساعد على استعادة التوازن المعقول بين الشيعة والسنة او على الاقل شعاع من النور وسط مشهد حالك السواد, ومهما كان الرعب الذي سينطلق في سورية اذا تمكنت المعارضة التطرفة بعقليتها الانتقامية من الحاق الهزيمة بالاسد فان ذلك سوف يجعل الجهود الديبلوماسية لادارة اوباما اسهل نسبيا امام نظام الاسد الغارق في الدم والذي يقف صفا واحدا مع ايران.

ان شبح اصطفاف الولايات المتحدة مع ايران المنتصرة سبب القلق للعرب السنة لكن اذا تلقت الطموحات الاقليمية الايرانية كبحا حاسما, فسيكون امام الولايات المتحدة مجالا اكبر للمناورة.

لقد بددت سياسة الولايات المتحدة من الفوائد المحتملة من الحاق الهزيمة بالاسد لان السنة في كل مكان لن ينسوا التردد والارتعاش الذي حطم امالهم, وكانت واشنطن بذلك مساهما رئيسيا في الازمة السورية فالتخلي عن القيادة السياسية سيتردد صداه طويلا في الذاكرة التاريخية اكثر من المساعدات الانسانية التي قدمتها واشنطن انقاذا لاسمها وسمعتها وهذا عمل على تمكين الجاهديين في سورية وحصدوا من خلاله مكاسب هائلة وتحولوا الى شخصيات اسطورية في العالم السني واذا سقط الاسد سيكونون المشكلة الباقية امام الولايات المتحدة وحلفائها وعلى الارجح ستكون اكثر المشكلات خطورة وصعبة والتي سيرثها الرئيس القادم لاميركا فلا ينبغي ان يحدث تحسن ستراتيجي لموقف غلاة الارهابيين في العالم نتيجة سقوط الاسد لكن سياسة الولايات المتحدة جعلت هذه النتيجة اكثر احتمالا.

قد يكون لسقوط الاسد مضاعفات بارزة على الستراتيجية الاميركية حيال ايران لانها اذا سقط عميلها السوري, وتعرضت قوتها الاقليمية وهيبتها لضربة ساحقة فهل تتقدم ايران خطوات في موقفها من الاتفاق النووي؟ اذا كانت الاجابة نعم وجعلت الهزيمة ايران اكثر مرونة فهذه اخبار سارة لكنها تشير الى ان الولايات المتحدة لم تتخذ حتى الان خطا متشددا واذا ادى الحاق الهزيمة بايران الى ان تكون اكثر اذعانا فان الموقف الاقليمي القوي لادارة اوباما قد يسفر عن اتفاق نووي افضل مما يبدو اننا سنحصل عليه واذا كان العكس وسببت الهزيمة في سورية في ان تكون ايران اكثر تشددا فان الادارة ستفشل على الارجح في الحصول على اتفاق نووي, ويكن ارثها في المنطقة قد نتج عنه نشر الفوضى في ليبيا, وتمكين مجموعة الارهابيين في سورية فضلا عن فشل سياسة الوفاق مع ايران.

يمكن لنظام ايراني معتدل في جوهره ان يتعايش مع سورية السنية لكن الحكام الحاليين في طهران يبدو انهم غير صبورين او هادئين لكي يتحقق ذلك ولذا يمكننا على الارجح ان نتوقع بعض الجهود الايرانية لمساندة العلويين ان لم تكن فيهم اسرة بشار الاسد.

ان سورية تعني الكثير لايران اكثر من اليمن ولن تتخلى طهران عن دمشق وبيروت من دون وجود جهود حقيقية لدعم نظام صديق في سورية وسنجد كلا الطرفين في الحرب السورية لديه جهات دعم خارجية اكثر تصميما ووحشية عما يتوقع اي انسان وقد تتعب ايران من الاسد لانه لم يتمكن من السيطرة على دمشق والدلائل تشير الى ضعف نظامه لكن ما زال الوقت مبكرا لتحقيق ذلك.

في الوقت ذاته ومع استمرار الحرب فان اكبر الخاسرين فيها كما جرت العادة هو الشعب السوري الذي يعاني وسوف يكون هناك مزيد من الانهيار الاقتصادي ومزيد من اللاجئين ومزيد من المذابح لانها حرب ضحيتها الشعوب وليست فقط حروب الصفوة ويخشى العلويون وحلفائهم من التصفية على ايدي اعدائهم اذا خسروا الحرب وهم على استعداد لارتكاب المجازر ضد خصومهم اذا كان ذلك ثمن عدم اصابتهم بمكروه.

اصبحت الحرب في سورية حرب بقاء مثل حروب البلقان التي اندلعت في تسعينات القرن الفائت او الصراعات اللبنانية التي دامت 15 عاما والحروب التي اعتقدت فيها مجتمعات كاملة ان بقاءها على قيد الحياة معرضة للخطر, فتحولت الى البشاعة الوحشية باسرع ما يمكن.

قد نظن اننا شاهدنا الاسوأ في سورية حتى الان لكن ما هو قادم مع استمرار هذه الحرب قد يكون الاكثر سوءا.

عن “اميركان انترست”/ترجمة – أحمد عبدالعزيز