محمد سعيد الحايك/08 آذار: عندما بدأت نهايتكم

371

08  آذار: عندما بدأت نهايتكم
 محمد سعيد الحايك/جنوبية/الخميس، 30 أبريل 2015  

 كيف بدأت نهاية 8 آذار تدريجياً في خطابات الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله، من آذار 2005 حتّى حرب تموز 2006 التي أتت لتخرج”السيّد” وحزبه من دائرة الضغوط والتشكيك في لبنانيته واستقلال قراره بعيداً عن طهران ودمشق، ثمّ دخوله إلى سوريا وسقطته هناك..   لم يكن خطاب الأمين العام لـ “حزب الله” السيّد حسن نصرالله في الثامن من آذار مارس عام 2005، خطاباً عادياً على غرار كل الخطابات التي سبقته وتلته على الإطلاق.

اختار السيّد المكان والزمان كعادته بعناية فائقة، تختصر سيرة رجلٍ وقائد فذٍ نازع يوماً جمال عبدالناصر في مكانته لدى العرب، ومسيرة حزب اقترن ماضيه الجميل بالشهادة والمقاومة التي روت بدمائها الطاهرة تراب الجنوب لتزهر حرية وتحريراً فجر يوم الخامس والعشرين من آيار مايو عام 2000.من ساحة رئيس الوزراء الأسبق الشهيد رياض الصلح الذي قضى على يد أبناء ورفقاء “الزوبعة الحمراء” (الحزب القومي السوري الاجتماعي)، وفي ذكرى وصول حزب البعث السوري إلى السلطة، وبعد مرور 3 أسابيع فقط على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، خرج نصرالله ليقول “شكراً سوريا الأسد … شكراً سوريا بشار حافظ الأسد”.كان من الممكن أن تمر عبارات الشكر تلك مرور الكرام لو أنها جاءت في مكان وزمان غير الذي قيِلت فيه، أو لو أنها وُظّفت فقط في سياق “الوفاء” ورد الجميل لدمشق على دورها الكبير في تسليح ودعم الحزب “الإلهي” وتأمين الغطاء السياسي لمشروعه “المقاوم”، ولكنها أتت في لحظة مفصلية لا تحتمل المقامرة أو التأويل، كونها شهدت اغتيال قامة كبيرة بحجم رفيق الحريري.

لم يدرك السيّد وقع كلمات الثناء والتبجيل والإشادة بنظام السوري على الشارع السنّي المفجوع بخسارة زعيمه الاستثنائي، فجلّ ما كان يشغل باله حينذاك الوقوف بجانب الأسد الصغير، وكأن اغتيال رئيس الحكومة الأسبق تفصيل بسيط وحدث عابر لا يستحق التوقف عنده، أو يستحق على أبعد تقدير قراءة الفاتحة على روح “الشهيد” طيلة ثلاثة أيام العزاء … وانتهى الموضوع.مبررات كثيرة ساقها الحزب في إطار السعي للتخفيف من وطأة عبارات الشكر المشؤومة، ولكن اتهام أنصار الحريري النظام السوري باغتيال الرجل كان أكبر من كل تلك التبريرات الساذجة.لم تكد تصل نهاية العام 2005، حتى بدا جلياً أن الحزب يريد القطيعة الكاملة مع كل ما يمت لإرث وتاريخ وسيرة الحريري بصلة، فمشهد الجموع الغفيرة على ضريح الرفيق بات يزعج الحزب، وتسمية القتلة المجرمين تقض مضجعه، أما المحكمة الدولية فهي رجس من عمل الشيطان … فاجتنبوه. تعطيل وانسحاب حكومي وصراخ وشتائم وحرب إعلامية شعواء وخبراء وقضاة ومحللين يطعنون في صدقية المحكمة حتى قبل أن تنشأ.جاءت حرب تموز 2006 لتخرج “السيّد” وحزبه من دائرة الضغوط والتشكيك في لبنانيته واستقلال قراره بعيداً عن طهران ودمشق، فأحسن استغلال الفرصة على الوجه المطلوب، وتحوّل من موقع الدفاع إلى الهجوم من خلال كيل اتهامات العمالة والخيانة لكل من يعارض خطه ومشروعه السياسي لمجرد انتقاد تفرّد أصحاب “الراية الصفراء” في قرار السلم والحرب.

كان من الصعب حينذاك إيجاد صفة واحدة تجمع أركان تحالف الرابع عشر من آذار، سعد الحريري (السني زعيم التيار العلماني) وليد جنبلاط (الدرزي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي) وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع (المسيحي)، فكان أن جمعتهم الخيانة والعمالة للولايات المتحدة الأميركية والعدو الإسرائيلي.لم يتضح الهدف الحقيقي من كيل هذه الاتهامات إلا بحلول السابع من أيار مايو عام 2008 عندما اتخذ الحزب من شبكة اتصالات “المقاومة” شمّاعة لاحتلال العاصمة بيروت، وهو الذي يعلم علم اليقين أن أحداً لا يستطيع أن يمسّ شعرة في رأس أصغر عنصر من عناصره، فكيف بشبكة اتصالاته وبنيته التحتية وما إلى هنالك؟!خرج الحزب مزهواً بنصر “مجيد” وحقق مكاسب سياسية كبيرة في اتفاق الدوحة سمحت له بتعطيل البلد متى وكيف شاء، حتى إنه لم يجد في يناير من العام 2011 غضاضة في إسقاط حكومة “الوحدة الوطنية الوطنية” التي كان يرأسها سعد رفيق الحريري قبل أن يحول استعراض القمصان السود دون عودة الحريري الابن مرة جديدة إلى “السراي”.

آنذاك لم يكن الحزب يعلم أن حمزة الخطيب ورفاقه الصغار يخطّطون لمؤامرة كونية تستهدف خلع بشار الأسد، وما إن علم بالمخطط حتى خرج برجاله وسلاحه لنصرة “سيادة الرئيس” في وجه “الإرهابيين” و”التكفريين” الذين باتوا أشد خطراً وأكثر صهيونية من الغدة السرطانية (إسرائيل).أحداث كثيرة سبقت وأعقبت تورط الحزب في سفك دماء السوريين، ولكن يبقى الثابت أن خطاب السيّد في 8 آذار عام 2005 كان بداية النهاية لأسطورة الحزب “المقاوم”!