كارلا خطار/عشر سنوات على 26 نيسان.. انسحاب لا يمحوه النسيان

376

عشر سنوات على 26 نيسان.. انسحاب لا يمحوه النسيان
كارلا خطار
المستقبل/26 نيسان/15

وفي الذكرى العاشرة لانسحاب الجيش السوري من لبنان مات رستم غزالي. ليس المهم كيف ولماذا وأين.. ولا إذا ما كان انتَحَر أم انتُحِر أم قُتِل ما دام للحق ألف يوم ويوم. المصادفة لعبت دورها، فرئيس جهاز الامن والاستطلاع السابق في لبنان، ارتبط اسمه بكل ما لاحق اللبنانيين من ظلم وإهانات، انطلاقا مما تقدّم به شهود امام المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. الظلم نفسه لحق بأسماء مسؤولين سوريين قضوا في زمن الثورة السورية ويعتقد ان لديهم اطلاعاً او معرفة او ربما علاقة بعملية الاغتيال التي هزت أسس الوجود السوري في لبنان.

في 26 نيسان 2005 انسحب الجيش السوري من لبنان على وقع ضغوط قوية لبنانية ودولية حتمت على سوريا الانصياع الى القرار الدولي الرقم 1559 والانسحاب من لبنان بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي قلب كل المعطيات، فغادر لبنان ما يقارب 14 ألف جندي بالإضافة الى عناصر استخباراتية، عمل نظامهم طيلة 30 عاما على إيجاد وضع «قانوني» لوجودهم في لبنان بصيغة أو بأخرى، لإقناع المجتمع الدولي بـ «شرعية» انتقصت من سلطة الدولة وهيبتها.

لطالما جاهر الطلاب في تظاهراتهم بضرورة انسحاب الجيش السوري من لبنان. الأمر لم يكن ليمرّ مرور الكرام.. فالنظام الأمني المخابراتي السوري – اللبناني، وعلى رأسه «أبو عبدو»، الذي كان حاكما من البوريفاج حتى عنجر، كان يعاقب الشباب أشدّ العقوبات النفسية والجسدية.

السياسة لم تكن وحدها من اهتمامات النظام السوري وجيشه في لبنان. فالجيش المحتل كان يقيم الحواجز على الطرق ويهدد أمن اللبنانيين وسلامتهم، وبات النظام المخابراتي متغلغلا في مؤسسات الدولة، فكان التدخل لا يقتصر على الإنتخابات الطالبية أو البلدية أو النقابية أو النيابية وجلب المقترعين المجنّسين من الحدود الشمالية، بل تعدّاه حتى بلغ هذا التدخل «الربط والحلّ» في توظيف كل الفئات، حتى أصغرها، في كل مؤسسات الدولة. وكان اللبنانيون لا يجرؤون على الحديث في السياسة، فكانت القصص المتداولة تضحكهم، حتى إذا اختلف شخصان لأي سبب كان، يحضر الى المكان أحد عناصر المخابرات السورية لفضّ الخلاف!

بين العامين 2000 و2005 تغيّرت حسابات اللبنانيين، فإن الراحة السورية التي تمثّلت عبر الرخاء المادي والإقتصادي وسوق العمل اللبناني والتي يسعى النظام السوري الى تأمينها أو امتصاصها من لبنان، باتت تتعب اللبنانيين فتصاعدت الأمور عندما حاول «الحاكم بأمره» بشار الأسد، التمديد لرئيس الجمهورية السابق اميل لحود.. حتى وصلت الأمور بنظام الإجرام إلى حد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، في جريمة أحدثت ثورة غير منتظرة. فجأة وجد اللبنانيون أنفسهم أمام تحدٍ كبير.. ثاروا موحّدين باستثناء قوى وجدت نفسها مشغولة في «تقويم» سياسة zoom in» و«zoom out، للتخفيف من شأن التظاهرة المليونية التي شكّلت سابقة في لبنان.
لم يكن النظام السوري جريئا في العدالة، كما هو وقح في الإجرام، ليعلن انسحابه فورا.. «خجولا»، راح يستخدم عبارة «إعادة التمركز».. الى أن انسحب آخر جندي سوري عن لبنان في 26 نيسان 2005. حينها إنتشرت صور لبعض اللبنانيين على قنوات التلفزة المحلية والأجنبية، يكسرون جرار الفخار، خلف آخر الدبابات السورية، المغادرة من نقطة المصنع بإتجاه نقطة جديدة يابوس.

إن أحدا لم يكن مباليا بالجيش السوري ومخابراته وسلاحه ودباباته ومتفجراته.. تظاهرة مليونية أخرجته وأسكتت الهاتفين فداء لأسيادهم في «البعث». البعض قدم لرستم غزالي بوستر «شكراً سوريا» قبل أن يخرج هو الآخر من مقره في عنجر، وفي بيروت لبس النائب عاصم قانصوه «الكوفية» مهدّدا ومتوعّدا وهو الذي دافع في شباط الماضي عن غزالي حين سرت شائعة مقتله.. واليوم يردّ النظام السوري «جميل» هؤلاء اللبنانيين، فبادل «وفاءهم» بعزل الأمين العام القطري لحزب «البعث» في لبنان!

لم يكن فعليا لخروج الجيش السوري من لبنان سوى أثر وجودي مباشر، فهناك دوما من يحلّ مكان من وُصف بـ«رجل سوريا» و«رفيق السلاح»، والمقصود غزالي يوم أهداه الأمين العام لـ «حزب الله» بندقية المقاومة! يخرج الأصيل من الباب فيطلّ الوكيل من الشباك.

ليس اللبنانيون وحدهم مَن ضاقوا ذرعا بتحمّل الذل والظلم من الغرباء المحتلّين، فقد جاء في العام 2011 دور الشعب السوري فضاق صدره بمن مارس عليه ديكتاتورية الأقبية والتعذيب، وهم من أهل بيتهم في الأساس. فإن كان النظام السوري منبوذاً من قبل شعبه، فكيف يدافع عنه بعض اللبنانيين حتى اليوم؟