المحامي كارول سابا/المسيحية المشرقية من الأمم المتحدة إلى أين؟

283

المسيحية المشرقية من الأمم المتحدة إلى أين؟
المحامي كارول سابا – باريس/النهار
4 نيسان 2015

حرَكة بلا بَركة في مجلس الأمن، نيويورك، 27 آذار 2015. سابقة تاريخية. قضية المسيحية المشرقية وآلامها المُزمنة تُطرح على طاولة مجلس الأمن الدولي، بطلب من فرنسا. وأخيراً، بعد طول مُعاناة، تُطرح هذه القضية على ضمير الإنسانية على هذا المنبر الدولي حيث من المُفترض أن يكون الدفاع عن الحريات والعدالة و القيم الإنسانية الجامعة حاصلاً، ليس بعد “قتل القتيل”، بل عند أول ناقوس خطر يتهدِّده. عشية توجهه إلى نيويورك أعلن وزير الخارجية الفرنسي لجريدة “لا كروا”: “أن مسيحيي المشرق ينقرضون نأمل أن يكون ميثاق العمل الذي سنقترحه مُساهمة نافعة.” قال قوله طارحاً أربع نقاط: من العمل الإنساني، تدرُّجاً إلى ما هو أصعب المنال، أي دعوة “التحالف والقوات العراقية و غيرها لتأمين الأمن للأقليات المُطاردة”، مرورا بدعوة دول المنطقة” لتأمين مكانة مقبولة لكل مكوِّناتها”، انتهاءً بمُلاحقة مُرتكبي جرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية. الا أن تحيتنا للمُبادرة الفرنسية، لا تلغي المُساءلة: هل نحن أمام ديبلوماسية لفظية إعلامية لا أفق سياسياً ولا ترجمة عملية لها ؟ هل هذه صحوة مُتأخرة على قضية مُزمنة أمست تُشكّل مُشكلة ضمير للغرب، أم بداية صحوة غربية لتحديّات المشرق الحقيقية إيذاناً للخروج من سياسات الغموض والتناقض والتأرجح ألمَصلحي؟ ديمومة الوجود المسيحي في الشرق لا تتم بمُساعدة “خارجية” أو من خلال “محميات” محلية، بل عبر المساعدة الجدية لانتاج حلول سياسية تُثبِّت شراكة الحياة والمواطنة والديمقراطية بين كل مكونات المُجتمعات العربية. نعم إن استهداف المسيحية المشرقية، وهي الحلقة الأضعف، هو استهدافٌ للتنوع. فالأحديات الدينيّة المُتطرِّفة أتت من رحم الأحاديات العربية المُتهاوية، جمهوريَّة كانت أو ملكية، وهي تسير على خطاها بضرب التنوع والتعددية المشرقية. لم يع بعد المجتمع العربي والغربي أبعاد رمزية خطف مطراني حلب منذ سنتين، بولس الحبيب و يوحنا إبراهيم. فلا الغرب ولا الشرق تحرَّكا كما يجب لتحريرهم. فهل نحن أمام حرَكة في مجلس الأمن لا يُراد فيها بركة و لا أبعاد؟ فالمبادرة الفرنسية تفتقد في العمق أولا الى القراءة النقدية للمُسببات التاريخية لنزول المسيحية المشرقية التدريجي إلى الجحيم طيلة القرن العشرين. فالكل يعرف جليا أن قتل الدولة المدنية المنهجي في المجتمعات العربية و ترجيح الدولة الأمنية المعادية للديموقراطية و الحريات، هما من المُسببات المفصلية للتراجع المسيحي في المنطقة، التي دفعت بالمسيحية المشرقية على الهجرة، من ثم الانتحار البطيء والتقوقع كأقلية في “حمى” أنظمة أحدية تعامل الغرب معها وتمادى. فالغرب لم يمنع تمدد الشر في الجسم العربي، مُفضَّلا المُحافظة على مصالحه الإستراتيجية بدل الدفاع عن المبادئ والقيم التي يُنادي بها، مما أدى إلى الانفجار الذي نشهده اليوم و الذي تطال ناره الجميع، بما فيه الغرب. يُضاف إلى ذلك عدم السعي الجدي لحل عادل لقضية الصراع العربي الإسرائيلي المُزمنة التي تولدت منه كل الأصوليات. ثم ان المبادرة الفرنسية تفتقر أيضا الى الأفق السياسي الاستراتيجي لرسم نظام عربي جديد يقوم على الديمقراطية التي من خلالها وحدها، يُمكن للمسيحيين المشرقيين أن يعيشوا بكرامة وحرية كمواطنين أصيلين، وليس كما يقولون عنهم اليوم “كأقلية مُطاردة”، يجب “حمايتها” في محميات في دول و مساحات مشرقية هم كانوا من مؤسسيها وبناة الحضارة فيها منذ أجيال، قبل الإسلام وبعده. هل من كبح مُمكن لهذا التدحرج اللاعقلاني والسير نحو الانفجار الكبير؟ الم يحن الوقت لصحوة وطنية من وسط أتون النار تقول “كفى”؟ وحدها المسيحية المشرقية من ضعف القوة وقوة الضعف التي هي عليها، هي قادرة قبل فوات الأوان، إن تُعلّي صوت العقل، إقليميا و دوليا، وتقول كلمة حق تضع النقاط على الحروف والمسؤوليات على الأعمال والمبادئ على الأفعال. فهل قياداتها الروحية قادرة على الخروج من تقوقعها من أجل الارتقاء إلى هذا الدور الوطني التاريخي المطلوب منها؟ الفيصل اليوم هو في لبنان، والشرارة الايجابية قد تنطلق منه إذا عرفنا الخروج من “خصخصة” الانتخابات الرئاسية اللبنانية.
فهل تنطلق الصحوة الوطنية العربية من بلاد الأرز الشامخة؟