الياس الزغبي يرفض نظرية جنبلاط القائلة بانقراض الدروز والموارنة كالهنود الحمر

357

 إنقراض الهنود الحمر

الـيـاس الزغـبـي
لبنان الآن
02 آب/14
لا بدّ من نقاش هادئ لنظريّة وليد جنبلاط في الآونة الأخيرة، ولازمته القائلة بأنّ الدروز والموارنة باتوا بمثابة “الهنود الحمر” في لبنان، وهم إلى انقراض.
وقد كرّر أمس تخوّفه تحت شعار “تغيير البنية السنيّة” بفعل تمدّد التطرّف السنّي والفكر “الداعشي”، ناعياً بالتلميح الاعتدال السنّي الذي تمثّله “خطابات الحريري والسنيورة”!
واللافت أنّه، بعد وضعه الدروز والموارنة في سلّة “الهنود الحمر” الواحدة، عاد وتحدّث عن دور يلعبه الدروز، بينما الموارنة، والمسيحيّون عموماً، ذاهبون حتماً إلى الانقراض بسبب انقساماتهم.
لا يحقّ لأحد مناقشة جنبلاط في دوافع تخوّفه على الأقلّية الدرزية، فهو قرّر الإمساك بالخيوط من أطرافها، والسباحة بين الماء والنار، أو بين السنّة والشيعة، أو بين العرب وإيران، أو بين الغرب والشرق، لإنقاذ طائفته. وفعلَ ذلك مراراً وما زال.
لكنّ فكرة الأقليّات لا تنطبق عليها جميعاً في وصفة ثابتة متماثلة، فهي ليست متشابهة في الدور والفاعليّة والقدرة على المواجهة، ولا في المصير.
المسيحيّون والشيعة والدروز والعلويّون والأكراد وسائر أقليّات المشرق، لا يُمكن وضعهم في سلّة واحدة، وإلاّ لكان “حلف الأقليّات” التي تقوده إيران منذ سنوات قد حقّق غايته وأقام قوسه الكبير، حيث يكمن خطر تحوّله إلى أكثريّة شيعيّة ساحقة بخلفيّة “داعشيّة” إلغائيّة أُخرى.
الأكيد أنّ وليد جنبلاط لا يجهل ما كان يدور في أروقة المشروع الإيراني عن هذا القوس الذي يقلب الميزان الديمغرافي من قمّ ومشهد إلى الساحل اللبناني عبر العراق وسوريّا: 100 مليون شيعي مقابل 40 مليون سنّي، بعد عزل الكتل السنيّة الثلاث الكبرى، مصر وتركيّا والسعوديّة، وإشغالها في أزماتها الداخليّة.
ولا نظنّه يجهل كذلك أهداف الحرب الطاحنة التي تشنّها إيران، عبر نظام الأسد و”حزب الله”، من الساحل السوري إلى مشارف دمشق عبر محافظة حمص وجرود القلمون وعرسال، بحجّة إقامة ستار حديدي في وجه “داعش” لمنع تمدّدها إلى ساحل المتوسّط.
في مقال سابق بعنوان “ما بعد بعد القُصير: كسروان”، تاريخ 8 – 6 – 2013، كتبتُ عن تركيز إيران على إنجاح الجناح الغربي من مشروعها، أي إقامة دولة علويّة شيعيّة، من شمال سوريّا إلى جنوب لبنان، بعدما تعثّر الجناح الشرقي من المشروع نفسه بفعل الكثافة السنيّة بين غرب ووسط العراق وشرق وشمال سوريّا.
وقد بدا واضحاً، منذ أسابيع، أنّ الجناح الشرقي من المشروع لم يتعثّر فقط، بل سقط سقوطاً مدوّياً على أيدي “داعش” وقوى الظلّ وراءها، وانكسر القوس في وسطه، ومن ظهره.
وهذا لا يعني أنّ المشروع، في جانبه العلوي الشيعي، سينجح حتماً، فالحرب الدائرة في جرود السلسلة الشرقيّة لا تشي بمثل هذا النجاح، نظراً لوجود كتلة سنيّة وازنة على طرفي الحدود. وإذا قُدّر له أن ينجح، فسيكون المسيحيّون والدروز ومعهم سنّة لبنان في حكم الأقليّة الراضخة، وربّما الهنود الحمر لاحقاً.
إذاً، ليس هناك ما يبرّر تخويف جنبلاط من مصير الهنود الحمر لبعض الأقليّات، وخصوصاً منهم المسيحيّين، وذلك لسببين: الأوّل توازن قوى واضح ومرشّح للاستمرار بين طرفي الحرب، والثاني هو رسوخ حالة الاعتدال لدى السنّة بعيداً عن تضخيم خطر الزحف “الداعشي” وتغيير البنية السنيّة.
وبشيء من التبصّر الأعمق، يتبيّن أنّ الكتل السنيّة العملاقة في مثلّث مصر السعوديّة تركيا تفرض نمطاً إسلاميّاً وسطيّاً سيظلّ هو الغالب فوق كلّ طفرات التطرّف. وليس خافياً أنّ “داعش” وأخواتها هي نتاج توظيف سياسي – عسكري متعدّد المحرّكات، يتقاطع فيه الأعداء والحلفاء، لإعادة رسم الخرائط وتحديد الأدوار. وستنتهي بانتهاء وظيفتها.
يرى وليد جنبلاط أنّ بقاء الدروز معقودٌ على الدور الذي يلعبون، كما قال. ربّما هذا صحيح، قياساً على سياسته خلال السنوات الستّ الأخيرة، في سيره بين النقاط والخطوط، واعتزازه بدور الوسيط المرجّح.
أمّا بقاء المسيحيّين فمسألة أخرى تتخطّى الأدوار والوظائف، والخلاف على الرئاسة، إلى ترسّلهم للحق والحضارة وإطلاق حركات النهضة.
المتنوّرون منهم(وهم كثرة) يدركون تاريخهم جيّداً كضرورة للشرق في حاله ومآله، ويقرأون بوعي كامل التحوّلات الديمغرافيّة والجغرافيّة، وتبدّلات موازين القوى. ولكنّهم يتعاملون مع الحقيقة القائلة بأنّ الجبال تهتزّ ولا تقع.
وليس خروج بعضهم عن حالة التنوّر وانغماسه في السياسة القصيرة النظر والمصالح العابرة سوى طفرة طارئة لا تجسّد حقيقة خياراتهم. ولعلّ الخارجين عن هذه الحالة يحكمون على أنفسهم بالانقراض دون الغالبيّة المسيحيّة.
وكلّ ما نراه من أزمات وحروب لن يغيّر في أساس حياة شعوب المنطقة لجهة التفاعل والتزام مبدأ العيش معاً وقبول الآخر.
وليس في أصالة الشرق وقاموس حياته ما يُعرف بـ”الهنود الحمر”. فليهدأ روع الزعيم الدرزي.