الكولونيل شربل بركات: العرب واسرائيل-(الحلقة الثانية)… قيام دولة إسرائيل وتقسيم فلسطين والحروب التي وقعت بين المنظمات اليهودية والجيوش العربية

273

العرب واسرائيل-(الحلقة الثانية)… قيام دولة إسرائيل وتقسيم فلسطين والحروب التي وقعت بين المنظمات اليهودية والجيوش العربية
الكولونيل شربل بركات/29 تشرين الثاني/2023

لدخول صفحة الكولونيل شربل بركات وللإطلاع على كل ما هو منشور له على موقعنا اضغط هنا

عند اعلان بريطانيا نيتها الانسحاب من فلسطين أصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 181 الذي قسم فلسطين إلى ثلاثة مناطق (ربطا خارطة 1) واحدة يهودية وتشمل السهل الساحلي من حيفا إلى ما بعد تل أبيب جنوبا، ولا يشمل يافا ومحيطها، والجليل الشرقي، أي بحيرة طبريا واصبع الجليل، وصحراء النقب حتى أيلات، ولا تشمل بئر السبع، وتبلغ مساحتها حوالي 15000 كلم مربع. بينما أعطت للعرب الجليل الغربي مع عكا ضمنا، والضفة الغربية، ومنطقة غزة من شمال أشدود إلى الحدود المصرية وعلى طول هذه الحدود تقريبا، وتبلغ مساحتها 11000 كلم مربع. أما المنطقة الثالثة فهي تحت وصاية دولية وتقع فيها مدينتي القدس وبيت لحم مع الآراضي المجاورة لهما. ومع أن القرار الدولي نال 33 صوتا مع مقابل 13 صوتا ضد وعشرة امتنعوا عن التصويت، فإن العرب لم يقبلوا بالتقسيم وأصروا على كامل فلسطين، وأنهم سوف يسيطرون عليها بالقوة فور خروج القوات البريطانية.

قامت جيوش الدول العربية مصر وسوريا والعراق والأردن ولبنان بالهجوم كل من حدوده مع فلسطين وهكذا احتل الأردن كامل ما يعرف بالضفة الغربية، وساندت القوات العراقية، التي دخلت عبر الأردن، القوات الأردنية واحتلت منطقة جنين، بينما دخلت القوات السورية إلى شرق بحيرة طبرية، وسيطر الجيش اللبناني على قريتي المالكية وقدس وبعد الهدنة الأولى واجتماع الدول العربية في بيروت سلمها لما كان يسمى بجيش الانقاذ، وكان يتألف من أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل ويسيطر على الجليل الغربي بكامله وقد عاد وخسرها في الهجوم المضاد الذي قامت به قوات الهاجانا. وعندما انسحب جيش الأنقاد من الجليل شعر الدروز الذين يشكلون نسبة كبيرة من قرى هذه المنطقة بأنه بات عليهم التفاهم مع اليهود حول وقف الهجمات لمنع تهجير الكثير من هذه القرى، ما أسس للتعاون الذي شاهدناه بين الدروز واليهود فيما بعد. وهكذا خسر العرب السلطة في الجليل الغربي الذي كان قرار التقسيم اعتبره منطقة عربية. أما من ناحية مصر فقد وصلت القوات المصرية مدعومة بفصيل من السعودية والسودان إلى بئر السبع، واحتلت غزة والمناطق القريبة من الحدود المصرية في النقب، وهي كانت بأغلبها من ضمن الأراضي الواقعة في منطقة العرب بحسب قرار التقسيم. أما في الجانب اليهودي فقد كانت كبرى المنظمات المسلحة الهاغانا خاضت عدة مواقع خاصة في الدفاع عن الجزء الغربي من مدينة القدس، وحاولت عدة مرات فتح طريق بينها وبين السهل الساحلي كما دافعت عن التجمعات اليهودية والتي كانت من ضمن خطة التقسيم. ولكنها احتلت مدينة يافا وما حولها أي اللد والرملة، وكذلك بعد خروج المصريين من بئر السبع فتحت طريق النقب وصولا إلى أيلات. وقد قامت إحدى المنطمات اليهودية بمهاجمة دير ياسين حيث قتل عدد كبير نسبيا من سكانها ما جعل كثير من الفلسطينيين يفضلون الهرب من قراهم خوفا من تعرضهم لمصير مشابه ليزيد عدد اللاجئين داخل وخارج الأراضي الفسطينية على 700 ألف توزعوا على مناطق غزة والضفة الغربية ووصل منهم إلى لبنان حوالي 200 ألف وبعضهم إلى سوريا. وقد انتشر الغضب على اليهود في كل مكان وخاف المقيمون في الدول العربية كسوريا والعراق وحتى اليمن من ردة الفعل العربية عليهم، بالرغم من أنها جاليات قديمة، فبدأ الرحيل والتوجه إلى دولة اسرائيل ما ساهم بزيادة عدد سكانها.

بعد عشرة أشهر من الاشتباكات بين الجيوش العربية واسرائيل تخللتها هدنتين قصيرتين تقرر توقيع هدنة طويلة في 1949 أوقفت القتال بين جميع الأطراف وحددت عديد وتجهيزات القوات المتقابلة على أن تشرف الأمم المتحدة على التنفيذ بواسطة مراقبين دوليين. أما بالنسبة للاجئين الفلسطينيين فقد تم انشاء منظمة دولية “الانوروا” UNRWA لتجميع اللاجئين حيثما وجدوا وتقديم المساعدات الانسانية لهم.

كانت أعمال الشغب ضد اليهود منذ 1920 وما تلاها من حوادث وشحن للنفوس قد أدت إلى اتخاذ هؤلاء اجراءات بشأن الدفاع عن بيوتهم ومصالحهم والتدريب على القتال وقد وصل عديد المتطوعين في منظمة الهاغانا قبيل 1947 الى حوالي 6000 مجند عدا عن الاحتياط (يقال بأن الاحتياط بعد رفع سن الخدمة إلى 39 أثناء ما يسمونه بحرب الاستقلال بلغ 100 الف) ومن ناحية التجهيز بالسلاح والعتاد قام هؤلاء بشراء ما أمكنهم قبل وبعد الحرب العالمية الثانية من دول أوروبية لا بل وباقامة مصانع سرية للسلاح والذخيرة داخل المجمعات اليهودية في فلسطين كاعتماد على النفس والتصميم على الحماية. بينما كان الفلسطينيون يعتمدون على الدول العربية ويعتقدون بأنهم يتفوقون على اليهود بالعدد. وعندما رفض العرب مشروع الأمم المتحدة للتقسيم لم يبذل الفلسطينيون الجهد الكافي للدفاع عن مناطقهم وبقي اعتمادهم على جيوش الدول العربية لطرد اليهود واعادتهم من حيث أتوا، وهي نفس النغمة التي لا يزالون يحلمون بها حتى اليوم. ومن جهة ثانية لم يبذلوا أي جهد للتفاهم مع اليهود على طريقة حكم مشترك ما أوصل الأمور إلى هذه النتائج. وهكذا فقد تمكن اليهود من تنظيف بعض الجيوب وفتح ممرات آمنة بين الآراضي التي كانوا استوطنوا فيها ليزيد تمسكهم بالأرض والتحضر الدائم للدفاع عنها بوجود أعداء كثر من حولهم يضمرون لهم السوء.

دخلت الجيوش العربية إلى فلسطين في الخامس عشر من أيار 1948 وكان الاعتقاد بأنها سوف تسيطر على كامل فلسطين بسهولة. فقد كان عديد الجيش المصري الذي شارك في الهجوم عشرة آلاف مقاتل مع كامل العتاد والتجهيز تدعمهم المدفعية والطائرات والسفن الحربية. وانضمت اليهم وحدة من المملكة السعودية قوامها 3200 جندي بكامل العتاد والتجهيز، بالاضافة إلى بعض المتطوعين من السودان وباكستان. أما على الجبهة الأردنية فقد كان عديد القوات المشاركة 4500 جندي بكامل العتاد والتجهيز والدعم اللوجستي، بالاضافة إلى 2500 جندي من القوات العراقية المجهزة والمدربة أيضا. أما سوريا فقد شاركت بلواء عديده 1800 جندي، بينما شارك لبنان بكتيبة قوامها 450 جندي. وكان عديد جيش التحرير العربي الذي سمي فيما بعد جيش الانقاذ 3500 جندي مسجل لدى الجامعة العربية. وقد تشكل هذا الجيش من المتطوعين العرب والسكان المحليين قبل دخول الجيوش العربية إلى المعركة، وضم عدة ألوية، وقاده فوزي القاوقجي وهو ضابط عثماني سابق كان تخرج من مدرسة الاستانة وانضم بعد الحرب الكبرى إلى قوات فيصل في دمشق، ثم التحق بالفيلق السوري الذي شكله الفرنسيون وعاد فانشق في 1925 لينضم إلى صفوف الثورة السورية حيث خسر في معركة حماة ليلتجئ إلى السعودية في 1929 ومن ثم العراق في 1932 ويشترك بعدها مع مجموعة من المتطوعين بأحداث فلسطين في 1936 ويعود إلى العراق ليشارك في ثورة الكيلاني عام 1941 ولكن أبرز دور لعبه كان قيادته لجيش الانقاذ هذا الذي انتشر في المناطق الفلسطينية للدفاع عنها ضد الهجمات المحتملة من قبل اليهود في 1947 ليخسر طبريا وصفد وعكا تباعا وبالتالي الجليل الغربي بكامله.

أعاد العرب “النكبة”، وهي المصطلح التي أطلقوه على نتائج حرب التحرير، إلى النقص في العتاد مقابل ما كان عند اليهود، لأنهم لم يقدروا أن يعيدوه إلى العدد كون عدد الجيوش العربية مع القوى الفلسطينية المحلية كان أكبر بكثير من عدد اليهود المدافعين عن بيوتهم وقراهم، لا بل ركز بعض المحللين العسكريين العرب على أن “اليهود استبسلوا في الدفاع عن قراهم أما في الأراضي المفتوحة فكانوا يهربون”، وهنا أهمية حشر هؤلاء بين الافناء أو الصمود ما لم يفهمه العرب حتى اليوم، فالوطن هو مجموعة القرى الصغيرة التي يدافع أهلها عنها بكل تصميم وليس الأمة الكبيرة التي تمتد من المحيط إلى الخليج ويجب أن يقودها منظرون وتحميها جيوش غريبة عجيبة تفوق كل تصور إن من ناحية التسليح والعتاد أو من ناحية القوة والجبروت.

لقد اتكل اليهود على أنفسهم في فلسطين وفي سائر العالم، فاشتروا العتاد من الخارج خاصة من بقايا الحرب العالمية الثانية، وصنعوا السلاح محليا في الكيبوتسات، وحصلوا بأموالهم وأموال المنظمة الصهيونية حتى على الطائرات. وقد استطاعوا اقناع ستالين بمساندة اسرائيل في الأمم المتحدة ومن ثم سمح هذا الأخير لتشيكوسلوفاكيا لاحقا ببيع الطائرات (سبيتفاير وميسرشميت) لاسرائيل عند خروج البريطانيين، بينما كانت بريطانيا مرتبطة بمعاهدات عسكرية مع مصر ويقود ضباط بريطانيون بعض الوحدات الأردنية وقد أثبتوا جدارتهم أثناء العمليات وعندما حاول لواء اسرائيلي تطويق العريش وقطع الامدادات عن الجيش المصري هددت بالاشتراك عمليا بالمعارك إذا لم ينسحب اللواء الاسرائيلي من العريش لانها مضطرة عندها أن تتدخل لصالح مصر. وفي البحر استعمل اليهود السفن التي كانت مخصصة لنقل المهاجرين من أوروبا، خاصة بعد فرض بريطانيا منع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، فأصبحت هذه السفن عند انسحاب الجيش البريطاني نواة البحرية الاسرائيلية التي تؤمن المرافيء خاصة ميناء حيفا لدخول العتاد والمهاجرين إلى الدولة الحديثة.

أما مواقف الدول العربية والخطاب المعادي لليهود الذي انتشر بين جماهيرها فقد جعل الجاليات اليهودية فيها تخاف على مستقبلها وتصبح جاهزة للهجرة صوب اسرائيل وتعزيزها بالعدد والعدة بسبب العداوة الظاهرة التي خلقها هذا التيار حتى ولو لم تكن قد خططت يوما لذلك. ما دفع سكان اسرائيل والمنظمات الصهيونية أكثر فأكثر للايمان بأن ما قاموا به كان صحيحا ولولا ذلك لكانوا كلهم مهجرين أو مقتولين. ولم يكتف التيار الحاقد الذي قاد الشارع العربي بمعاداة اليهود بل قام بالتشكيك بكل من حوله وتخوينهم، وفسّر تصرفات الزعماء والجيوش بأنها عمالة، بدءً بالجامعة العربية وصولا إلى قادة الدول في لبنان وسوريا وملوك الأردن ومصر والعراق والسعودية، وربطها بما يسمونه “الاستعمار” ما يردنا إلى نفس الفئة التي كانت زرعت الحقد على فرنسا وبريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى كما ذكرنا في الحلقة السابقة.

وقد كانت مواقف زعماء الدول العربية قصيرة النظر بدون شك. فبدل أن يطرحوا الحلول ويقودوا الشارع باتجاه عقلاني، يمكن أن يوصلهم إلى تفاهمات واتفاقيات تحمي الأمن وتؤمن استقرار السكان في بلادهم وفي المناطق الفلسطينية، تركوا المجال للفئة التي لا يرضيها شيء ولا ترتوي إلا بالدماء والهدم، ما أوصلهم لأن يصبحوا مشاريع انقلابات وفوضى أدت إلى ثورات واغتيالات متتالية، فتم اغتيال رئيس وزراء لبنان رياض الصلح أولا ثم ملك الأردن عبدالله ابن الشريف حسين. وبدأت بعدها سلسلة الانقلابات خاصة في سوريا التي شهدت ثلاثة انقلابات متتالية سنة 1949 وحدها، ثم تلاها انقلاب 1951 وانقلاب 1954 وتتابعت الانقلابات في 1961 و1963 ثم 1966 و1970. أما مصر فكان انقلاب الضباط الاحرار في 1952 سببه الأساسي والمعلن هو فشل الجيش المصري في حرب 1948 ما أدخل مصر في متاهات سياسة الوحدة العربية والخطابات الشهيرة للرئيس عبد الناصر التي شغلت العرب مدة عقدين من الزمن فأفقدت مصر دورها الاقتصادي المتقدم وأدخلت كل البلاد العربية في دوامة العنف وسيطرة أجهزة المخابرات. وهكذا انتقلت الثورات إلى العراق وليبيا والسودان وكافة الأقطار العربية بدون أن نذكر حروب الأخوة إن ما سمي بثورة 1958 في لبنان أو حرب اليمن فيما بعد وحتى حرب تحرير الجزائر التي كان محركها الاساسي الحرب الباردة بين السوفيات وبقايا الدول الغربية. وهكذا وفي أقل من عشر سنوات كانت كل البلاد المجاورة لفلسطين تعيش في أزمات وقلاقل وتنتقل من انقلاب إلى آخر ومن معاناة إلى فقر ما أطاح بالاستقرار وعطل الدورات الاقتصادية وفرض الأحكام التعسفية وكلها تحت لازمة تحرير فلسطين.

خريطة تقسيم فلسطين بين العرب واليهود بحسب القرار الدولي 181