الكولونيل شربل بركات/انطانس شباط الشاعر – من الجعبة

138

انطانس شباط الشاعر – من الجعبة…
الكولونيل شربل بركات/26 آذار/2023

نطانس شباط كان واحدا من أربعة حملوا أسم نطانس وعرفوا بميزة “القول” أي الشعر العامي، وهم على التوالي: نطانس الجشي المعروف بالشماس نطانس، ونطانس سلوم المعروف بالسبعيني، ونطانس حبوب، ونطانس شباط موضوع الحلقة.

إحدى الخبريات المشهورة عن شاعرنا أنه في بدايات القرن الماضي، وتحديدا 1906، وكانت أنشئت مطرانية صور المارونية بعد جهد وعناء كبيرين لم يخلوا من المصاعب والعقبات، قام المغفور له المطران شكرلله خوري أول مطران على هذه الابرشية بزيارة إلى عين إبل وهي مناسبة مهمة بنظر الأهالي، وكان يرافقه في هذه الزيارة الخوري ابراهيم الحرفوش، وهو كتب عن هذه الزيارات الرعوية في مجلة المشرق وخصص لاحقا في كتابه عن البطريرك الحويك فصلا كاملا عن المشاكل التي رافقت نشوء مطرانية صور والأراضي المقدسة، وتحدث عن إحدى زياراته لعين إبل برفقة المطران المذكور.

وصل المطران إذا إلى عين إبل واستقبل بالحفاوة المطلوبة، ولم يكن شاعرنا موجودا أثناء الاستقبال لسبب صحي، ولكن عند المساء وفي أثناء السهرة قام الخوري ابراهيم يتحدي شعراء البلدة بالزجل لكي يضفي على الجو بعض المرح، وكان معروفا عنه أنه قوّال وصاحب قلم، فلم “يقف بوجهه” أي من الشعراء الحاضرين، وشعر العينبليون أنهم غلبوا فقام البعض يطلب حضور شباط، وأرسل من يدعوه للمدافعة عن مكانة القرية، فاعتذر بسبب وضعه. ولكن تحدي الحرفوش وتباهيه بأن أحدا لن يجاريه حتى شباط المذكور جعل المختار يرسل الناطور خصيصا ويطلب من شباط أن يحضر لرد الاعتبار. وعندما عاد الناطور وبشّر بحضور شباط خرج البعض لينتظر وصوله، وكان الخوري الحرفوش متشوقا ليرى هذا “الشاعر المنتظر”، وإذا به رجلا قصير القامة وضيع المظهر يسير ببطيء، فقال الخوري، وكان طويل القامة عريض الجسم ممتلئ بالنشاط والحيوية:
حيرتونا بشباط … ليك شو هالقشقوش ما بيطلع قد الكمشة

سمع شباط ولم يجب بل دخل إلى الدار معتذرا عن التأخير شارحا وضعه الصحي مقبّلا يد المطران، ثم جلس في وسط الديوان وبدأ بقصيدته التي مطلعها:
دقّت نواقيس الدير بحضورك يا سيدنا
راح الشر وطل الخير وإجا العيد وعيّدنا
ويصول شباط ويجول، ويبدأ بالتعليق على كل ما يدور على الساحة المحلية والساهرين، ويضيف، كعادته، النكتة إلى النقد ويبرع في أبياته المتجانسة والسهلة التركيب والتي “تكرج”، كما كان يحلو له أن يقول: “متل المي بالنزلة”، إلى أن يصل إلى الخوري الحرفوش الذي إنما دعي لمنازلته فيقول:
قلّو لبونا الحرفوش بالزغر ما يعيّرنيش
بقولك شو هالقشقوش القد الكبشة ما بيجيش
والنحل أزغر الوحوش وغير العسل ما بيجنيش
نكنك بالكبر مغشوش جمال كتير ببلدنا

وبعد هذا الرد الدقيق، ولكن ضمن حدود اللياقة بالنسبة لكاهن ضيف، يعرف الخوري الحرفوش فعلا مقدرة الشاعر فلا يضيف أو يعاود التحدي بل يعتبر بأن قصيدة شباط وغمزه من قناته كافيان لرد الاعتبار للبلدة المضيفة.

وفي مكان آخر يأتي شاعر غريب يحاول تحدي شباط أيضا فيطلب منه أن يرد بالمخمس مردود؛ حيث يجب أن يستعمل الشطر الأول من كل بيت في الجواب. ويعتذر شباط لانشغاله، ما يعتبره ذلك الشاعر تهربا من المواجهة دلالة على عدم القدرة أو المعرفة بهذا النوع من الشعر فيقول له سوف أعطيك بيتين من الشعر فاذهب وفكر بالأمر وعندما تكون جاهزا عد لمنازلتي، ويبدأ بهذين البيتين:
يا نازل عا درب العين قصدك تتعبي ميي
عنا عين بمزرابين وصفصافة ومستحية
فيرد شباط فورا كي لا يطيل الحديث ولا الانتظار وليفهم الغريم بأنه قادر على الرد ليس ببيتين فقط إنما بزوجين من الأبيات بنفس المعنى لينهي النزال مرة واحدة ويفهم هذا المتبجح بأنه قادر فيقول:
يا نازل عا درب العين الميي حلوة وهنيي
عنا عيم بمزرابين وممنسقيش الغربيي
ويا نازل عدرب العين ملّي الجرة وتلّيها
عنا عين بمزرابين الغربيي ما منسقيها

وهكذا يعرف الشاعر الغريب بأن شباط ليس بقادر فقط على المنازلة وهو ليس بعاجز على ذلك بالتأكيد وأنه جدير بالاحترام ويمتلك سرعة الخاطر وغزارة المعاني وجرأة التعبير وهي صفات مهمة للشاعر الزجلي.