الكولونيل شربل بركات/السيد حسن نصرالله .. كل منجزاته كانت هدم وتشريد الأهل ومن ثم تخريب الدولة والاقتصاد وتعميم اللادولة وتشجيع الفساد والمتاجرة بالممنوعات والعمالة للغريب. …. وكلما احتاج اعلامه الغوبلزي لتبرير يوقف أحد الجنوبيين الشرفاء ويتهمه بالعمالة ويضع فيه كل ما في حعبته هو من أخطاء

682

السيد حسن نصرالله .. كل منجزاته كانت هدم وتشريد الأهل ومن ثم تخريب الدولة والاقتصاد وتعميم اللادولة وتشجيع الفساد والمتاجرة بالممنوعات والعمالة للغريب. …. وكلما احتاج اعلامه الغوبلزي لتبرير يوقف أحد الجنوبيين الشرفاء ويتهمه بالعمالة ويضع فيه كل ما في حعبته هو من أخطاء

الكولونيل شربل بركات/09 آذار/2023

اعلام غوبلز اشتهر بالتأثير على الناس وباخراج الاحداث وتوجيهها لمصلحة الرايخ ولكنه بالنهاية فشل وسقط وسقطت معه ألمانيا. واعلام حزب الله والحرس الثوري ليس بعيدا جدا عن تلك التجربة. وها هو كلما احتاج لتبرير يوقف أحد الجنوبيين الشرفاء ويتهمه بالعمالة ويضع فيه كل ما في حعبته هو من أخطاء. ولكن هناك من يسمع ويرى وقد سبق وقال “أعمى عيونهم لئلا بيصروا وأغلق آذانهم لئلا يسمعوا فيتوبوا ويضطر أن يغفر لهم”…

السيد حسن نصرالله ابن الجنوب صحيح، وهو من “السياد”، أي الذين يرجعون بالنسب إلى النبي (صلوات الله عليه). وهو أيضا ولد وترعرع في قلب لبنان حي النبعة وبرج حمود وسن الفيل قبل الأحداث أي زمن لبنان الجميل. وهو لا شك يعرفه ولو لم يستمتع بكل مزاياه.

السيد حسن اضطر أن ينتقل إلى بلدته البازورية يوم فتحت منظمة التحرير الحرب على لبنان. وكان من ضمن مخططتها الذي اعتمد على تل الزعتر كقاعدة أساسية للانطلاق ومحاصرة العاصمة من الشمال مرورا بالنبعة عبر الدكوانة إلى حي الكرنتينا فالمرفأ، ومن الجنوب بوصله بجسر الباشا والشياح عبر عين الرمانة حتى مخيمات صبرا وشاتيلا في الجزء الغربي من بيروت، التي كانت تسيطر عليها قبل 1973.

والسيد حسن كان من مؤيدي حركة أمل بدون شك، ولو أنه ككل المجموعة الشيعية اعتبروا أنفسهم جزء من العروبيين الذين يناصرون الثورة الفلسطينية بشكل طبيعي. فهم إذ يرجعون بالنسب إلى الجزيرة العربية كونهم “سياد” يعتبرون أنفسهم ملزمين بالعروبة “فأنتم خير أمة أخرجت للناس” (قال صلوات الله عليه). ولكن مفاهيم ذلك الزمن تأرجحت بين النظرة القديمة إلى لبنان الذي “صنعته” فرنسا بالرغم عن الشيعة (؟) (وهم كانوا ساندوا يومها فيصل الذي أسقطته مخططات الضابط التركي يوسف العظمة في مواجهة الفرنسيين في ميسلون بالرغم من اعتراف كليمنصو بفيصل والاجتماع معه قبل ثلاثة أشهر) ونظرية عبد الناصر العروبية ما بعد 1956 وتأميم القناة ومن ثم ولادة الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا والتي أدت إلى ما سمي بثورة 1958 في لبنان والتي انتهت قبل أن يولد هو، ولكن ذيولها بقيت تدغدغ أفكار الكثيرين خاصة في الشارع السني. ومن ثم كان للافكار اليسارية ومنها الشيوعية والتي تبنتها بعض المنظمات تأثيرها على الساحة. من هنا كان السيد يعيش أجواء متقلبة بين عروبة عبد الناصر ويسارية الأحزاب بمواجهة لبنان الذي ينعم ببعض الرفاه والذي لم يشارك به سوى قلة من العائلات الشيعية التي دمغت بالاقطاعية من قبل اليسار.

كان لبنان يومها ينعم بالترانزيت فكل تجارة أوروبا إلى دول العرب تمر عبره خاصة بعد اغلاق قناة السويس كليا بين 1967 و 1975 وكانت أيضا تجارة النفط إلى أوروبا إن من العراق أو من السعودية تمر عبره من خلال أنابيب شركتي أي بي سي العراقية أو التابلين السعودية وبالطبع مصافي البترول في طرابلس والزهراني. وكانت البنوك والشركات التجارية تعمل على قدم وساق. وكانت الدولة اللبنانية تسعى إلى تنظيم الزراعة في المناطق البعيدة وشراء الدخان مثلا من المزارعين بواسطة شركة الريجي، بينما وصلت الكهرباء والماء إلى كل القرى وحتى المزارع الصغيرة. وكانت المدارس تفتح تباعا في كافة القرى ومؤسسات الدولة تبنى بشكل جدي. ومن جهة أخرى ساهمت اتفاقية الهدنة وعدم اشتراك لبنان بحرب 1967 بتحييد البلد عن الصراعات الدولية. ولكن أعداء لبنان والحساد كانوا يعملون على خلق أجواء عدائية بين السكان لكي يسهل التخريب وبالتالي السيطرة على البلد.

السيد حسن بعد انهاء دراسته الثانوية انتقل إلى النجف الشريف في العراق ليكمل تعليمه الديني ويصبح إماما. ولم يكن يشعر بالعداء لنظام البعث العراقي. ولكن طرد الشاه للامام الخميني من إيران ووصوله إلى العراق أثار نوعا من الفتنة التي انتشرت سريعا بين الطلاب والأئمة حيث بدأ الحديث عن الأمة الشيعية، ما جعل النظام العراقي يطرد بعد سنة تقريبا الامام الخميني إلى فرنسا ويعيد بعض اللبنانيين الذين تأثروا بنظرياته إلى لبنان وكان منهم الطالب السيد حسن نصرالله. وهكذا يوم قامت الثورة في إيران وعاد الامام الخميني ليتسلم الحكم كان السيد حسن ورفاقه من المؤيدين لتلك الثورة ولم يكن ذلك غريبا، فياسر عرفات أيضا أيدها وكل المجموعة اليسارية.

بعد نجاح الخميني بالسيطرة على إيران أطلق شعار تصدير الثورة إلى المحيط وأنشئ الحرس الثوري والذي يضم فيلق القدس لتحرير فلسطين، ما دغدغ أفكار اليساريين الشيعة بأن تحرير فلسطين أهم من العدالة الاجتماعية التي نادوا بها. ومن هنا لم يعد هناك عقدة تجاه الطرح الشيعي للحرس الثوري ولو أنه كان لا يزال مستغربا.

وتبدأ الحرب بين العراق وإيران ويزور السادات إسرائيل وتبدأ عملية السلام التي يرفضها الخميني والأسد وبالطبع فصائل عرفات. من هنا، وفي محاولتهم لجمع أكبر عدد من المتطوعين الشيعة، يطلب الحرس الثوري الإيراني من السوريين فتح مخيمات لتدريب المتطوعين في لبنان وسوقهم للحرب في إيران. ولكنهم لا يجدون أعدادا كبيرة كما توهموا، فالشيعة اللبنانيين لم يكونوا بعد مطواعين لدرجة القتال في إيران ضد بلد عربي.

وتدخل اسرائيل إلى بيروت سنة 1982 ويرفض الرئيس أمين الجميل ابرام اتفاق انسحاب القوات الاسرائيلية (اتفاق 17 ايار) ثم يحاول هدم جامع الرسول الأعظم، وكان بناه الايرانيون بالقرب من المطار ويشكل خطرا على الملاحة الجوية. ومن جهة أخرى يرفض السوريون الذين خسروا الحرب، وخسروا اسطولهم الجوي، وخسروا بيروت، وطرد عرفات ورجاله منها، يرفضون الاعتراف بالهزيمة، فيلجأون إلى الحرس الثوري لعمل ما. فيقوم هؤلاء الذين كانوا يدربون الانتحاريين للحرب في العرق بتنفيذ مهمات انتحارية ضد السفارة الأمركية ومركزي المارينز والمظليين الفرنسيين. ما يؤدي إلى زعزعة القوات المتعددة وارباك الحكم اللبناني. وبنفس الوقت يبدأ الكلام على المقاومة لاخراج اسرائيل. فتنفذ عملية انتحارية أيضا في مركز حرس الحدود في صور وأغلب جنوده من الدروز.

من الطبيعي أن تنال هذه العمليات الانتحارية من تماسك الشارع الشيعي الجنوبي الذي كان يرفض المنظمات وأعمالها ويعتبر بأن اسرائيل خلصته منها. وهكذا تبدأ عملية صراع داخلي في المجتمع الشيعي حيث يحاول الايرانيون أن يصبغوا الطائفة الشيعية بلونهم وثقافتهم السوداء ومحاصرة الانفتاح الشيعي اللبناني حتى على الاسرائيليين. ومن ثم تبدأ عمليات التحول بالترغيب ودفع المساعدات من جهة وباظهار القوة ببعض العمليات الاستعراضية من جهة أخرى.

ينضم السيد في هذه الفترة إلى جماعة الحرس الثوري فيرون به خطيبا مفوها ومنظرا في الحلقات الخاصة وبعض الظهور الاعلامي أحيانا، فينادي بالدولة الاسلامية ولكن بحسب خط الولي الفقيه. من هذه المرحلة يبدأ مسيرته التي توصله إلى دورة استراتيجية في قم سنة 1989 تدوم سنتين حيث يتلقن خلالها الخط الاستراتيجي لدولة الولي الفقيه ويتعرّف على الثوابت فيها. وبعد مقتل الموسوي الذي شغل منصب الأمين العام لحزب الله سنة 1991 يعود السيد حسن ليتسلم هذا المنصب ويبدأ عمله وظهوراته الاعلامية المتلاحقة.

كانت الحرب التي وقعت بين أمل وحزب الله بعد خطف الأخير للكولونيل هيغنز في 1988 قد أدت إلى اخراج الحزب من الجنوب كليا. ومن ثم دارت حروب بين التنظيمين خاصة حرب اقليم التفاح والتي لم تنته إلا بتركيز الحزب على موضوع الرهائن الذي كان يهم الإيرانيين كثيرا لكي يؤمنوا بعض التراخي من قبل الغرب في موضوع التسلح وقطع الغيار وتخفيف الضغط عليهم. وبالتالي يوم انتهت الحرب بين إيران والعراق، وقبل الخميني على مضض وقف عملياته في الأهواز وتوقيع اتفاق وقف النار، تفضّى الحزب للجبهة اللبنانية محاولا العودة للظهور الاعلامي كمقاومة للاحتلال الاسرائيلي. ولكن حرب التحرير التي قادها العماد عون ضد القوات السورية ودخول صدام حسين إلى الكويت، أديا لاسترضاء الأسد لدول الخليج والتحاقه بالتحالف الدولي لتحرير الكويت. حيث فقد عرفات تأييد هذه الدول له أيضا كونه ساند صدام، ما أطلق يد سوريا في لبنان. فتم وقف الحرب باتفاق الطائف وما لحقه من حرب الالغاء التي ألغت الحماية الدولية للمنطقة الشرقية فدخلها الجيش السوري وحل كل المليشيات ما عدا حزب الله. ومن هنا تنامي دور السيد حسن، الأمين العام الجديد للحزب، كونه أصبح رقما أساسيا في نجاح الاتفاق السوري – الإيراني. فحُلت ميليشيا أمل وباقي المليشيات وسُلمت الأسلحة الثقيلة. ولم يبق سوى حزب الله بقيادة السيد ليفرض سيطرته شيئا فشيئا على البلد بغياب أي معارضة جدية له وبحماية النظام السوري وجيشه. في حين أطلقت يد بري في التوظيف ومشاريع الدولة، كما يد جنبلاط في موضوع المهجرين وبعض المشاريع الأخرى. ومن جهة السنة فقد كان الحريري هو من حل محل عرفات وبقية الزعماء المحليين في الزعامة السنية والمشاريع الكبرى للدولة التي يديرها ويوزع من خلالها بعض المكاسب للسوريين.

في هذه الأثناء لم يكن للسيد حسن كبير التأثير ولم ينتبه له أحد كون الكل كان منشغلا باعادة الاعمار وبما توزعه من مغانم وثروات. ولكن الرئيس بوش (الأب) والذي قام بتحرير الكويت، أراد أن يحل القضية الفلسطينية. وبما أن مصر كانت فتحت باب السلام والتحقت سوريا بالتحالف الدولي فكان من الضروري أن تكون الدولة الثانية التي تنضم إلى قطار السلام. من هنا مؤتمر مدريد (1992) الذي كان يمهد للسلام بين سوريا واسرائيل. وقد تنازل الاسرائليون لسوريا عن كامل الجولان أثناء المحادثات. ولكن الرئيس الأسد الذي ارتبط بإيران ومصالحها من جهة، والذي رأى الفرصة مناسبة له لكي يصبح الطفل المدلل لدى العرب بعد غضبهم على عرفات فيسهل ابتزازهم، لم يعجبه حل المشكلة، فطالب بكل الأراضي التي كانت احتلتها سوريا من فلسطين أثناء حرب 1948 ما يعني أن يرابط الجيش السوري على الضفة الشرقية لبحرية طبرية، وهذا ما لم يقبل به الاسرائيليون ففشلت المفاوضات.

ولكن اسرائيل التي غضبت من تصرف الأسد قامت باتصالات سرية مع عرفات، وهو صاحب الحق بالموضوع الفلسطيني، وكان تألم من موقف العرب تجاهه وأصبح غائبا عن الساحة، فوجد بالعملية خشبة خلاص له. وهكذا توصّل الفريقان إلى نوع من الاتفاق الذي سيعيد لعرفات صورته هذه المرة كصانع للسلام بمباركة أمريكية. ولكن قبل أن تنته المفاوضات وصلت معلومات عنها للأسد فحاول تفشيلها. لذا طلب من السيد حسن نصرالله أن يقوم حزبه بقصف مدن اسرائيلية واشعال الجبهة. وبالفعل فقد قصفت كريات شمونة وغيرها من المدن الاسرائيلية ما جعل رابين يقوم بعملية “الحساب” (تموز 1993) التي قصد منها القضاء على حزب الله في الجنوب والضغط على السوريين ليكفوا عن محاولات افشال المفاوضات مع الفلسطينيين. وكان المقصود هو الحزب وليس الأهالي، لذا كان جيش الدفاع يطلب إلى الأهالي ترك بيوتهم قبل القصف ليقلل من الاصابات المدنية. ولكن الاسرائيليين ضربوا أيضا بعض البنى التحتية للضغط على الحكم في بيروت. وبالنتيجة توصل المعنيون إلى اتفاق لوقف اطلاق النار تعهد به حزب الله عدم التعدي على المدنيين الاسرائيليين. وهكذا أعلن الاتفاق بين اسرائيل والفلسطينيين بعد أقل من شهر على العملية في آب 1993.

قامت سوريا والحكم للبناني الذي لم يشارك حتى بالتفاوض بين اسرائيل وحزب الله، ولا حتى كمراقب، بطلب المساعدات من الدول العربية والصديقة التي سارعت لمد العون. وهنا بدأت عمليات اعادة الاعمار وتوزيع المساعدات على المتضررين، ما فتح ابواب الفساد والمحسوبيات والاستفادة من الأموال التي أغدقت وكأنها غنائم حرب. فكانت هذه وتلك التي جاءت مباشرة بعد اتفاق الطائف نواة نظام المحاصصة والفساد الذي سيحكم البلد حتى هذه الأيام.

من ضمن التعديات على الدولة التي لم يكن السيد يعترف بها كان طلبه من مناصريه عدم دفع أي ضرائب أو مساهمات لهذه الدولة ومن هنا التعليق على خطوط الكهرباء وعدم دفع المتوجب ما جعل هذه العملية تنتشر فتقل مداخيل شركة الكهرباء ولا تعود قادرة على تحديث مولداتها أو الشبكة ما يؤدي إلى ضعف بوصول التيار وانتاج الكهرباء وبالتالي تصبح هذه أحد الجروح النازفة لمؤسسات الدولة الأساسية لأن الكهرباء هي عصب الانتاج في البلاد.

أعطى وقف اطلاق النار هذا، السيد حسن دورا سياسيا وأصبح خطابه مسموعا كونه تحدى اسرائيل وتوصّل إلى جعلها تعترف به وتفاوض حزبه على وقف النار. ومن جهة أخرى كان السوريون الخائفون من رد فعل الأميركيين يريدون الظهور بمظهر من لا يعلم ولا سلطة له على ما يسمونه المقاومة لكي يروّجوا لعودة اللعب على ابتزاز الكل من خلال استقلالية الحزب. وقد كانت الرقابة الذاتية على الاعلام في لبنان أعطت ثمارها ما فتح المجال للسيد بأن يطلق العنان لسلسلة خطاباته التي بدأ الاعلاميون اللبنانيون يشددون من خلالها على الكاريزما التي يتمتع بها السيد وعلى خطابه الواثق وخطه الواضح خاصة عندما يتحدى اسرائيل.

في بداية سنة 1996 جرت أول انتخابات في الأراضي الفلسطينية بالضفة والقطاع حيث تقدم للانتخاب أكثر من ثلاثة ملايين وثلاث مئة ألف ناخب بدون مشاركة حركة حماس. ونالت فيها فتح أغلب المقاعد وسمي عرفات رئيس السلطة الفلسطينية، ما أقلق الأسد نوعا ما كون عرفات وسلامه بدأ يعمل على الأرض. من هنا كان يجب أن يسعى لخربطة هذا الوضع ولم يكن له أفضل من السيد وحزبه ومقاومته للقيام بمثل هذا العمل الذي سيأخذ بعدا اعلاميا يغطي على ما يجري في الأراضي الفلسطينية. وهكذا بدأت المناوشات تعود إلى ساحة الجنوب. ولكن السيد الذي طلب موافقة إيران على أي عمل كبير كونه التزم عدم المس بالمدنيين الاسرائيليين ولا قدرة له إلا على ذلك. فكان الجواب أن ينتظر إلى نيسان لتسهم عمليته بفوز الجناح المتشدد بالانتخابات الايرانية. وهذا ما حدث، ففي الحادي عشر من نيسان 1996 فتح حزب الله النار على المدن الاسرائيلية خاصة نهاريا وكريات شمونة مستدعيا اسرائيل للرد فردت بقصف إحدى الطائرات لمبنى في الضاحية الجنوبية وما كان منه إلا التصعيد كونه يريد هذا التصعيد لكي يفعل فعله في الانتخابات الايرانية ولا يهمه ما يجري في لبنان، وهو سيكسب دعم الشارع كونه يعرف كيف يديره، والسوريون هم من كان طلب التصعيد. ولذا وعندما كثرت الاصابات في صفوفه وبدى وكأن الناس والحكومة اللبنانية لم تعد بقادرة على تحمل ما يجري ذهب إلى خلق مشكلة انسانية فنصب صواريخه بالقرب من مركز الأمم المتحدة في بلدة قانا حيث كان المدنيون يلتجؤون وكان الفيدجيون حاولوا ابعاد جماعة الحزب عن المكان فاشتبكوا معهم وجرح أحد الجنود عندها تلقوا امرا بالدخول إلى الملاجئ في حال بدأ القصف. وهذا ما جرى اليوم التالي (18 نيسان 1996) ولكن لتصيب إحدى الشظايا اسطوانة غاز تابعة لمطبخ الكتيبة وتنفجر مؤدية إلى مجزرة بين الأهالي لم تقدر الأمم المتحدة على تحملها فتحملتها اسرائيل وخرج السيد منتصرا مرة أخرى. وأجاد بالخطابات والتهديدات، ولو أنه وافق على وقف اطلاق النار، كون الانتخابات في إيران جرت في 19 نيسان 1996 أي في اليوم التالي للمجذرة وأعلنت فوز الخط المتشدد هناك.

وقد كان السيد مرتاحا لما يجري وهو يكسب من عدة نواحي ويخدم الخطة الإيرانية والسوريين حلفاء أسياده وجل ما يقوم به من عمليات استعراضية لا تقدم ولا تؤخر في مجرى الأحداث. ولكن تطورا حصل في اسرائيل إذ تقدم الجنرال باراك الذي فاز برئاسة حزب العمل تقدم للانتخابات على أساس برنامجه الذي يتضمن الاتسحاب من لبنان إذا ما شكل الحكومة. وقد نجح فعلا وقرر الانسحاب قبل تموز 2000 ولكنه لم يجد من يتسلم الأرض بعد انسحابه كون السوريون يريدون أن تبقى اسرائيل كي يبرروا وجودهم على الآرض والأمم المتحدة غير قادرة على فرض ما لا تقبله الدولة اللبنانية ولكن الايرانيون كان لهم رأي آخر وهو أن يتسلم حزب الله المنطقة فيؤمن عدم التعدي عبر الحدود ويكسبون هم السيطرة على لبنان بعد خروج السوريين. وهذا ما جرى بدون أن ندخل بالتفاصيل.

لا نريد التكلم بالتفصيل عن حرب 2006 التي تعهد السيد قبل يومين من حدوثها على طاولة الحوار بأنه لن يُقدم على اشعال حرب بدون موافقة أكثرية اللبنانيين ثم قام جماعته بعملية خطف عبر الحدود بدون مبرر أدت إلى حرب مدة الشهر خسر فيها الجنوببون بيوتهم وأكثر من الفي قتيل ليقول من على الشاشات مقولته المشهورة “لو كنت أعلم”. ثم بعد مقتل سليماني يعترف علانية أيضا بأن الأخير كان يقود الحرب وهو من قرر وخطط مع عماد مغنية لعملية الخطف وتابع ما تبقى من أعمال عسكرية كانت تهدف لتخليص إيران من الضغوط التي كان الاتحاد الأوروبي يستعد لفرضها عليها بسبب برنامجها النووي.

السيد حسن الخطيب المفوه صاحب الكاريزما لا يعدو نجاحه عن كونه يفسر ويتهجم ويتباهى بمآسي اللبنانيين فكل منجزاته كانت هدم وتشريد الأهل ومن ثم تخريب الدولة والاقتصاد وتعميم اللادولة وتشجيع الفساد والمتاجرة بالممنوعات والعمالة للغريب. فهو يصرح علانية بأنه جندي في ولاية الفقيه يتلقى ليس فقط الأمر انما التمني حتى وينفذه مهما جرى. والنتيجة بأنه أفقد لبنان كل مقوماته في شتى المجالات. وعادى المحيط وأفقد جماعته، الطائفة الشيعة الكريمة، كل مقومات الحياة. واستعدى الجوار من الطوائف اللبنانية، إلى البلاد العربية، إلى الشعوب المحيطة. وقتل أبناء الشيعة في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ليس غريبا على السيد هذا التصرف وقد يكون هذا النوع من الكاريزما والقدرات الخطابية التي رأيناها مثلا عند الرئيس عبد الناصر أو الفوهرر “هتلر”، هي ما يأسر الزعيم أو المتكلم ليجعله يرتبط بأقواله وتصاريحه التي تعجب العامة وتسلب آذانهم فينتظرون منه أحيانا كثيرة ما لا يقدر عليه. ولذا فيوم اعتقد هتلر بأنه الخطيب العظيم أخذ المانيا من النجاحات إلى الفشل المتكرر، لا بل هدمها بقدر عنجهيته والتزامه الخطاب الذي يلهب أسماع الجماهير. ونفس الموضوع حصل مع الرئيس عبد الناصر الذي يوم تسلّم الحكم ولم يقدر أن يؤمن قوت الشعب لأن الطاقات المنتجة هربت مع كل معارفها، توهّم بأنه بتأميمه قناة السويس سيربح، ولكنه فشل ولو أن السوفيات تدخلوا وفرضوا انسحاب انكلترا وفرنسا، انما حوّل هؤلاء تجارة أوروبا إلى ميناء بيروت ليقطعوا له الطريق ويغلقوا قناة السويس سلميا. فحاول أن يتاذكى بأن عمد إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا ليقطع الطريق على البضائع التي تصل بيروت. وجرّب شراء الزعماء اللبنانيين لقلب النظام. لكن الأميركيين الذين كانوا فرضوا انسحاب الانكليز والفرنسيين من القناة اضطروا أن يقوموا بانزال بحري للاسطول السادس في بيروت. ومن ثم بعد سنتين تطالب سوريا فك الوحدة مع مصر، فيهرب إلى اليمن، ولكن ليخسر هناك ويعود بعد أربع سنوات من الخسائر ليتحدى اسرائيل، فيغلق الممرات البحرية، ويطرد الأمم المتحدة، ويخسر الحرب. كل ذلك لأنه اعتقد بأن ارضاء الجماهير بالخطاب الذي يجب أن يطرح خلاله دوما مشاريع أحلام، ولو لم يعتقد بامكانية تحقيقها، ولكنها تاخذه إلى حيث لا يريد. والأمثلة كثيرة وخاصة في هذه الأيام؛ خطابات السيد المتكررة التي توقعه كل يوم في موضوع جديد يضطر أحيانا إلى نقضه والتخلي عنه.

في شخصية السيد أيضا نقاط يمكن الاشارة إليها، وهو رجل الدين الذي يجب أن يتحلى بالوقار ويحترم الناس وأقوال الانبياء ووصاياهم، خاصة فيما يتعلق بالقتل واكرام الميت من أي دين كان. فقد رأينا سنة 1978 بعد دخول الاسرائليين إلى الجنوب فريقا من الحاخامين يجمع قتلى وأشلاء الفلسطينيين ويدفنهم بكل احترام في حفرة تركت مع علامات تدل عليها كمدفن، لأنهم على ما بدى يحترمون الموت ويعتبرون بأن هذا العمل جزء من التدين. وهو ولو لم يفعل، إنما تهديده لأبناء المنطقة الحدودية “بالدخول إلى مخادعهم وبقر بطونهم” ليست من شيم رجل الدين. ويوم عملية انصارية التي جرت في الخامس من ايلول 1997 والتي لم يعلم بها حزب الله الا بعد قيام الاسرائيليين بارسال فريق للتفتيش عن الجرحى لفقدان الاتصال بالمجموعة، التي يبدو بأن لغما كان يحمله أحد افرادها انفجر عن طريق الخطأ فمزقه ونثر أشلاءه في كل الاتجاهات، وأصيب أو قتل بقية أفرادها، ولما وصلت مجموعة الدعم نقلت الكل ما عدا واحد أضطروا للتفتيش عنه باطلاق القنابل المضيئة. وبعد ذهابهم وفي اليوم الثاني جاء جماعة السيد ليستطلعوا ما جرى فاذا بهم يجدون الاشلاء فيحمل السيد بعضها بنفسه، وهو المفروض أن يكون ذو وقار ويحترم الأموات، ويلّوح، من على شاشات التلفزة، بها قائلا بكل استهزاء: “جمّع واربح”، أي أنه سيجمع الأشلاء ويستبدل بها بعض الأسرى. وقد يكون حقه استرجاع اسراه ولكن بدون علامات الاستهزاء تلك. ولا نريد أن نشمت، لا سمح الله، بالرغم من أن ما تمثله عمامة السيد يجب أن يكون بعيدا عن مثل هكذا تصرف، فبعد اسبوع في 12 أيلول 1997 يقتل ابنه البكر هادي في كمين للاسرائيليين بالصدفة. فهل أن الله سمح بما جرى لينبهه عن مثل هذه التصرفات التي تضر بسمعته كرجل دين لا كزعيم تنظيم سياسي أو ميليشيا مسلحة؟

اعلام غوبلز اشتهر بالتأثير على الناس وباخراج الاحداث وتوجيهها لمصلحة الرايخ ولكنه بالنهاية فشل وسقط وسقطت معه ألمانيا. واعلام حزب الله والحرس الثوري ليس بعيدا جدا عن تلك التجربة. وها هو كلما احتاج لتبرير يوقف أحد الجنوبيين الشرفاء ويتهمه بالعمالة ويضع فيه كل ما في جعبته هو من أخطاء. ولكن هناك من يسمع ويرى وقد سبق وقال “أعمى عيونهم لئلا يبصروا وأغلق آذانهم لئلا يسمعوا فيتوبوا ويضطر أن يغفر لهم”…