الياس بجاني/نص وفيديو: ذكرى عيد مار مارون ولبنان والموارنة والمارونية

280

نص وفيديو: ذكرى عيد مار مارون وغربة غالبية رعاتنا وقادتنا الموارنة عنه وعن المارونية
الياس بجاني/09 شباط/2024 ) (من أرشيف 2023 مع بعض التعديلات)

اضغط هنا لقراء المقالة باللغة الإنكليزية ولكن من منطلق ومقاربة مختلفينClick here to read this piece in english

تتذكر أمتنا المارونية وكنيستها اليوم أبينا مار مارون مؤسس هذه الكنيسة وراعيها وقديسها وشفيعها.
نرفع الصلاة خاشعين ومتضرعين من أجل أن تحل على قومنا الماروني نعم المحبة والإيمان، وأن يعود قادتنا كافة إلى منابع ومعاجن قيم ومثال ومفاهيم وممارسات أبينا مارون في أقوالهم وإيمانهم وأفعالهم.
لقد علمنا السيد المسيح وأوصانا في كتابنا المقدس بأن نشهد للحق، وأن ندافع عن الحقيقة، وأن نسمي الأشياء بأسمائها، وأن يكون كلامنا صريحاً ومباشرة ودون مواربة أو نفاق أو تملق أو تلون أو ذمية.
وعلمنا أن يكون كلامنا بنعم نعم، وبلا لا ..
وعلمنا أن الكلمة كانت منذ البدء وأنها هي تجسدت وأنها هي الله..
وعلمنا أن الله هو محبة، وأن من لا يعرف المحبة لا يعرف الله..
من هنا وبراحة ضمير كاملة، وعن قناعة مطلقة، واعتماداً وحكماً على الأفعال والأقوال والثقافة والتعاطي والممارسات، وبذكرى قديسنا وأبينا مار مارون نقول بحزن مبكي بأن غالبية رعاتنا وقادتنا الموارنة الحاليين هم في غربة قاتلة عن كل ما جسده ويجسده مار مارون وعن المارونية بكل أطرها الإيمانية من نذورات وتواضع وإيمان وتجرد والتزام بمفهوم الأبواب الضيقة.
ولأن المارونية في جوهرها وكما أرادها أبينا مار مارون هي نذورات فقر وطاعة وعفة وينابيع تواضع ومحبة وإيمان وصدق وشفافية وعطاء وتجرد ورسالة وتاريخ، فإن ممارسات السواد الأعظم من القيمين على شؤوننا السياسية والدينية والحياتية والثقافية هم في واد والمارونية الحقة وتعاليم ونموذج مؤسسها هم في واد آخر.
ومحزن جداً أن تكون ثقافة الإسخريوتي قد تسللت إلى عقول وقلوب وضمائر كثر من قادتنا فأمست قبلته هي نمطاً لممارساتهم وعنواناً لحالة التخلي التي يعيشونها.
ولكن ورغم كل هذه الغربة، ورغم هذه الإسخريوتية الوقحة على مستوى القادة والرعاة، فإن الخمائر الطيبة والطاهرة وللحمد لله هي موجودة ومتأصلة بين قومنا الماروني..
وهذه الخمائر الخيرة هي بالتأكيد ستخمر عجيننا الإيماني مهما طال زمن الجحود والكفر والتخلي..وهي التي سيكون لها الغلبة في النهاية مهما طال زمن المكر والمّحل والإسخريوتية.
اليوم وفي ذكرى أبينا ومؤسس كنيستنا مار مارون نرفع الصلاة طالبين شفاعته وبركاته لقومنا الماروني ولوطننا المقدس لبنان.

*الكاتب ناشط لبناني اغترابي
عنوان الكاتب الألكتروني
Phoenicia@hotmail.com
رابط موقع الكاتب الألكتروني
http://www.eliasbejjaninews.com

من أرشيف سنة 2022/الموارنة في ذكرى شفيعهم ومؤسس كنيستهم
الياس بجاني/09 باط/2022
نحتفل نحن الموارنة اليوم في لبنان وبلاد الانتشار بالذكرى السنوية لأب ومؤسس كنيستنا وشفيعنا القديس مارون.
إنها مناسبة عطرة وفرحة وهي عصارة ونتاج واستمرارية ما يزيد عن 1600 سنة من النضال الإيماني والشهادة للحق والصبر والعطاء من تاريخ أمتنا وشعبنا وكنيستنا المشرقية السريانية.
في هذه المناسبة نرفع الصلاة خاشعين طالبين تقوية إيمان وصبر وعزيمة أفراد شعبنا ورعاتنا، ونسأل الله بشفاعة أبينا مارون وسيدة لبنان أمنا مريم العذراء أن يقي وطن الأرز وأهله شر الحروب والصراعات والاضطرابات وأن يبقيه وطناً لرسالة المحبة والتسامح والتعايش وقبول الآخر والحريات والديموقراطية والمساواة والإخاء.
أبينا مار مارون هذا الناسك الذي عاش في القرن الرابع في جبال قورش شمال إنطاكية ما زال حيّا في قلوبنا وعقولنا والوجدان نحن أبنائه الموارنة، واليوم نحتفل بذكراه ليس فقط في لبنان حيث مركزنا الديني والوطني، بل في كل أنحاء العالم حيث تقيم جالياتنا وتنتشر.
يجب ألا ننسى تحت أي ظرف أن حياة أبيا القديس مارون كانت حياة تقشف فكان يكتفي باليسير مما يحتاج إليه الناس في دنياهم من قليل الطعام والشراب واللباس، ولهذا سلك طرق التقوى والإيمان والتواضع والعطاء وقد حرم نفسه ما كانت تشتهيه، وهذه هي الطرق الوعرة التي سار عليها الأبرار والقديسون كافة.
كان محور حياته مركزا على الصلاة والتعبد والتأمل والإماتة، ولذلك اعتزل الدنيا وأقام تحت خيمة من شعر تقيه حر الصيف وبرد الشتاء.
كان الناس يأتون إليه ليسألوه صلاته وبركته، فيصرف أفكارهم عنه ليوجهها إلى الله مصدر كل خير وينبوع كل صلاح، وهذا هو نمط الأبرار فلا يجتذبون الناس إليهم ليظهروا صفاتهم الحسنة، ويمتدحوا أعمالهم الباهرة، بل ليحملوهم على الإقبال على الله.
قاوم وتحدى مغريات العالم وأباطيله فشاع صيت قداسته، فكتب إليه القديس يوحنا فم الذهب من منفاه يقول له: “إن روابط المحبة والمعزة التي تشدني إليك تجعلني أراك كأنك حاضر أمامي، وفي الواقع إن ما تتميز به نظرة المحبة، إنما هو اجتيازها المسافات ومرور السنوات لا يضعفها وددت لو أني راسلتك بتواتر لكن المسافات شاسعة والمسافرين قلائل، لكني أريد أن تتأكد أني لا أفتأ أذكرك، لأنك تحتل في قلبي مركزا رفيعا فلا تبخل علي بإخبارك، والأنباء عن صحتك تفرحني جدا على الرغم من بعد المشقة، وتعزيني في منفاي ووحدتي وتسر نفسي سرورا كبيرا بمعرفتي انك في صحة جيدة، واعز طلب عندي أن تصلي من اجلي هكذا يخاطب القديسون القديسين، فيما هم يتراسلون”.
طبعت روحانيته وشهادته كنيستنا المارونية فحملت اسمه ونبتت مثل السنبلة من حبة القمح. إنها كنيسة أمة وقضية ورسالة، وقد احتضنت شعبها المؤمن منذ ما يزيد عن 1600 سنة وشهدت ولا تزال لروحانية أبيها في الوحدة والشركة على تقليد إنطاكيا، وهي كانت ولا تزال وسوف تبقى منفتحة على الشعوب والحوار ومتمسكة بتراثها السرياني المشرقي العريق وبهويتها المميزة.
ما أحوجنا نحن الموارنة إلى الوعي الإيماني والوحدة والتضامن في هذه الأيام الشديدة الوطأة. ما أحوجنا إلى نبذ الأحقاد والابتعاد عن الأنانية والأنا. ما أحوجنا إلى رعاة وقادة وأفرادا أن نأخذ من أبينا مارون الأمثولة، وهي ألا يعيش كل منا لنفسه، بل أن يفكّر في غيره من الناس ويبادر إلى مساعدتهم.
كم حولنا اليوم من أناس نكبتهم الأيام، فلم يقووا على مواجهة النكبة، وهم في اشد الحاجة إلى من يمد لهم يد العون لينهضوا من كبوتهم.
هذا ويستحيل على الوطن، أي وطن أن يقوم، أن لم يضافر أبناؤه جهودهم لينهضوه، وقد آن الأوان ليقلع كل ماروني منا وكل لبناني عن أنانيته والتفكير في مصلحته الخاصة الضيقة من مواقع ومراكز وكراسي ونفوذ، اعتقاداً منه انه ينجو بنفسه منفرداً.
والواقع الحالي البائس الذي لا سبيل إلى إنكاره، هو أننا كلبنانيين، موارنة وغير موارنة جميعاً نبحر في مركب واحد مثقوب بنتيجة قلة الإيمان والأنانية وخور الرجاء وعدم الخوف من الله.
مصيرنا واحد فإذا غرق المركب غرقنا معا،ً وإذا نجونا نجونا معاً. هذا إذا كنا حقاً نخاف الله ويوم حسابه الأخير ليس ظاهراً فحسب، بل قولاً وفعلاً، مهما كانت التضحيات كبيرة.
ونحن نستذكر حياة وصفات وعطاءات وطهارة أبنا مارون لا بد وأن نسأل، هل يُعقل أن يصل حال التخلي عند بعض القيادات المارونية إلى حد الانقلاب على كل ثوابتنا التاريخية؟ وأيعقل أن يكون هؤلاء القادة الموارنة فعلاً من أتباع كنسية أبينا القديس مارون وهم يقدسون سلاح الاحتلال الإرهابي، ويتحالفون معه، ويضربون عرض الحائط باستقلال وسيادة وطن الأرز وبرسالته الحضارية والتعايشية، طمعاً بمواقع ومنافع ذاتية وعلى خلفيات الحقد والكراهية والانتقام والأنا؟
إنه بالفعل زمن أغبر هذا الذي وصلنا إليه، ويصح بهؤلاء القادة قول النبي اشعيا: “هذا الشعب يكرّمني بشفتيه، أما قلبه فبعيد عني كثيراً، فباطلاً يعبدونني، وهم يعلمّون تعاليم البشر”.
نسأل الرب أن يؤتينا جميعاً أن نتفهم تعاليم أبينا مارون، وان نعمل بوحيها، فنرص الصفوف، ونوحد الكلمة مع جميع إخواننا اللبنانيين في الوطن الأم وبلاد الانتشار ونتعاون متكاتفين بمحبة وتجرد على إعادة وطن الأرز والقداسة إلى سابق عهده في البحبوحة والازدهار في ظل سلام دائم وعادل وشامل.
نسأل الرب بشفاعة أبينا مارون أن يقوي إيمان وإدراك رعاتنا وقادتنا وأفراد شعبنا ويمدهم بنعمتي الإيمان والرجاء حتى لا ترهبهم ضغوط أو شدائد، وحتى ولا تضعف ثقتهم بنفسهم وعقيدتهم فيغريهم موقع أو ثروة.
نهنئ أهلنا الموارنة وعموم اللبنانيين بهذا العيد، ونصلي معهم لينعم علينا الرب وعليهم بنعم الاقتداء بفضائل صاحب العيد وبكل ما اتصف به من خشية لله وتجرد عن أباطيل الدنيا ومحبة للناس وتواضع وتفاني.
ونخص في صلاتنا اليوم من أجل التوبة والرجوع إلى حظائر الحقيقة والحق قيادات مارونية اسخريوتية فاجرة في ممارساتها وفكرها وخطابها. قيادات سياسية ذاقت مرارة العزلة والنفي والإهانة، إلا أنها لم تتعظ يوم تحرر الوطن بفضل قرابين أبناء أمتها وتضحياتهم، فعادت إلى ممارسة المسؤوليات بنرجسية فاقعة ومكر مركزة وجهتها على الكراسي والنفوذ وعبادة المال.
للإسخريوتيون هؤلاء نصلي لعلهم يتوبون ويعودون إلى الطريق القويم ويؤدون الكفارات، وإلا فحسابهم يوم الحساب الذي لا بد أنه آت حيث يكون البكاء وصريف الأسنان.
ونختم مع قول بولس الرسول (رومية12/من15حتى18): “إفرَحُوا مَعَ الفَرِحينَ وابْكُوا معَ الباكينَ. كونوا مُتَّفِقينَ، لا تَتكَبَّروا بَلْ ِاتَّضِعوا. لا تَحسبوا أنفُسَكُم حُكماءَ. لا تُجازوا أحدًا شرّاً بِشَرٍّ، واجتَهِدوا أنْ تعمَلوا الخَيرَ أمامَ جميعِ النّاسِ. سالِموا جميعَ النّاسِ إنْ أمكَنَ، على قَدْرِ طاقَتِكُم”.
ملاحظة: تاريخ القديس مارون الوادر في المقال مأخوذ من كتاب معاني الأيام للفيلسوف والمؤرخ اللبناني الماروني فؤاد أفرام البستاني

الموارنة ولبنان/من كتاب معاني الأيام
الفيلسوف والمؤرخ فؤاد أفرام البستاني
إن لبنان هو موطن الموارنة الصحيح، فقد أمته المارونية لاجئة مبشرة منذ القرن السادس، فربطت مصيره بمصيرها. فيه ترعرعت، وفيه تركز كيانها، وفيه بسقت دوحتها فامتدت منه أغصانها إلى مختلف أنحاء العالم، واليه تعود ملماتها وأفراحها. فالمارونية بنت لبنان، ولبنان، في الكثير من مزاياه وخصائصه، صنع المارونية. فلا بدع أن نجعل منشئها من خيرة الوجوه اللبنانية، المطلة من مشارف الخلود على سير ابنائها في وطنهم، المشرقة على مصير هذا الوطن في أيدي ابنائها.
أما كيف تبدو لنا صفة هذه المارونية بعد تمرسها، مدة أربعة عشرة قرناً، بتكاليف الحياة خيراً وشراً، وبعد اندماجها بهذا الجبل العجيب منكمشة تارة في مغاوره وكهوفه، منفتحة طوراً من سواحله على رقعة العالم الفسيح فها هي ملخصة في ما يلي:
المارونية إيمان، وعقل، ومذهب، في الحياة: إيمان وطيد بالعقيدة الكاثوليكية، وخضوع بصير للنظام الروماني، ويقين في انتصار الحق، وشمول الخير، وواجب السعي الدائب في محبة القريب والغريب.
عقلٌ عاقل منفتحٌ على مختلفِ الثقافات في العالم، يأخذ منها ويفعل فيها. يأخذ مختاراً، وينتخب واعياً، ويهضم متمثلاً، ويفعل مخلصاً في سبيل الحق والخير والجمال.
مذهب في الحياة،نير، خطه الإيمان والعقل وهدت في شخصية متكاثفة العناصر، متراكمة التقاليد، متراصفة العبر، مدة أربعة عشر قرناً، فوضحت لها المعالم، واستقامت لها المقاييس. فقدرت القيم قدرها الصحيح، ودرّجت نظام الكائنات من الروح إلى العقل إلى الى الجسد.
هذا ما جاءت به المارونية لبنان، فعملت في تطوره حتى ع‘رّف بها وع‘رفت به. فلا وطن لها سواه، ولا كيان له بدونها،… فهما ثابتان على كرور الأيام، لا انتقاصاً من حق قريب ولا عداءً لجار، مندفعان ولا تهور، صابران ولا يأس، راجيان ولا غرور.

موجز عن حياة وتاريخ مار مارون (340-410).
تحتفل الطائفة المارونية في هذا اليوم بذكرى أبيها ومؤسسها مار مارون، الراهب، الناسك. وهو عيد حافل ديني ومدني معاً. تعود في الطائفة إلى التأمل في أحوالها وفي ما مر عليها من الأحداث طوال خمسة قرون، فنعتبر ونتأمل وترجو، ومستعيدة طاقاته في التحفيز والعزم.
فمن كان ذاك القديس المؤسس؟
وأين جعل منسكه؟
وكيف تفرّق أبناؤه؟
مارون الراهب الناسك الآرامي العِق، السرياني المذهب واللغة، نشأ في مدينة قورش، شمالي شرقي أنطاكية، وعلى مسافة يومين منها، وإلى الشمال الغربي من هيرا بوليس (منبج) عاصمة سوريا الثالثة والفراتية. ولا تزال أطلال قورش ماثلة للعيان حتى اليوم، على نحو 15 كيلومتراً، إلى الشمال الغربي من كلّس في تركية، وعلى نحو 70 كيلومتراً شمالي حلب.
وفي ضواحي قورش، اختار مارون قمة يبلغ ارتفاعها نحو 800 متر كان قد أقيم عليها قديماً هيكل وثني تداعت أركانه على توالي الأحقاب. ثم اقفرت المنطقة حتى غدت بمعزل عن حركة السكان، فقصد إليها في النصف الثاني من القرن الرابع، ارتياداً للخلوة والطمأنينة.
فكرس الهيكل الوثني المخصص للأبالسة منذ1 القديم كمال يقول مترجم حياته الأسقف المؤرخ تيودوريطس- وأخذ يستعمله في عبادة الإله الواحد. وكان يقضي أيامه ولياليه تحت جو السماء متعبداً متهجّداً، حتى إذا هاجت العواصف واشتد البرد وسقطت الثلوج، لجأ لا إلى أطلال الهيكل التي لم يكن يؤّمها إلا لإقامة الذبيحة الإلهية كما يظهر، بل إلى خيمة صغيرة كان قد اصطنعها من جلود الماعز- والماعز كثيرة في تلك النواحي الجبلية- كتلك الخيمة التي وصفها تيودوريطس نفسه في ترجمة يعقوب الناسك، تلميذ مارون. إلا أنه قليلاً ما كان يستظل هذه الخيمة، فلا تصحو السماء إلا ويعود إلى منسكه في العراء.
أما في أعماله التقشفية فلم يكتفِ بتمريس نفسه على المعتادة منها، كالأصوام والصلوات المستطيلة، والليالي السهرة في ذكر الله، وإطالة الركوع والسجود وتلاوة السواعي في مواعيدها، والتأملات في كمالات الله ومناجاته تعالى، وحبس نفسه في منطقة محدودة لا يخرج منها إلا مع قهر الجسد باللباس الخشن والمسوح الشعرية، وتحريم الجلوس أحياناً، ومنع النوم ليالي بكامله، ثم الانصراف إلى وعظ الزوار وإرشادهم، وتعزية المصابين والحزانى منهم. كل هذا لم يكتفِ به مارون. بل كان يزيد عليه ما ابتكرته حكمته جمعاً لغنى الحكمة الكاملة، لأن المجاهد يوازن بين النعمة والأعمال. فيكون جزاء المحارب على قياس أعماله.
لسنا نملك سوى القليل من المعلومات عن حياة الرّاهب مارون وعن نشأته. فالمؤرّخ القبطي ثيودوريطس، أسقف قورش في القرن الخامس، وفّر بعض التفاصيل عن سيرة الرّاهب مارون، ومذهبه الإيماني وأعماله في كتابه الرّهباني”التاريخ الرهباني أو أصفياء الله“ ”Histoire Religieuse“ الذي وضعه سنة 459، دونما ذكر لتاريخ مولده ووفاته. فقط ذَكر أنّه ولد في القرن الرّابع، وأنّه كما العديد من الرهبان قرّر اعتزال الحياة العامة، وتفرّغ للنسك والزهد والعبادة في قلعة كالوتا وجبل سمعان في قورش بين مدينتي عفرين إلى الشرق، وحلب إلى الغرب، وتُعرف اليوم بالنبي هوري. كفّر الراهب مارون، وابتعد ليبني حياةً روحيَّة تتخطَّى محدوديَّة الزَّمان والمكان.
أيضًا ورد في الكتاب، أنّ مار مارون، الآرامي، السرياني اللغة، والذي يعني اسمه ”السيّد“، قد مارس ”التقشف والزهد وضروب من الإماتات، تحت جو السماء، متعبدًا في الصلوات والصيام والتأمل في كمال الله، ومتى اشتدت العواصف عليه، كان يلجأ إلى خيمة نصبها من جلد الماعز، وابتنى لنفسه صومعة يلجأ إليها في ظروف نادرة“.
كرّس مارون هيكلًا وثنيًّا قديمًا، وخصّصه لعبادة الإله الواحد. كان يمضي الليالي بذكر الله والركوع والسجود والتأمل في الكمالات الإلهية، لينصرف بعدها إلى وعظ وإرشاد الزائرين وتعزية المصابين وشفاء المرضى.وقال الأسقف ثيودوريطوس: ”وبما أن الله غني كثير الإحسان إلى قديسيه، فقد منحه موهبة الشفاء، فذاع صيته في الآفاق كلها، وتقاطر إليه الناس أفواجًا من كل جانب، وكان جميعهم قد علموا بالاختبار أن ما اشتهر عنه من الفضائل والعجائب صحيح، وبالحقيقة كانت الحمّى قد خمدت من ندى بركته، والمرضى برئوا بدواء واحد، وهو صلاة القديس، لأن الأطباء جعلوا لكل داء دواء، غير أن صلاة الأولياء هي دواء نافع لجميع الأمراض. غير أن القديس مارون لم يقتصر على شفاء أمراض الجسد بل كان يبرئ أيضًا أمراض الروح، فكان يشفي من الغضب والكذب واستباحة المحرمات وغيرها من المنكرات.“
وعن القدّيس مارون قال المؤرخ والمستشرق الفرنسي فيستوجيير André-Jean Festugière في كتابه ”أنطاكية الوثنية والمسيحية“ antiquité païenne et chrétienne : vingt-cinq études ”إن مارون، كان أول من مارس العيش في العراء في سوريا، معرضًا نفسه لقسوة عوامل الطبيعة. إن الزهاد في مقاطعة قورش ضمن سوريا الشمالية قد تبنوا هذا النمط من العيش، الذي أنشأه مارون، وخاصة الرهبان العموديين الذين اختاروا العيش على رؤوس الأعمدة وأشهرهم سمعان العمودي المتوفى سنة 459.“
أمّا عن قلّة المراجع حول مار مارون، فجاء في مقدمة كتاب ”مار مارون“ لفؤاد أفرام اليستاني: ”لم يكن مار مارون من قادة المغازي، ولا من مكتسحي الدول، ولا من مؤسّسي الممالك والإمبراطوريّات. فلا بدع أن لا يهتمّ به المؤرّخون فيدوّنوا فتوحاته… حياته قضاها هادئةً رتيبةً راهبٌ متنسّك شاء أن يعتزل الناس، قبل خمس عشر قرنًا، فلم يُحدث في مُحيطه أثرًا مادّيًا صاخبًا. ولكنّه لم ينجُ من التفاف الناس حول اسمه، بفضل ذلك الإشعاع الروحانيّ السامي الّذي يميّز به الله أولياءه ومختاريه“.
تلاميذه
انتشرت سمعة مارون الناسك، فتكاثر الرهبان من حوله فأسكنهم في مناسك وصوامع منفردة، وسنَّ لهم قانونًا يرشدهم في درب الله. وجاء في محاضرة لفؤاد أفرام البستاني عن مار مارون في مجلة الندوة، ج٢، عدد ٥ و٦، حزيران ١٩٤٨.
”مار مارون اجتذب تلامذة عديدين رجالًا ونساءً، وأن هؤلاء التفُّوا حوله في صوامعَ قريبةٍ، يهتدون بإرشاداته في مجاهل حياتهم النسكية، فلَمَّا تَوَفَّاهُ الله في السنة ٤١٠ نشأت أخويةٌ مارونيةٌ تعمل بما علَّم به هذا الناسك المجاهد.“ ومنهن مارانا وكيرا اللتان توفيتا حوالى عام 445، وعيدهما في الثامن والعشرين من شباط. أما دومنينا فتوفيت حوالى عام 460، وعيدها في الأول من آذار.
تمسّك الرهبان بتعاليم المجمع المسكوني الرابع في خلقيدونية 451م، الذي أوضح الإيمان بطبيعتين كاملتين متحدتين إتحادًا تامًا في المسيح، الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية. ودفعوا غاليًا ثمن إيمانهم، حيث قتل 350 راهبًا عام 517م على أيدي اليعاقبة ”المونوفيزيت“ Monophysite القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح. وتعيّد الطائفة المارونية ذكرى استشهادهم في 31 تموز من كلّ عام.
دير مار مارون
في ظلّ الاضطهاد البيزنطي للمذهب السرياني في سوريا ولأتباع القدّيس مارون خصوصًا، لجأ عدد من أتباعه إلى محيط نهر العاصي وبنوا ديرًا على إسمه.
وفاته
في 410 توفي مارون برائحة القداسة بعد أن قضى حياةً زاخرة بالصلاة والصوم والتقشف والعبادة على أحد جبال المنطقة القورشيّة شمالي غربي مدينة حلب السورية. ويقال أن ”مواجهة“ قاسية قامت بين السكان المجاورين للاستيلاء على جثمانه، وكانت ”الغلبة“ لبلدة متاخمة مكتظّة بالسكّان وهي براد، التي أنشأ سكانها كنيسة صغيرة محازية لكنيسة جوليانوس الكبيرة، لتستقبل جثمان القديس مارون. هذا الضريح الذي سيصبح جوهرة براد، هو كناية عن مبنى صغير مربع يتألف من ممر واحد وحنية مبنية من الحجر، قطر كل حجر هو 1.10 متر، نُقل البعض منها من معبد وثني قريب كدليل لتأثير الناسك القديس على محيطه و قدرته بشهادة فضائله على تحويل معابد الوثن الى كنائس تسبح الله. زُينت أرضية الضريح بالفسيفساء التي تحمل نقشًا باليونانية: ”على الشمال من الضريح، هناك القبر الحجري الذي دفن فيه القديس مارون.“ و يؤكد العلامة المؤرخ الشهير تيودوريطوس اسقف قورش أن سكان المنطقة كانوا متعودين على إكرام مار مارون عند الضريح في إحتفالات شعبية…
وبعد 300 سنة تقريبًا من وفاته، في العام 685، إنتُخب الأسقف يوحنا مارون، وكان أسقفًا على البترون منذ سنة 676 أوّل بطريرك ماروني. لم يزر مارون لبنان، لكن هامته موجودة في دير مار يوحنا مارون في كفرحيّ في البترون. وقد أعادها البطريرك من إيطاليا إلى لبنان في العام 693.
مات القديس مارون متنسكًا، وانتشر أبناءه الروحيين، وركّزوا كيانهم في لبنان، ومنه إلى العالم، واعين أنَّ الرب وعدنا بالفرح إذا ما شهِدْنا له بأقوالنا وَأفعالنا. وإلى شفيع وأب الموارنة يصلون:
باسمكَ دُعينا يا أبـانـا وعليكَ وطّدنا رجانـا
كُنْ في الضيقات ملجانا واختم بالخيـر مسعانا.
عيد مار مارون
في 9 فبراير/ شباط يحتفل الموارنة كل سنة في لبنان وبلاد الانتشار بالذكرى السنوية لأبي كنيسة المارونية وشفيعها القديس مارون. فالمناسبة هي ثمرة 1600 سنة من الإيمان والصبر والنضال من تاريخ الكنيسة المشرقية السريانية التي كانت وستبقى منفتحة على الشعوب والحوار.
البابا يبارك تمثال القديس مارون
إتّخذ قداسة البابا بندكتوس السادس عشر قرارًا بتكريم مار مارون والكنيسة المارونيّة، بوضع تمثال للقدّيس في ساحة الفاتيكان، للدلالة على دوره ومن بعده الكنيسة التي تأسّست على اسمه، في خدمة الكنيسة الجامعة.
‏وفي 23 شباط 2011 ولمناسبة اختتام يوبيل 1600 على وفاة القديس مارون، بارك البابا بندكتوس السادس عشر تمثال مار مارون، مؤسس الكنيسة المارونية، الذي رفع في الفاتيكان. صمّم التمثال الإسباني ماركو أوغوستو دوينياس Marco Augusto Dueñas الذي ألقى كلمة عبّر فيها عن تأثره بسيرة القديس مارون بعد أن أطلع عليها، فتكونت لديه فكرة التمثال الذي يجسد القديس مارون بلباسه الرهباني، يحمل بيده كنيسته ونظره يتطلع إلى أفق الاستمرارية في الإيمان. يبلغ طول التمثال 5 أمتار تقريبًا ووزنه 25 ألف كيلو. يمثّل مار مارون يرفع في يده اليمنى كنيسة صغيرة على شكل الكنائس المارونية وفي أسفل التمثال محفورة كلمات المزمور 92: “الصديق كالنخل يزهر ومثل أرز لبنان ينمو”.وصل البابا برفقة أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال ترشيزيو برتونه Tarcisio Bertone، وتلا صلاة التبريك على تمثال مار مارون وأشار فيها إلى عطر قداسته في الشرق كما جاء في المزمور 92. ثم منح الحاضرين بركته الرسولية. إلى جانب البابا، حضر الرئيس اللبناني ميشال سليمان وبطريرك إنطاكية وسائر المشرق للموارونة مار نصرالله بطرس صفير. ولفت الكاردينال أنجيلو كوماستري Angelo Comastri في كلمته إلى أن ”هذا الإحتفال هو إشارة محبة وتقدير للكنيسة المارونية التي عانت الكثير على مر الأجيال“.
وفي البازيليك الفاتيكانية، ترأس البطريرك الماروني القداس الإلهي الذي عاونه فيه الكاردينال ليوناردو ساندري Leonardo Sandri رئيس مجمع الكنائس الشرقية ولفيف من الأساقفة ورئيسا عام الرهبانية اللبنانية المارونية والرهبانية الأنطونية المارونية، وحشد كبير من الكهنة والرهبان، وخدمت القداس جوقة الجامعة الأنطونية في لبنان. وتجدر الإشارة إلى أن تمثال مار مارون وضع في آخر مكان فارغ للتماثيل في الفاتيكان إلى جانب آباء ومعلمي الكنيسة والقديسين الذين تركوا أثراً فيها.

نص عظة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في قداس عيد مار مارون
الصرح البطريركي بكركي – ٩ شباط ٢٠٢٣
“حبة الحنطة إذا وقعت في الأرض وماتت تأتي بثمر كثير”
يسوع المسيح هو حبة الحنطة بامتياز الذي بموته ولدت الكنيسة ويدعونا لأن نكون على مثاله.
لا يمكن أن نُؤتي ثمارًا لا روحية ولا كنسية ولا مدنية ولا وطنية ولا سياسية ولا اجتماعية ما لم يمت كل شخص عن ذاته ومصلحته الخاصة وعن أنانيّته وهذا ما يُعطي الإنسان جمال وجوده.
الآباء والأمهات يُعطون بسخاء على مثال حبة الحنطة التي تموت لتعطي ثمارًا.
القديس مارون أب الكنيسة المارونية وشفيعها هو حبة حنطة بامتياز لأنه بموته على جبل قوروش، من خلال حياته النسكية، لم يجنذب الناس فقط في حياته ولكن بعد موته ولدت الكنيسة المارونية، وهي الكنيسة الوحيدة التي تحمل اسم قديس، ما يعني أن لنا مسؤولية عيش الإسم الذي نحمله وعلى مثاله وقدوته يجب أن نعيش.
لا يمكنني أن أكون ماروني ولا أعرف من هو مار مارون
لا يمكنني أن أكون ماروني ولا أعرف ما هي رسالتي في كنيستي
لا يمكنني أن أكون ماروني الهوية ولا أملك إيمان مار مارون بالمعلّم الأوحد يسوع المسيح.
عيد مار مارون اليوم يدعونا للرجوع إلى هويتنا المارونية التي ترفض التقوقع والمصالح الضيقة، هويتنا المارونية، هوية انفتاح وحضارة وإيمان.
نحتفل بالعيد ،وهو علامة فرح، ولكن لا يمكننا أن نتجاهل دموعنا والحزن العيق في قلوبنا ليس فقط على حالتنا المارونية التي نحن فيها، ولكن أيضًا على الكوارث والزلازل والهزات التي أوقعت الرعب في وطننا والويلات بخسارة الآلاف في تركيا وسوريا.
نذكر اليوم بقداسنا كل الضحايا والجرحى والعائلات المنكوبة في هذا البرد والصقيع، نلتفت نحو أبانا السماوي ونقول:
“أبانا الذي في السماوات، أب الجميع، أرسل قوتك لشعوبنا المنكوبة ورحمتك للقلوب المتألمة”.
نعم أحبائي، إن الله يخاطبنا بكل الطرق وفي كل الظروف، خاطبنا بتجسده، بإنجيله، بكنيسته من خلال تعاليمها، وهو يخاطب اليوم ضميرنا، ضمير كل إنسان في أعماقه، ويدعونا إلى الخير ورفض كل أنواع الشر.
بصوت الضمير الحي، تخاطب الجيوب أبناءنا الموارنة في كل أصقاع المعمورة ونتوجه إليهم بالمعايدة القلبية والروحية، مؤمنين ومؤمنات، متمنين للجميع بعيد مبارك غني بمواهب الروح القدس والفصائل والقيم المارونية العريقة والمقدسة.
معكم نتوقف على هوية مار مارون التي يجب أن نعيشها، وهو مثالنا لأنه رجل صلاة، رجل تضحية، فجهله الله للجميع علامة السماء للأرض.
من هذا المنطلق أستذكر معكم اليوم أبعاد كنيستنا المارونية الخمس التي يذكرنا بها المجمع البطريركي الماروني.
البعد الأول، هي كنيسة بطريركيك إنطاكية،لأن أنطاكية هي مدرسة الإنفتاح وهي أم الكنائس ومار مارون خرّيج روحانية هذه المدرسة
البعد الثاني، هي كنيسة سريانية تحمل تراث مار أفرام السرياني ومار يعقوب وسواهم، تراث الروحانية النسكية العميقة، روحانية سر المسيح والروحانية المريمية.
البعد الثالث، الهوية الخلقيدونية نسبة لمجمع خلقيدونيا الذي اعلن أن المسيح إنسان بكامل الطبيعة الإنسانية وإله بكامل الطبيعة الإلهية وبدون ذوبان.
هكذا كنيسة مار مارون وتلاميذه بالبعد الزهدي والنسكي الخلقيدوني المؤمنة بالمسيح الكامل بإنسانيته وألوهيته.
البعد الرابع، كنيسة بطريركية ،٦٨٦ مع البطريرك الأول يوحنا مارون حفاظًا على كاثوليكوثيتها واتحادها مع روما بعد الإنشقاقات الكبرى. وبهذا أصبح البطريرك هو الرأس والأب لكنيسته وفي شركة تامة مع كرسي بطرس في روما.
البعد الخامس كنيسة رهبانية بامتياز ذات طابع نسكي على مثال مارون أبيها متجسدة في أرض لبنان حيث كُتب تاريخنا وبطركيتنا وتراثنا .
كل هذه السنوات كنيستنا بشراكة تامة مع كنيسة روما الأم، متجذرين في هويتنا وأرضنا ومنتشرين في كل الدنيا على مثال أرزة لبنان الطيبة الشذا، شلوشلها في أررضها ثابتة، وأغصانها ممتدة في كل المعمورة.
هذا هو أساس ثقافتنا وحضارتنا وهذا أساس كل عمل يجب أن نقوم به، ضمانة للإنسان والإنسانية وكرامة الشخص البشري، كنسيًا، إجتماعيًا ،وطنيًّا وسياسياً.
الذي يجهل جذوره يعيش بالفوضى والفساد.
ومن يجهل ماضيه، يجهل واقعه ومستقبله. وما عيد مار مارون اليوم سوا تذكير لهويتنا ودعوة لضمائرنا وجذورنا.
نلتمس من أبينا مارون أن يجعلنا نُدرك روحانيته كي نعيش على مثاله ونحن نحمل بمسؤولية، اسمه ونمط عيشه. وبه ومعه نمجد الثالوث القدّوس الآب والإبن والروح القدس الآن وإلى الأبد. أمين
كل عيد وأنتم بألف خير
#البطريركية_المارونية #البطريرك_الراعي #شركة_ومحبة #حياد_لبنان

تذكار ابينا المعظم القديس مارون/9 شباط
موقع قديس اليوم
أشرقت أنواره على جبال قورش شمال سورية، فهدَت النفوس إلى الحقّ، يوم كانت البِدَع تعيث فسادًا في تلك الأنحاء، أبو الطائفة المارونيّة ورافع لواء إيمانها مدى الأجيال. إنّ العلاّمة المؤرّخ الشهير تيودوريطوس أسقف قورش في كتابه “تاريخ الرّهبان والنسّاك”، يأتي على أعمال المتنسكين العِظام، وفي طليعتهم “مارون الإلهيّ” كما يسميّه.”لقد زيّن مارون، يقول المؤرّخ، طغمة القدِّيسين المتوحشين بالله ومارس ضروب التقشفات والإماتات تحت جوِّ السَّماء، دون سقف سوى خيمة صغيرة لم يكن يستظلّها إلا نادرًا. “وكان هناك هيكل وثنيّ قديم، فكرّسه مارون، كما يقول تيودوريطس، وخصّصه بعبادة الإله الواحد، يحيّي الليالي بذكر الله وإطالة الرُّكوع والسُّجود والتأملات في الكمالات الإلهيّة، ثم ينصرف إلى الوعظ وإرشاد الزائرين وتعزيّة المُصابين.
“كلّ هذا لم يكتفِ به مارون، يضيف المؤرخ، بل كان يزيد عليه ما ابتكرته حكمته جمعًا لغنى الحكمة الكاملة، لأنّ المجاهد يوازن بين النِعمة والأعمال فيكون جزاء المُحارب على قياس عمله. وبمَا أنَّ الله غني كثير الإحسان إلى قدّيسيه منحه موهبة الشّفاء فذاع صيته على الآفاق كلّها فتقاطر إليه النّاس من كلِّ جانب.
وكان جميعهم قد علموا أنَّ ما اشتهر عنه من الفضائل والعجائب هو صحيح وبالحقيقة كانت الحمّى قد خمدت من ندى بركته والأبالسة قد أخذوا في الهرب والمرضى كلّهم بَرئوا بدواء واحد هو صلاة القدّيس، لأنّ الأطباء جعلوا لكلّ داءٍ دواء، غير أنَّ صلاة الأولياء هي دواء شافٍ من جميع الأمراض”.
ولم يقتصر القدّيس مارون على شفاء أمراض الجسد بل كان يُبرئ أيضاً أمراض النفس.
ويختتم الأسقف الكبير بقوله: “والحاصل أنّ القدّيس مارون أنمى بالتهذيب جملة نباتات للحكمة السَّماويّة وغرس لله هذا البستان فأزهر في كلِّ نواحي القورشية”.
إعتزل مارون الناسك الشّهرة واختلى على قمَّة جبل، فشهرته أعماله التقويّة وانتشر عرف قداسته. والقدّيس يوحنّا فمّ الذّهب ذكره في منفاه وكتب إليه تلك الرسالة النّفيسة تحت عدد 36، العاقبة بمَا كان بين الرَّجلين من محبّة روحيّة واحترام وأخوَّة في المسيح قال: “إلى مارون الكاهن النّاسك. إنَّ رباطات المودّة والصداقة التي تشدُّنا إليك، تمثلك نصب عينينا كأنّك حاضر لدينا، لأنَّ عيون المحبّة تخرق من طبعها الأبعاد ولا يضعفها طول الزمان. وكنّا نودُّ أن نكاتبك بكثرة لولا بُعد الشقـَّة وندرة المسافرين إلى نواحيكم. والآن فإنّا نهدي إليك أطيب التحيّات ونحبّ أن تكون على يقين من أنّنا لا نفتر عن ذكرك أينما كنَّا، لما لك في ضميرنا من المنزلة الرَّفيعة.
فلا تضنَّ أنت أيضًا علينا بأنباء سلامتك، فإنّ أخبار صحّتك تولينا، على البعد أجلَّ سُرور وتعزية في غربتنا وعزلتنا فتطيب نفسنا كثيرًا، إذ نعلم أنّك في عافية.
وجلًّ ما نسألك أن تصلّي إلى الله من أجلنا”. (في مجموعة مين للآباء اليونان مجلد 72 عمود 63). ما انتشرت سمعة الكاهن مارون النّاسك حتى تكاثر عدد الرُّهبان حوله فأقامهم أوَّلاً في مناسك وصوامع على الطريقة الإنفراديّة، بحسب عادة تلك الأيّام، ثم أنشأ أديارًا وسنَّ لهم قانونًا وقام يُرشدهم في طريق الكمال. وتعدَّدت تلك الأديار المارونيّة ولاسيّما في شمالي سوريّة، حتى أن تيودوريطس يغتبط بوجودها في أبرشيّته.
وكانت وفاة مار مارون في السَّنة الأربع مئة وعشرة.
مات القدّيس مارون متنسكًا عفيفًا، ولكنّه لم يمت حتى رأينا أبناءه الرُّوحيِّين المشرَّفين باسمه، ينتشرون ألوفاً تحت كلِّ كوكب. غير أنّ المارونيّة تركز كيانها في لبنان وفيه بسقت (ارتفعت) دوحتها وامتدّت أغصانها إلى أنحاء الدّنيا.
وما زال أبناؤها، مغتربين ومقيمين، يستشفون كلّ حين، أباهم القدّيس مارون، صارخين إليه: “بـاسمك دعـينا يـا أبـانـا وعـلـيك وطّـدنـا رجـانـا كـن في الضيقات ملجانا واختم بـالخير مسـعـانـا”
آمين.

Saint Maron
Today’s Saint site
What we know about Maron, the spiritual father of the Maronites comes from Theodoret, the bishop of Cyr. In approximately 444 AD, Theodoret undertook the project of writing a religious history about his religion. Theodoret never knew Maron personally, but only through the disciples of this holy man. He described Maron as “the one who has planted for God the garden which flourishes now in the region of Cyr.”
Little is known of the birth or early years of Maron. It is generally accepted that he was born in what is now modern Syria, in the middle of the 4th century. Maroun was a priest who later became a hermit, retiring to the Taurus Mountains in the region of Cyrrhus, near Antioch. His holiness and miracles attracted many followers and drew attention throughout the empire.
According to history, Maron was never satisfied with the ordinary practices of asceticism, but was “always seeking for new ways to accumulate all the treasures of wisdom.” Maron was the spiritual leader not only of the hermits who lived near him but of all the Christian faithful in the area. He used to counsel them, heal their bodily and spiritual ills. All of these apostolic endeavors manifested wisdom and holiness of the hermit Maron.
The date of Maron’s death is placed somewhere between 407 and 423. Because of his great popularity among the people, riots broke out at the time of his death because everyone wanted to save his remains in their village.
The Maronite Church formerly celebrated the feast of this great saint on January 5th. (This is the day in which the church of Kfarhai was consecrated in his honor.) However, in the seventeenth century, the feast was transferred to February 9th. Lebanon has proclaimed Maron as its patron saint and Pope Benedict XIV granted a plenary indulgence to everyone who visited a Maronite Chruch on February 9th.
There are approximately twenty saints among Maron’s disciples, three of whom were women. Theodoret describes these disciples of Maron with these words: “These anchorites were virtuous and heroic, totally dedicated to a life of contemplative prayer. They were strangers to any other consideration in the world. They were obedient to Church authority and tried to imitate their predecessor in their exercises of austerity. At times, their acts of penance and mortification were excessive, but they were always obedient to ecclesiastical authority.”
After the Council of Chalcedon, Bishop Theodoret worked to construct the famous Monastery of Saint Maron. In addition to being a stronghold for the defense of the teachings of the Council of Chalcedon, this monastery was for a long time the center of the cultural and theological heritage of Antioch.