الكولونيل شربل بركات: مقتل الجندي الإيرلندي

338

مقتل الجندي الإيرلندي
الكولونيل شربل بركات/23 كانون الأول/2022

في آخر رسالة وجهها حزب الله للمجتمع الدولي وأدت لمنع قيام الرئيس ماكرون بزيارة للكتيبة الفرنسية في جنوب لبنان بمناسبة عيد الميلاد، كان قد أعلن عنها، وبعد أن أودت بحياة جندي من الكتيبة الإيرلندية كان متوجها مع مجموعة من رفاقه تابعة لقوات حفظ السلام “اليونيفيل” إلى مطاربيروت برحلة عادية لا تتضمن اي عمل عسكري، قام هذا الحزب، المسيطر على الدولة اللبنانية وأجهزتها تحت نظر العالم، بتبرئة المجرمين الذين نفذوا هذا الاعتداء الصارخ، وبكل وقاحة، على القوى التي تمثل الأمم المتحدة، وكأنه يريد أن يفهم اللبنانيين بأن لا أحدا قادر على تخليصهم من براثنه، وأن ما يحدث في إيران لن يؤثر على مجريات الأمور في لبنان.

وقد سعى من يسمون أنفسهم مسؤولين في الدولة اللبنانية بعد اعلان الحزب عن مسؤولية الأمم المتحدة عن الحادث، إلى التفتيش عن مخرج له، وقد أخذوا بمقولته بأن الجندي المغدور الذي كان يقود الآلية التي “ضلت” مسيرتها ودخلت منطقة “محظورة” ومعادية للقوات الدولية، لاقت التصرف الطبيعي معها كونها تعتبر من قبل هذه البيئة قوات احتلال تريد السيطرة على تلك المنطقة.

بكل بساطة أوصل حزب الله الرسائل التي يريدها للبنانيين والعالم وهي كما يلي:
– بالنسبة للبنانيين لا تحلموا بأن أحدا سيقدر على تخليصكم من سيطرتنا وأن أحد لن يتجرأ على القيام بنزع سلاحنا. وكل ما يقوله من يسمون أنفسهم بالسياديين عن تجريد الحزب من سلاحه لا يتعدى الكلام في غير محله.
– أما بالنسبة للعالم الحر فهو يريد التذكير بمخاطر معاداته علنا والمطالبة بتنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بسلاحه، وبأن بيئته لا تزال حاضرة للقيام بأعمال عدائية، تبدأ من القتل المتعمد لأفراد في القوات الدولية أو البعثات الديبلوماسية، ولا تنتهي بالتفجيرات الموسعة التي لا يستطيع أحد منعها. وقد كان تفجير مرفأ بيروت أحد الأمثلة.
– أما الرسالة الثالثة فهي من الحرس الثوري الإيراني للمجتمع الدولي؛ بأن من يريد أن يحرك الثورة في إيران يجب أن يعرف بأن لها أصابع قادرة على الضرب في اي مكان في العالم، ولن توقفها بعض المظاهرات المحلية التي سيتكفل بها القناصون وعمليات الاعدام المتتالية.
ولكن ماذا جرى في الوقائع وكيف تم التنفيذ؟ وهل إن المناطق الشيعية هي كلها مناطق مساندة لهكذا أعمال؟ أسئلة يجب أن تطرح والجواب عنها يجب أن يعرفه اللبنانيون والعالم.

سنبدأ برفض البيئة الشيعية للمساس بالحزب، وهي المسلمة الأولى التي يسعى إليها جماعة إيران وتعتبر نتيجة لكل ما دفعوه من أموال وتسليح وتدريب وسياسة اعلامية وعزل عن بقية المجموعات الحضارية اللبنانية منذ قيام الحزب حتى اليوم. فهل إن شيعة لبنان هم بالفعل موافقون على أعمال عملاء إيران؟

الجواب الواضح والذي يعرفه الكل هو باغتيال الناشط السياسي لقمان سليم. فلقمان سليم هو من سكان الضاحية الجنوبية ومن أعلامها، وقد كان المرحوم والده من المنظورين فيها قبل ظهور حزب الله وحركة أمل بسنين طويلة. ويعتبر بيتهم مرجع لسكان المنطقة من كل الطوائف. وكان السيد لقمان سليم ينادي جهرا بأن عملاء إيران هؤلاء لا يمثلون الشيعة حتى في الضاحية الجنوبية. ولذا فهم قرروا قتله بعد التهديد الغير المجدي. وكان التنفيذ، لسخرية القدر، في نفس المنطقة التي تم فيها اعدام الجندي الإيرلندي هذا الأسبوع. فهل إن الحزب لا يملك شبكات قادرة على الاغتيال إلا في منطقة العاقبية – العدوسية القريبة من قصر السيد بري رئيس حركة أمل في المصيلح؟ وهل إن أهالي الصرفند وعدلون هم أعداء لمنطق الدولة؟ أم أنها اللعبة التي يريد حزب الله زج حركة أمل فيها لتصبح ايضا من الخوارج على الدولة، لا كما يعتقد البعض بأنها تختلف عنه في الولاء للبنان، خاصة بعد اعلان المرحوم الامام شمس الدين بأن لبنان هو الوطن النهائي لكل مواطنيه، وبالتالي التناقض بين هذه المقولة وطرح حزب ولاية الفقيه الذي لا يعترف بالأوطان ويعمل ليضم لبنان إلى الأمة الشيعية التي تأتمر بأمر الولي الفقيه، وتعمل بحسب مصالح الجمهورية الاسلامية العليا وقواعدها.

من الغني عن القول بأن اليساريين الشيعة وهم كثر، ولو كانوا يتلاقون مع الحزب بموضوع العداء التاريخي لأسرائيل ويغفرون له بعض التعديات مقابل تصاريحه النارية التي تدغدغ غرائزهم، إلا أنهم يوم بدأت التظاهرات ضد “منظومة الفساد” نزلوا إلى الشوارع في صور والنبطية بدون خوف، ولم يعد الامام السيد علي الأمين وحده في موقف المعارض لطروحات الحزب ومشاريعه، ما اضطر الحزب لانزال فرق الدراجات لتقمع المتظاهرين وتصرخ بوجههم “شيعة شيعة” جاعلة من الطائفة غطاء للحزب ومشاريع اسياده.

النقطة الثانية هي كيفية تنفيذ القتل وهل كان هناك خطأ من قبل مجموعة الأمم المتحدة بدخولها قصدا أو عن طريق الخطأ إلى منطقة “محظورة” أم ماذا؟
في تحركات الجيوش ومهما كانت المهمات صغيرة لا مجال للتحرك بدون أوامر عمليات مفصلة تحدد من ضمن نقاطها الأساسية نوع الآلية وعدد الأشخاص وعدد الآليات المرافقة وخط السير وطرق الحماية والتصرف للجنود في كافة الأحوال. وفي هذه الأيام لا يمكن الخطأ في اتباع المسلك بسبب وجود التقنيات الحديثة وخاصة منها ال جي بي أس العادي للسيارات المدنية فكيف بتلك التي تستعملها الجيوش والأمم المتحدة بنوع خاص. وفي منطقة العاقبية مبدئيا يمر الاتوستراد السريع حيث لا حاجة لل جي بي أس أساسا لمعرفة الطريق ولا يمكن الخروج منها إلا عبر أحد المخارج المخصصة لذلك. ولكن لماذا انفصلت هذه الآلية عن رفيقتها وما كان تصرف الألية الأولى ولماذا لم تبلغ القيادة التي ترافق كل تحرك لقواتها عن الموضوع وهل أعلم من في الألية قيادته عن محاولة اجبارهم للخروج من الاوتوستراد؟ وما كان رد القيادة؟ هذه المعلومات مسجلة بالتأكيد لدى القوات الدولية وخاصة الكتيبة الإيرلندية التي تتبع لها هذه المجموعة من الجنود. وسوف تكونأساسية في التحقيق الدولي الذي يشرف عليه الجيش الإيرلندي.

تحاليل الصحف اللبنانية ووسائل الاعلام تدور كلها حول ما صرح به حزب الله. ومن هنا لن يسمع المواطن اي شيء مختلف حول الموضوع. وسيعتقد بأن المناطق الشيعية هي مناطق معادية لكل الناس التي تختلف عنهم، وبالتالي لا يمكن أن يدخل أحد اللبنانيين اليها، فكيف بالغرباء؟ خاصة إذا كانوا يرفعون الأعلام الزرقاء، ويستقلون الآليات البيضاء التي كتب عليها بخطوط كبيرة حرفا UN ما يعني الأمم المتحدة. فهذه قد تكون علامة العدو وشعاره إذا ما نظر إليها بمنظار ألوية “الأهالي” التي يتخفى خلفها الحزب كلما أراد الاشتباك مع قوات الأمم المتحدة لأيصال رسالة ما للعالم الحر صادرة من إيران. واختيار مكان الاعتداء على عناصر الأمم المتحدة يكون عادة في المناطق الأكثر قبولا بهذه القوات ومساندة لها. فمثلا يوم قامت “قوات الأهالي” بالتعرض لجنود حفظ السلام في شقرا كانت شقرا هي الهدف أكثر من قوات الطوارئ لأن شقرا بلدة الأمام السيد علي الأمين وهي جارة تبنين بلدة الرئيس بري الذي يجاهر بأنه مع الدولة والاتفاقيات الدولية فهذه اشارات لا بد منها لتكذيب المقولة وتفريغ أصحابها من التاثير على جماعتهم.

حزب الله قادر بدون شك على توجيه الرسائل كلما أحس باي تغيير في السياسة نحوه أو عندما يطلب منه توجيه رسالة إيرانية ولكن ماذا عن القيادات السياسية اللبنانية التي تقبل بأن يبقى البلد صندوق بريد لقوى الرفض في كافة الاتجاهات.

الآلية التي قتل فيها الجندي الإيرلندي كانت مصفحة أي لا يمكن إيذاء من فيها بسهولة ومن هنا الأضطرار لتحويل سيرها لتدخل إلى مكان يمكن توقيفها وكسر زجاجها أو فتح الأبواب ليمكن قتل أو اصابة اي من العناصر بداخلها. من هنا كانت عملية دفعها حتى تصطدم وتتوقف فتستعمل الحجارة والعتاد الحديدي لمحاولة كسر الشبابيك وفتح الأبواب كما نقلت الصور التي سمح بتوزيعها. لكي يتم التعدي.

من كان يمكن أن يتدخل لمساعدة هؤلاء الجنود الذين تقتضي أوامرهم بعدم اطلاق النار على المدنيين في كل الحالات؟ بالطبع قوات الدولة اللبنانية اي الجيش إذا طلب منه ذلك. فهل كان للجيش اللبناني أي مخفر أو مركز قريب من العاقبية يستطيع التدخل؟ وهل طلبت القوات الدولية منه ذلك وهو الأمر البديهي أو أعلمته بما جرى؟ هذه الأمور يجب أن يتطرق لها التحقيق. ومن ثم كيف يتم التعدي على آلية للأمم المتحدة واجبارها على الخروج عن الطريق العام والهجوم عليها، بدون أن يلاحظ ذلك مخبرو الأجهزة الأمنية التي تتلقى جزءً من مرتباتها من دول العالم الحر؟ وهل اصبحت هذه الأجهزة ومن ضمنها الجيش غير قادرة حتى على رصد التحركات المسلحة على الطرق العامة؟

لا نريد الاطالة بالتحليل، ولكننا نستنتج أمام هذا الواقع المرير، بأن من يطالب بانتخاب رئيس للبلاد قبل الانتهاء من الانفلات الأمني والسلاح غير المنضبط والمناطق التي تجاهر بتكديسه خارج سلطة الدولة، لن يلاقي سوى المزيد من التدهور، لدرجة أن يتخلى العالم عن لبنان أكثر فأكثر، ويترك شعبه يعيش في دولة اللاقانون، تتقاسمه العصابات المسلحة وتعيده إلى زمن حكم العثمانيين الذين لم يفعلوا سوى فرض الضرائب بالقوة وتسليم البلاد لمن يدفع أكثر. فهل هذا ما يريده اللبنانيون بكل فئاتهم وطوائفهم ومعتقداتهم؟ وهل إن العداء لاسرائيل يتطلب أن يزول لبنان عن بكرة ابيه، ويتشتت شعبه في كل اصقاع الأرض، ليرضى الحاقدون الذين لا يعروفون مصالحهم ولا يتصورون مشاريع وخطط بناءة تخرج بلدهم من دائرة العنف، وتحيّده عن مشاكل المحيط، وتؤمن الاستقرار، وتعيد دورة الحياة له، والنمو والازدهار لشعبه على اختلاف مشاربهم؟

صلاواتنا في هذه الأيام إلى طفل المغارة، بأن يلهم المنظورين بيننا اتخاذ قرارات حاسمة، تقف إلى جانب الحق وتطالب الأمم المتحدة بتنفيذ قراراتها وقوانيها على الكل، لكي يعود للبنان استقراره ونتأمل بمستقبل بنأء…